الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 8، الدرس الثامن : فيه ( وقد كان المشركون منهم من يعبد الملائكة ... ولاتتقوا غيره كما في الكشاف ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
كان المشركون يعبدون الملائكة والنبيين والأحجار والكواكب ظنًا أنها تقربهم إلى الله، وهذه العبادة نشأت في الأصل لصالحين ثم تحولت لعبادة الأحجار والتماثيل. كانت هذه الممارسات شائعة بينهم مثل عبادة اللات والعزى ويغوث ويعوق ونسرًا.
دعا الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين لتوحيد العبادة كما أفردوا الله بالربوبية، مشيرًا إلى أن من شرط الإيمان أن يفرد الله بالعبادة والتوكل والدعاء. كان المشركون يعبدون الله ولكن يشركون معه غيره.
التوكل على غير الله شرك وكفر، ويجب على المؤمنين أن يفردوا الله في التوكل والعبادة لأن الشرك يحبط الأعمال الصالحة. يجب إفراد الله بالعبادة والتقوى.
تقديم ما حقه التأخير في الآية يفيد الحصر، أي أن العبادة والتقوى مختصة بالله وحده كما أوضح تفسير الكشاف. هذا التقديم يؤكد أهمية إفراد الله بالعبادة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ومن هذا تعرف، وقد كان المشركون منهم من يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد، ومنهم من يعبد أحجارًا ويهتف بها عند الشدائد، وهي في الأصل صور رجال صالحين. وذلك مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: أي لا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، أي أمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون، فسمى ذلك عبادة. قال: ومنهم من يعبد أحجارًا مثل اللات والعزى، وقيل: إن اللات موضع قبر. قال: ويهتف بها عند الشدائد، وهي في الأصل صور رجال صالحين كانوا يحبونهم ويعتقدون فيهم، مثل اللات، قيل: حجر جعل ليل رجل صالح. ومثل ذلك أيضًا يغوث ويعوق ونسرًا. قال: فلما هلكوا صورهم، تسليًا بها، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم، ثم زاد الأمد طولًا فعبدوا الأحجار. وهذا كما مر معنا معناه في أثر عبد الله بن عباس، يعني أول الأمر عبدوا الصالحين بعبادة تلك الصور، ظنًا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى. ومر معناه: أن معناه عبد الصالحين، ليس معناه أنهم تركوا عبادة الله، بل عبد الله وعبد الصالحين، أشركوا في عبادة الله عز وجل. ثم لما طال الأمد عبدوا الأحجار، كانت الأحجار أولًا رموزًا للصالحين، فعبدت من دون الله عز وجل، وهو ما يسمى بالتماثيل. ثم بعد ذلك لما مر الزمان صار الناس يعتقدون بالأحجار، ولهذا تجد هذه الوثنية موجودة حتى عند عباد القبور، فيرون في ذلك أحاديث موضوعة تؤيد هذه الوثنية، مثل الحديث: «لو اعتقد أحدكم بحجر لنفعه»، حديث موضوع. ويروج بين المفتونين بفتنة القبور، عباد القبور، لماذا؟ لأنهم لم يروا فرقًا كبيرًا بين الأحجار التي تلتقط من المشاهد والقبور فتعبد من دون الله عز وجل، وبين الأحجار الأخرى والمتفرقة في الأرض، فكلما رأى أحدهم حجرًا أعجبه شكله عبده من دون الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قال فلما طال عليهم الأمد عبدوهم، ثم زاد الأمد طولًا فعبدوا الأحجار. قال: ومنهم من يعبد المسيح، ومنهم من يعبد الكواكب، كما قال الله عز وجل في حق المسيح: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾. كما قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. وهكذا الكواكب، منهم من عبد الشمس، ومنهم من عبد القمر، كما قال سبحانه: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وفي هذه الآيات بيان أن هؤلاء ليس عندهم عبادة، ليس أنهم ليس عندهم عبادة بل عندهم عبادة لله سبحانه، ولكنهم أشركوا مع الله غيره، فكان بذلك سببًا أو ذلك مبطلًا لتلك العبادة. ولذلك الإيمان لو كان عندهم إيمان مثل أهل الكتاب مثلًا، قال: فبعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم يدعوهم من عبادة الله وحده بأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية. لم يدعوهم لأن يعبدوا الله إذ كانوا لا يعبدون الله، لا، إذ منهم من كان يعبد الله، ولو كان بعضهم لا يعبد الله، منهم من كان يعبد الله، ولكن دعاهم رسولنا عليه الصلاة والسلام لأن يفردوا الله بالعبادة. وفرق بين المسألتين، فرق بين أن يظن أو يظن أن النبي عليه الصلاة والسلام دعاهم لعبادة الله إذ كانوا لا يعبدون الله، وهذا هو الذي التبس به أمرك الكثير من الجهلة من المفتونين بالقبور. فإن عباد القبور يظنون أن المشركين الأولين ما كانوا يعبدون الله، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام دعاهم لعبادته، وهذا خطأ. بل كانوا يعبدون الله، الكثير منهم كان يعبد الله، ولكن يشرك مع الله عز وجل غيره. قال: فبعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم يدعوهم من عبادة الله وحده لأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية. فما أحد كان يقول - وهذا الغالب الأعم - أن هناك رب مع الله خالق ورازق ومدبر، بل هو وحده الخالق والرازق والمدبر. ولئن سألتهم: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ليقولن: الله. ما يقولون: الله واللات والعزى، لا، بل يقولون: الله وحده. فإذا كان كذلك، فوجب أن يعبد وحده كذلك. قال: كما أفردوه بالربوبية، بربوبيته للسماوات والأرض، وأن يفردوه بمعنى ومؤدى كلمة «لا إله إلا الله»، ومعتقدين لمعناها، عاملين بمقتضاها، وأن لا يدعو مع الله أحدًا. كما بعث الله نبيًا عليه الصلاة والسلام أن يقول للناس: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. قال: وقال تعالى: ﴿لِلَّهِ الدَّعْوَةُ الْحَقُّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾. فأثبتت الآية دعوتان: دعوة لله عز وجل، وهي الدعوة الحق، ودعوة لغير الله عز وجل، وهي الدعوة الباطل. كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. في البر يدعون الله ويدعون غير الله، ولكن في الفلك حين رأوا الموت دعوا الله وحده مخلصين له الدين. فإذا ليس كانوا لا يعبدون الله، بل كانوا يعبدون الله، ولكنهم عبدوا مع الله غيره، فما قبل ذلك منهم، وصاروا من المشركين الكفار. وكذلك في هذا الزمان لو وجد من قال: «لا إله إلا الله»، وصلى وصام وزكى، ثم عبد غير الله من القبور والأحجار والأشجار والمشاهد والتوابيت، فإن حاله كحال أولئك المشركين. لا فرق. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: من شرط الصدق بالإيمان بالله أن لا يتوكلوا إلا عليه، وأن يفردوه بالتوكل، كما يجب أن يفردوه بالدعاء والاستغفار. وبهذه الآية كذلك دليل على أنهم كانوا يتوكلون على الله وعلى غير الله. يتوكلون على الله وعلى غير الله، مثل حديث «ذات أنواط» الليثي الذي في السنن، أنهم مروا بسدرة، وكان المشركون سدرة ينوطون بها أسلحتهم، يعلقون أسلحتهم فيها، يظنون أنها تجلب لهم القوة والنصر. فقال أولئك الذين كانوا حديثا عهد في إسلام، وقريبًا خرجوا من الجاهلية: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. أي: كما للمشركين ذات أنواط. فماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: «الله أكبر، إنها السنن». والله لقد قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى: «اجعل لنا إلها كما لهم آلهة». وفي هذا الحديث دليل على أن التوكل على غير الله عز وجل شرك وكفر، لولا أن هؤلاء لم يصروا على ما قالوا، ولأنهم حديثا عهد بإسلام عذروا بهذا. ولكن أصل الفعل بعد العلم يعد شركًا وكفرًا. فهذا من التوكل على غير الله الذي كان عند بعض أهل الجاهلية. وهل كانوا لا يتوكلون على الله؟ كانوا يتوكلون على الله، ولكن يشركون مع الله غيره، فيتوكلون على الله ويتوكلون على غير الله. فلأجل هذا نهى أهل الإيمان عن أن يخدشوا توكلهم بالله بأن يتوكلوا على غير الله. فأمروا أن يفردوا الله سبحانه في التوكل، وأن ذلك من لازم الإيمان وشرطه. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: لا تتوكلوا على غير الله، بل على الله وحده. وليس معنى أنهم ما كانوا يتوكلون على الله، لا، كانوا يتوكلون على الله، ولكن يتوكلون على الله ويشركون معه غيره، كما في حديث «ذات أنواط» الذي سمعنا، وغيره من الأحاديث الأخرى. قال رحمه الله تعالى: وأمر الله عباده والشاهد من هذا: إذا كان هذا حال المشركين الأولين، فالمشركون بهذا الزمان، وفي زمان المؤلف، كذلك يكون لهم نفس الحكم. فلا يجوز لهم أن يتوكلوا على غير الله، ولو زعموا أنهم توكلوا على الله، إذ إشراكهم التوكل بغير الله مع توكلهم على الله يبطل توكلهم بالله، وعبادتهم لله سبحانه. فإن الشرك يحبط الأعمال الصالحة جميعًا، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. ولا فرق بين التوكل على شجر أو التوكل على قبر أو التوكل على قبر. ولهذا تسمع من هؤلاء الجهلة صريحًا: «توكلت على الله وعليك»، بل «توكلت على الله ثم عليك». وفي الحقيقة ما تنفع «ثم» ها هنا، لأن التوكل عمل قلبي، ولا يجوز في الأعمال القلبية التشريك. التشريك ولو حتى بوضع لفظ «ثم» ما يجوز، بل هذا من الشرك، لأن هذا مما لا يكون إلا لله خالصًا. فلا يجوز أن تقول: «توكلت على الله ثم عليك»، حتى ولو كان هذا حيا إذا أردت بالتوكل المعنى القلبي. وأما إذا أردت منه معنى الوكالة، فلا تشرك مع الله عز وجل، فهذا فعل، وهذا فعل، فهذه جملة، وهذه جملة، لا يجمع بين الجملتين. قال رحمه الله تعالى: وأمر الله عباده أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله تعالى، وإلا كان كاذبًا، منهيا عن أن يقول هذه الكلمة، إذ معناها: نخصك بالعبادة، ونفردك بها دون كل أحد. فـ«إياك نعبد» معناها: نعبدك وحدك. فلو كان «إياك نعبد» معناها: نعبدك ونعبد غيرك، لحصل بهذا الشرك الذي وقع في المشركين الأولين. وهذا هو الذي وقع فيه المشركون في هذا الزمان، فإنهم بالحقيقة عبدوا الله وعبدوا غير الله، فهم يدبحون لله ويدبحون لغير الله، كما سيأتي إن شاء الله من كلام المؤلف، وهم ينذرون لله وينذرون لغير الله، وهم يدعون الله ويدعون غير الله، وهم كذلك يأتون ويستشفعون بالله وبغير الله، مع أن الشفاعة لا تطلب إلا من الله وحده، وأن الشفاعة لله جميعًا. قال رحمه الله: وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾. يعني: معنى «إياك نعبد» مثل «إياي فاعبدون»، حصر به معنى من معاني الحصر، أي: لا يعبد إلا الله وحده. قال: كما عُرِض من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: لا تعبدوا إلا الله، ولا تعبدوا غيره، ولا تتقوا غيره، كما في الكشاف. الحمد لله رب العالمين.