الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 20، الدرس العشرون : (فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ... وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه ولا تمثيل). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤمن أهل السنة والجماعة بأسماء الله وصفاته كما وردت في الكتاب والسنة دون تحريف أو تعطيل. الإلحاد في الأسماء والصفات يعني العدول بها عن الحق الثابت لها.
الإلحاد يشمل التسمية بأسماء الله ووصفه بالنقائص وتعطيل الأسماء والصفات وتمثيلها بصفات خلقه. السلف رفضوا هذه الأقسام وأثبتوا الأسماء والصفات كما جاءت.
مذهب السلف هو إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل، مع فهم معانيها الظاهرة في ضوء الشرع واللغة. هذا المذهب يربط الكلام في الصفات بالكلام في الذات الإلهية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عقيدة الواسطية: «قال: فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلمة عن مواضعها، ولا يلحدون بأسماء الله وآياته، ولا يكيفون، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه». قال الشارح رحمه الله تعالى: وقوله «فلا ينفون عنه إلى آخره» تفريع على ما قبله، فإنهم إذا كانوا يؤمنون بالله على هذا الوجه، فلا ينفون، ولا يحرفون، ولا يكيفون، ولا يمثلون؛ لأنه قال كما سبق في الإيمان بالله: إن من الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه بكتابه، وبما وصفه رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكيف ولا تمثيل. ثم ذكر بعد ذلك بأنهم يؤمنون بأن الله «ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير»، فإذا كان كذلك، فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، وهذا من الإيمان بما وصف به نفسه بكتابه، وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم بسنته، أنهم لا ينفون عنه ما وصف به نفسه. قال: «تفريع على ما قبله، فإنهم إذا كانوا يؤمنون بالله على هذا الوجه، فلا ينفون، ولا يحرفون، ولا يكيفون، ولا يمثلون»، فهذه الأمور الأربعة كما مر معنا مما تجتنب في باب الأسماء والصفات، فلا تحريف ولا تكيف ولا تمثيل ولا نفي، بل إمرار كما جاءت، تمر كما جاءت، تثبت لله على ما يليق بجلال الله وعظمته. قال: «والمواضع جمع موضع، يعني ولا يحرفون الكلمة عن مواضعها، المواضع جمع موضع»، قال: «والمراد بها المعاني التي يجب تنزيل الكلام عليها، فلا يحرفون الكلم عما اقتضاه من معناه الصحيح الذي دل عليه ظاهره»؛ لأنها هي المتبادرة منه عند الإطلاق، الأصل أن اللفظ يراد ظاهره، ولا ينصرف عن هذا الظاهر، ولا يترك إلا بقرينة وعلاقة صحيحة، إلا بقرينة وعلاقة صحيحة، سواء قيل بالمجاز أو لم يقل، لا يجوز الانصراف عن الظاهر إلا بقرينة وعلاقة صحيحة، والمراد بذلك أن يكون هناك دليل صحيح صريح يصرف هذا اللفظ عن ظاهره. والصحيح أنه لا وجود للمجاز لا في اللغة ولا في الشرع، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في موضعه. قال رحمه الله: «لأنها هي المتبادرة منه عند الإطلاق»، فهم لا يعدلون به عنها، بل يبقون على هذا الظاهر. قالوا: أما قوله «ولا يلحدون في أسماء الله آياته»، فقد قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «والإلحاد بأسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها»، العدول بها يعني عن ألفاظها، وبحقائقها عن مدلولها، ومعانيها يعني التي تبينه عن الحق الثابت لها، فأي ميل في اللفظ أو ميل كذلك في الحقيقة أو ميل في المعنى فهو من الإلحاد. ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الإلحاد على أنواع، فمن الإلحاد تسمية سبحانه بما لا يليق به، كقول النصارى «الأب»، وقول الفلاسفة «علة العلة» أو «العلة الفاعلة» أو «الموجد»، ونحو ذلك من التسميات التي فيها إلحاد في أسماء الله وصفاته. وهكذا من الإلحاد كذلك تسمية بعض المخلوقات بأسماء فيها مضاهاة لأسماء الله، كتسمية المشركين بعض الأصنام بالله، وآخر بالعزة، ونحو ذلك، أو تسمية النصارى كذلك عيسى «بالابن»، وأمه مريم «بالأم»، ونحو ذلك من التسميات الباطلة. وهكذا كذلك من الإلحاد وصفه جل وعلا بما يتعالى عنه من النقائص، كقول اليهود «فقير»، وقول اليهود «يد الله مغلولة»، ونحو ذلك. ومن الإلحاد كذلك تعطيل الأسماء الله وصفاته، كما فعل الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، حطلوا الأسماء والصفات أو بعض الصفات والأفعال. ومن الإلحاد كذلك تمثيل صفاته بصفات خلقه، فهذا كله من الإلحاد. قال رحمه الله تعالى: «والإلحاد في أسمائه والعدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها مأخوذ من الميل»، كما يدل عليه مادة اللام والحا والدال، يعني مادة «لحد» تفيد الميل، قالت: منه «اللحد» وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط، ومنه «الملحد في الدين» المائل عن الحق، المدخل فيه ما ليس منه، انتهى أي انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى. وما ذكر من أقسام الإلحاد كذلك عن ابن القيم بمعناه، قالت: «الإلحاد فيها إما أن يكون بجحدها وإنكارها بالكلية كفعل بعض الجهمية، وإما بجحد معانيها وتعطيلها كفعل بعض فرق الجهمية، وإما بتحريفها عن الصواب وإخراج عن الحق بالتأويلات الفاسدة كفعل الكلابية والأشاعرة والمعتزلة والماتريدية». قال: «وإما بجعلها أسماء لبعض المبتدعات كإلحاد أهل الاتحاد»، يعني أهل الحلول والاتحاد، ومنه فعل بعض المشركين كما سبق من النصارى، وعبدت الأوثان. قال رحمه الله: خلاصة ما تقدم أن السلف رضي الله عنهم يؤمنون بكل ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه، وبكل ما أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، إيمانا سالما من التحريف والتعطيل، ومن التكييف والتمثيل. ويجعلون الكلام في ذات الباري وصفاته بابا واحدا، فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ومعناه أننا كما أننا نثبت لله ذاتا لا كالذوات، فكذلك يجب أن نثبت لله الصفات لا كالصفات. هل هم يثبتون لله ذات؟ إن قالوا: لا، كفروا؛ لأنهم معناه نفوا وجود الرب سبحانه وتعالى، فهم لابد أن يثبتوا لله ذات، فيقال لهم: ما تقولون بهذه الذات؟ يقولون: ذات لا كالذوات تليق بجلاله وعظمته. فيقال لهم: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما قلتم أنكم تثبتون لله ذاتا لا كالذوات، فكذلك يجب أن تثبت لله صفات لا كالصفات. وهذا هو معنى قوله رحمه الله: «ويجعلون الكلام في ذات الباري وصفاته بابا واحدا»، يعني الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. قال: «بأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه»، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات، يعني أن إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات تكييف، نثبتها كما جاءت، لا نتعرض لها بتحريف ولا تعطيل، كما لا نتعرض لها بتكييف ولا تمثيل. وهذا معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما تراه في مجموع الفتاوى والمجلد الثالث، قال رحمه الله تعالى: «وقد يعبرون عن ذلك بقولهم: «تمروا كما جاءت بلا تأويل»»، وهذا جاء عن جماعة من الأمة، منهم الثوري، وجماعة ذكرهم اللالكائي رحمه الله بأصول اعتقاد أهل السنة. ومعنى «تمر كما جاءت بلا تأويل»: أي أننا نثبت هذا اللفظ بمعنى بجلال الله وعظمته، من غير أن نصرف لفظه إلى أي معنى من المعاني التي تنافي هذا الظاهر. وليس معنى «تمر كما جاءت» أي ليس لها معنى كما ظنه بعض المفوضة، فبعض المفوضة ظنوا أن عبارة السلف «تمر كما جاءت» أي أنها تمر من دون أن يثبت لها معنى، وهذا ليس بصحيح. بل أهل السنة من سلف ومن لحق ممن تبعهم بإحسان يؤمنون بأن مباحث الصفات تمر كما جاءت بمعانيها، فنحن نعرف معنى اليد، ونعرف معنى الوجه، ونعرف معنى الاستواء، ونعرف معنى النزول، ونعرف معنى المجيء، وكلها من صفات الله سبحانه، لكن لا يعني معرفتنا لهذه المعاني أن نذكر لها مثالا وكيفية، لا، بل نثبتها إثبات وجود، فنقول: نثبت لله اليد على ما يليق بجلاله وعظمته، ونثبت لله المجيء والنزول والاستواء والوجه وسائر الصفات على ما يليق بجلاله وعظمته، لا نتعرض له بتعطيل ولا تحريف، كما لا نتعرض له بتكييف ولا تمثيل، فنثبته إثبات وجود، كما أننا نثبت لله ذاتا لا كالذوات، فكذلك نثبت لله صفات لا كالصفات. ومن تعطيلها أن نقول: أنه ليس لها معاني، وهذا قول المفوضة الذين زعموا أن هذا هو مذهب السلف، وهذا خطأ، فلم يكن السلف يقرؤون آيات وأحاديث الصفات لا يعرفون معناها، فهم حين يقرؤون ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ يعرفون معنى اليد، ما كانوا يجعلون لليد مثل الباء من أحرف الأبجدية ليس لها معنى، لا، بل اليد لها معنى عندهم، لكن لا يعرفون كيفيته، يقولون: هو على ما يليق بجلال الله وعظمته. فننتبه لهذا. قال رحمه الله: «ومن لم يفهم كلامهم ظن أن غرضهم بهذه العبارة هو قراءة اللفظ دون التعرض للمعنى، وهو باطل كما مر معنا قبل قليل»، فليس معناه أنهم لا يفهمون المعنى، بل يعرفون معنى اليد، ومعنى الوجه، ومعنى المجيء، والنزول، والاستواء، كل هذا يعرفون معنى. قال: «فإن المراد بالتأويل المنفي هنا هو حقيقة المعنى وكنهه وكيفيته»، فقوله «بلا تأويل» أي بلا خوض في الحقيقة، وبلا خوض في الكيفية، هذا معناه. وهكذا الكنه، والكنه المراد به الأصل والحقيقة كذلك. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث»، وهذا الأثر عن الإمام أحمد رواه اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في أثر تسعمائة وستة وثلاثين، وذكره الذهبي في كتاب العلو، وأشار إليه كذلك في السير في المجلد العاشر، وصار هذا الأثر كالميزان لأهل السنة في مبحث الأسماء والصفات، أي لا يتعدى في باب الأسماء والصفات القرآن والحديث، فباب الأسماء والصفات توقيفي. وأما ما جاء بمبحث الأخبار والإخبار عن الله، فسيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله، فإنه يتوسع في باب الأخبار ما لا يتوسع في باب الأسماء والصفات. قال رحمه الله تعالى: «وقال نعيم بن حماد شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه ولا تمثيل». وهذا الأثر كذلك أورده الذهبي رحمه الله في العلو، إسناد صحيح، وذكر معناه غير واحد ممن كتب في السنة. ومعنى هذا الأثر أن مبحث الأسماء والصفات تمر كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، وهذا قوله: «ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر»، ومن غير تكيف ولا تمثيل، وهو قوله: «ومن شبه الله بخلقه كفر»، وأنها تثبت على ما يليق بجلال الله وعظمته، وهو قوله: «وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه ولا تمثيل»، يعني أن السلف يثبتون ظاهر الألفاظ بمعانيها المعروفة في الشرع واللغة، ولا يقتضي إثباتها بمعانيها تشبيها ولا تمثيلا؛ لأنها تثبت إثبات وجود، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.