الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 91، الدرس الحادي والتسعون:من( فصل:وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه مجيب ... فهذه نعوت له على ما يليق به سبحانه ليس كمثله في شيء منها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع معنى قرب الله تعالى ومعيته كما ورد في الكتاب والسنة، ويوضح أن هذا القرب لا ينافي علو الله تعالى وفوقيته. يستدل على ذلك بآيات وأحاديث نبوية.
يفسر المقطع معنى قرب الله تعالى من عباده، موضحًا أن هذا القرب لا ينافي علو الله سبحانه وتعالى، فهو قريب بعلمه وإحاطته وقدرته. يستدل على ذلك بآيات وأحاديث نبوية.
يفسر ابن القيم رحمه الله الآية الكريمة، ويبين أن القرب هنا هو قرب الملائكة، وليس قرب الله سبحانه وتعالى بعلمه وإحاطته، مستدلا بآيات أخرى.
لا يوجد تعارض بين علو الله تعالى وقربه من خلقه، فهو قريب في علوه وعلي في دنوه. يُؤكد هذا التوفيق على تفرد الله بصفات لا مثيل لها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل، قال: وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه، مجيب، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». قال: وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو علي في دنوه، قريب في علوه. جعل المؤلف رحمه الله تعالى هذا الفصل في الكلام على مسألة المعية، وناسب أن يذكر ذلك بعد ما ذكر من صفة العلو والاستواء، وهكذا كذلك ما ألمح إليه من أمر المعية التي ورد في بعض أدلة العلو السابقة، وسبق الكلام عليه في مبحث القرآن، وزاد هنا رحمه الله زيادة تفصيل فيه. وقد أورد شيئا من أدلة الكتاب والسنة، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه. قال رحمه الله تعالى: قال الشارح رحمه الله: قوله «وقد دخل بذلك الإيمان» إلى آخره، قال: يجب الإيمان بما وصف الله به نفسه من أنه قريب مجيب، فهو سبحانه قريب ممن يدعوه ويناجيه، ويسمع نداء دعاءه ونجواه، ويجيب دعاءه متى شاء وكيف شاء. فهو تعالى قريب قرب العلم والإحاطة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. قالوا: بهذا يتبين أنه لا منافات أصلاً بينما ذكر في الكتاب والسنة من قربه تعالى ومعيته، وبينما فيهما -أي الكتاب والسنة- من علوه تعالى وفوقيته، فهذه كلها نعوت له على ما يليق به سبحانه، ليس كمثله شيء في شيء منها. وهذا من الشارح رحمه الله توضيح مجمل لما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، وهذا مع الحديث الذي أشار إليه، فيه إشارة إلى تفسير معنى القرب. فإن قرب الله عز وجل لا يعني شيئاً من معاني المخالطة، ولا كذلك الامتزاج. فقربه سبحانه وتعالى لا ينافي علوه سبحانه وتعالى، فهو قريب في علوه. كما قال رحمه الله: ولذلك فسر بعض أهل العلم هذا بقوله جل وعلا: «من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً» في الحديث القدسي. فهذا القرب قرب خاص، كما يقال في الدنو والنزول، لا يستلزم قرب الذات. كما أنك تقول: قرب الرجل من مكة، ومكة لم تقرب منه، وإنما هو قرب من مكة، فمكة لا تقترب، ولله المثل الأعلى. فالله عز وجل قريب، وهو سبحانه وتعالى في علوه، قريب بعلمه وبإحاطته وبقدرته سبحانه وتعالى، وهيمنته جل وعلا. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الآخر: «أقرب ما يكون العبد من ربي وهو ساجد»، وهذا نوع من القرب. ولكن هل هذا القرب يعني منافاه لمعنى العلو؟ الجواب: لا. ولهذا كان هو يقول عليه الصلاة والسلام في دعاء سجوده: «سبحان ربي الأعلى»، فأثبت لله عز وجل العلو، وهو الذي قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». فقرب العبد من ربه، وقرب الرب من عبده لا ينافي العلو. وهكذا كذلك الحديث: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته»، فهو أقرب لا يعني أقرب بأنه شيء ينافي العلو، بل هو قريب في علوه، كما أنه سبحانه وتعالى علي في دنوه سبحانه وتعالى. وهذا إنما هو القرب الخاص. فقربه نعت من نعوته، وصفة من صفاته: «إني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان». وهكذا كذلك الآية التي أشار إليها الشارح رحمه الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. والصحيح من أقوال أهل العلم أن الآية فسرت بقرب الملائكة بذواتهم، وقرب الله عز وجل بعلمه لا بذاته، بل هو سبحانه وتعالى بذاته في علوه جل وعلا. فالعلو صفة ذات لله جل وعلا. فهذه الآية مثل قول الله عز وجل: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنْ لَا نَسْمَعَ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. فالله عز وجل قريب، وهو في علوه يسمع سرهم ونجواهم، وملائكته كذلك من عباده عن قرب يكتبون ما يعملون. وقد رجح ابن القيم رحمه الله أن المراد بهذه الآية قرب الملائكة -أي بذواتهم- من عدة أوجه. فذكر القولين عن السلف والخلف فيما يتعلق بتفسير هذه الآية، وعلمنا أن القول الصحيح عند المحققين من أهل العلم أنه قرب الملائكة بذواتهم، وقرب الله جل وعلا بعلمه. فرجح ابن القيم رحمه الله أن المراد بالآية الملائكة بمرجحات من هذه المرجحات: أن الآية مثل قول الله عز وجل -يعني في السياق-: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، فأضاف العمل إلى العباد، أضاف العمل إلى العباد، فإذا قرأناه مع أن الذي يقرأه وتسمع قراءته إنما هو العبد، وليس هو الله سبحانه وتعالى. ومثله هنا: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، أي: من يقوم بالعمل الذي ذكر في الآية بعده: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. فالملائكة أقرب في الكتابة وفي مراقبة العمل والقول. فهو مثل: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، ولا ينافي ذلك قربه سبحانه وتعالى بعلمه وإحاطته، كما سبق أن ذكر. ورجح بمرجح آخر كذلك: أنه قيد بالظرف في الآية بعده: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾، قال: وقرب الله وإحاطته مستمرة لا تقيد بالزمان. هذا معنى كلامه رحمه الله. فأشار أن هذا يدل أن المراد الملائكة. وذكر مرجحا آخر: أن الآية فيها علمه سبحانه وتعالى، وكتابة الملائكة، يعني: أن الآية أشارت إلى علم الله عز وجل: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، ونحن أقرب إليه -أي الرب جل وعلا- بعلمه، والملائكة بذواتهم يكتبون ما يراقبون. فهى مثل الآية التي سبقت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنْ لَا نَسْمَعَ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، وهي مثل كذلك كما قال ابن القيم: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾، وهي مثل قول الله عز وجل: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. وهكذا رجح بمرجح آخر: أن القرب ورد خاصا، ولم يرد عاما، ولم يأت كالمعية عامة وخاصة، يعني: لا يمكن أن نقول أن القرب هنا هي بمعنى المعية؛ لأن المعية وردت معية عامة ومعية خاصة، أما القرب فإنه لم يرد ورد هنا خاصا ولم يرد عاما، فعلم أنه قرب الملائكة. وهكذا كذلك في قوله سبحانه: ﴿وَنَحْنُ﴾، هذا مثل قول الله عز وجل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، فلا يلزم منه أنه فقط قص الرب جل وعلا، بل وكذلك تبليغ الملائكة، أي: ما أمرها الله عز وجل بتبليغه من القصص التي أوحاها الله عز وجل إليها. وهكذا كذلك مثل قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، وهكذا كذلك ما ذكر معه من آيات: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، فقوله سبحانه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ليس هو للرب سبحانه وتعالى وحده، بل هو كذلك لفعل الملائكة، ولهذا نظائر كثيرة أشار إليها ابن القيم رحمه الله في كتابه «الصواعد» وفي «المختصر» كذلك. وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾ لا يجوز أن يراد به مجرد العلم، لا يجوز أن يراد به مجرد العلم. وقال ابن القيم: مما يدل على أن القرب ليس المراد به العلم: أنه أثبت العلم وأثبت القرب، فجعلهما شيئين، فلا يجعل أحدهما هو الآخر؛ لأن عطف المتغايرين يدل على اختلافهما لا على اتحادهما. ولهذا فإن معنى القرب يذكر كثيرا مع معنى الدعاء، أو في موضع الدعاء، فهو قرب خاص للداعي وللساجد، وهكذا كذلك قرب الروح إلى الله سبحانه وتعالى. ولو تأملت الأدلة التي فيها معنى القرب فإنك تجد هذه المعاني الثلاثة -هذه المعاني الثلاثة التي أشار إليها ابن القيم رحمه الله تعالى-. فخلاصة هذا المبحث: أنه لا منافاة بين علو الرب جل وعلا وقربه، فهو قريب في علوه، وهو سبحانه وتعالى علي في دنوه جل وعلا، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وبهذا نكتفي، والله تعالى أعلم.