الدرس في شرح اللآلئ البهية 33، الدرس الثالث والثلاثون : فيه : ( ولما أنهى الكلام على الحوض ... والأحاديث في ذلك كثيرة معلومة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الصراط هو جسر على جهنم، حق ثابت في الكتاب والسنة واتفاق الأمة. يجب اعتقاد ذلك عند أهل السنة والجماعة.
يوصف الصراط بأنه دقيق وأحد من السيف، ويمر الناس عليه بسرعات مختلفة حسب أعمالهم. تختلف روايات وصف الصراط بين الصحابة والتابعين.
أحاديث الصراط تبين مروره عليه بقدر أعمالهم، ومن أهمها حديث أبي هريرة وأبي سعيد في صحيح مسلم. هذه الأحاديث مهمة لفهم هذا الموضوع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المرداوي رحمه الله تعالى في شرحه لآلِهِ البهية شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية: قال ولما أنهى الكلام على الحور وذكر ما يجب اعتقاده فيه، أعقبه بذكر الصراط وأنه مما يجب اعتقاده عند أهل السنة والجماعة، فقال: وكذا -أي وكإقراري بالميزان- أقر بالصراط أنه حق ثابت للأحاديث الواردة فيه، يمد -أي بالبناء للمجهول- أي ينصب فوق ظهر جهنم، أعادنا الله تعالى منها برحمته. فنقول -وبالله التوفيق- اعلم وفقك الله أن الصراط حق ثابت في الكتاب والسنة واتفاق الأمة، وهو في اللغة الطريق الواضح، وفي الشرع جسر ممدود على جهنم. وسيأتي أن الجسر لا يلزم منه أن يكون عريضًا، بل سيأتي أنه دقيق. قال: وفي الشرع جسر ممدود على ظهر جهنم، فيرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار. وهذا كما سيأتي لا دليل عليه أنه قنطرة -يعني موضع- كأنه يقول موضع بين الجنة والنار، الصواب أنه فوق الجنة فوق النار، يمر به إلى الجنة. قال: أخرج البخاري والإسماعيلي واللفظ له عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، قال: يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص بعضهم من بعض. وهذه القنطرة ليست الجسر، فتفسير الصراط بأنه قنطرة لم يرد به دليل، ولكن فسرت القنطرة ها هنا -كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح- أنه ثمة الصراط مما يلي الجنة -يعني آخر الصراط ومنتهى-، وفسر بأنه صراطان. وظاهر الحديث يدل -الله تعالى أعلم- أنه موضع بين الجنة والنار، قال: فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذبوا ونُقوا أذن لهم في دخول الجنة. فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا. والحديث كما قال: رواه البخاري والإسماعيلي -يعني بزيادات في مستخرجه-. قال: قال قتادة: كان يقال ما يشبه بهم إلا أهل الجمعة، انصرفوا من جمعتهم -يعني في الكثرة كثرة الناس وتواردهم إلى الجنة-. قال: قال القرطبي: وهذا الأثر أخرجه ابن منده بكتاب الإيمان. قال: قال القرطبي: وهذا في حق من لم يدخل النار من عصاة الموحدين، أما من دخلها ثم أخرج فإنهم لا يحبسون، بل إذا أخرجوا بُعثوا على أنهار الجنة -يعني يوضعون على أنهار الجنة- كما جاء معناه في حديث أبي سعيد وأبي هريرة: يرمون في نهر يقال له نهر الحياة. قال الحافظ ابن حجر: على قوله: يخلص المؤمنون من النار، أي ينجون من السقوط فيها بمجاوزة الصراط عنها. قال العلماء: الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف. وهذا جاء معناه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه من قوله في صحيح مسلم، قال: بلغني -أي عن الصراط- أنه أدق من الشعر، وقال: وأظلم من الليل. وسيأتي هذا المعنى في بعض الآثار، ولكنه لا يصح. قال: وقد أخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف، مدحضة -أي مزلقة- لا يثبت عليه القدم، بل تزل عنه إلا من ثبته الله تعالى عليه، كلاليب من نار تخطف أهلها -يعني أهل النار- فتمسك بهواديها، ويستبقون عليه بأعمالهم. فمنهم من شدته كالبرق -يعني من شدة سعيه وتوفر عمله يمر كالبرق-، فذلك الذي لا ينشب -يعني لا يتمسك به الخطاطيف- لا ينشب أن ينجو. ومنهم من شدته كالريح، وكالفرس الجواد، وكهرولة الرجل. والحديث وحديث ابن مسعود هذا -كما أشار- رواه الطبراني بالكبير، وفيه محمد بن فضل السدوسي، ولكن ليس هذا فحسب، بل هو من رواية أبي عبيدة عن أبيه، ولم يسمع من أبيه على الصحيح، ولكن توبع، فقد رواه الدارقطني من طريق أبي عبيدة عن أبيه، ورواه المروزي في تعظيم قدر الصلاة من رواية مسروق عن ابن مسعود، فيكون بهذا الحديث حسنًا. ولأجل هذا -والله تعالى أعلم- حسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في تحقيقه للطحاوية. ومعناه قد جاء في الصحيح بعض معناه، جاء في الصحيح كما مر معنا من حديث أبي سعيد، قال: بلغني -موقوف- وله حكم الرفع. وهكذا كذلك جاء في حديث أبي هريرة، حديث أبي سعيد مرفوعًا في مرور الناس بقدر أعمالهم على هذا الصراط. وجاء هذا المعنى عن عدد من الصحابة، لكنه بين موقوف وضعيف، فجاء عن سلمان موقوف عليه صحيح، رواه في الشريعة الأجري، وقال: إنه كحد الموسى، وهو بمعنى حديث أبي سعيد. وجاء عن أنس في الشعب وفيه ضعف. فالمهم هذا يدل على أن هذا المعنى له أصل. قال: وأخرج الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إني عندي خطر مطموس ها ها». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كأنه في كلمة ها مباشرة لي جهنم». طيب. قال: «لي جهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، والناس عليه كالطرف -يعني يمرون كطرف العين غمضة العين- وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: سلم سلم، فناج مسلم ومخدوش مسلم ومكردس في النار على وجهه». وهذا الحديث -كما أشار- رواه أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه ضعف. ثم أشار أن الراوي عنه يحيى بن إسحاق من قدماء من روى عن ابن لهيعة، فكأنه بهذا يحسن إسناده. وجاء كذلك من طريق أخرى في الغيلانيات، ويشهد لهذه الطريق تكون متابعة لها. وروي معناه كذلك من حديث أنس، رواه البيهقي في الشعب، وفيه ضعف، وهو يشهد لهذا. وروي عن عبد الله بن عمر مرسلًا، أو عبد الله بن عمرو. وروي عن ابن مسعود، فهو بهذه الشواهد والمتابعات يحسن. ومعناه بالجملة تدل عليه أحاديث صحيحة، فمرور الناس على قدر أعمالهم جاء معناه في صحيح مسلم، وكونه أدق من الشعر وأحد من السيف كما مر جاء في صحيح مسلم موقوفًا من حديث أبي سعيد موقوف عليه. قال: وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصراط كحد السيف، وأن الملائكة ينجون المؤمنين والمؤمنات -يعني إما بالدعاء وإما بالشفاعة- وإن جبريل لآخذ بحجزتي، وإني لأقول: رب سلم سلم، فالزالون والزالات يومئذ كثير». وهذا كما مر معنا أنه رواه البيهقي في الشعب، وهكذا كذلك بكتاب البعث والنشور عن أنس، وفيه ضعف، فقد جاء في الشعب من طريق سعيد بن زربي ويزيد الرقاشي، وهما ضعيفان. وفي طريق أخرى فيه زياد النميري، وهو ضعيف، لكن كما مر معنا أنه لمعناه شواهد ومتابعات حسنها به بعض أهل العلم، وإن ضعف، فيغني الصحيح عن الضعيف، فقد جاء المعنى الصحيح بما يغني عن هذا الضعيف. وبالجملة معناه صحيح. ولو ضعُف إسناده. قاله ببعض الآثار: إن طول الصراط مسيرة ثلاثة آلاف سنة، ألف منها صعود، وألف منها هبوط، وألف منها استواء. وهذا الأثر -كما أشار- إنه روي عن الضحاك بن عياض، قال: بلغنا، فيكون بهذا معضلًا لا يثبت -كما أشار من كلام ابن عساكر في ترجمته-. قال: وقد أخرج الإمام عبد الله بن المبارك وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن الصراط يوم القيامة يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض مثل الوادي الواسع. وهذا كذلك معضل -كما أشار المعلق- كذلك أن الحاكم قال: هو مرسل أو معضل، فلا يصح. ومعناه بالجملة صحيح، لأن الناس يمرون بقدر أعمالهم، فمن كانت أعماله حسنة يمر به، ولا كأنه يمر على حد السيف، فهو يمر كطرف العين وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب. قال: وأما معنى قول الناظم في قوله: فمسلم -بتشديد اللام المفتوحة- أي فالناس في الجواز على الصراط نوعان، الأول ما أشار إليه المصنف، قوله: فمسلم -يعني ناج- برحمة أرحم الراحمين من مزلة الصراط -يعني مما يوقعه في الزلل والسقوط-، والنوع الآخر مهمل -أي مكردس في النار- والعياذ بالله. والأصل في هذا البيت حديث أخرج الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لي جهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، والناس فيه كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: سلم سلم، فناج مسلم ومخدوش مسلم ومكردس في النار على وجهه». وهذا الحديث هو الذي مر معنا قبل قليل. قال: والأحاديث في ذلك كثيرة معلومة، وأصح ما روي -كما مر معنا- حديث أبي هريرة وأبي سعيد في صحيح مسلم في ذكر مرور الناس بقدر أعمالهم على الصراط. طيب. إلى هنا والله تعالى أعلم.