شرح كتاب تطهير الإعتقاد 19

شرح كتاب تطهير الإعتقاد 19

الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 19، الدرس التاسع عشر : فيه (فإن قلت الإستغاثة قد ثبتت في الأحاديث ... كما قررناه في سبل السلام شرح بلوغ المرام وفي منحة الغفار). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الاستغاثة الجائزة والممنوعة وضوابطها

يشرح الفرق بين الاستغاثة الجائزة والاستغاثة الممنوعة، حيث تكون الجائزة فيما يقدر عليه المخلوق الحي الحاضر. الاستغاثة الممنوعة تكون بالميت أو فيما لا يقدر عليه إلا الله أو بالغائب. كما يبين أن الاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة لدعاء الله تعالى جائزة.

طلب الدعاء من الأحياء والأموات وحدوده

يناقش الفرق بين طلب الدعاء من الحي الحاضر ومن الميت أو الغائب، ويبين أن طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي كان جائزاً. بينما لم يثبت أن الصحابة طلبوا الدعاء منه بعد وفاته، ويعتبر طلب الدعاء من الأموات شركاً بالله.

عبادة القبور والشرك وأشكاله

يتناول عبادة القبور والشرك بالله، حيث يشرح كيف يعتقد الناس في الأموال والأولياء ويجعلون لهم نصيبًا من أموالهم، ويقومون بعبادات شركية. يبين أن هذه العبادات لا تجوز إلا لله وحده ويحذر من الشرك.

الحلف بغير الله وتحريمه

يتناول تحريم الحلف بغير الله ويعتبره شركًا، ويستدل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يأمر بالحلف بالله فقط. يوضح أن الحلف بغير الله قد يكون كفرًا أكبر إذا اقترن بالتعظيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، ورحمه الله تعالى، في كتابه "تطهير الاعتقاد". فإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنه قد صح أن العبادة يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد صلى الله عليه وسلم، بعد اعتذار كل واحد من الأنبياء، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر. قال قلت: هذا تلبيس، فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء بما يقدرون عليه لا ينكرها أحد. وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾. وإنما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم، وطلب أمور لا يقدر عليها إلا الله تعالى، من عافية المرضى وغيرها. بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم، أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه، قد يجعلون له حصة من الولد إن عاش، ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش لهم، ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون. ومعنى "حصة من الولد" يعني: يا ولي فلان، هب لي من الولد، وأجعل لك نصيبه، وأجعل لك ثلثه، ونحو ذلك. ومعنى "يشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش لهم" يعني: أنهم يدفعون قيمة هذا الحمل بدفع ديته صدقة للولي، كما يزعمون. صدقة للولي. قال: ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون. ولقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور، أنه جاءه إنسان -ويحمل هذا أنه بعد توبته، أنه كان يفعل ذلك ثم تاب، وصار يخبر أهل الحق من أهل السنة والتوحيد ببعض ما كان يفعله في جاهليته- قال: ولقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور، أنه جاءه إنسان بدراهم وحلية نسائية، وقال: هذه لسيده فلان -يريد صاحب القبر-. وقال: سيده -لو لم يقل "لسيدنا" أو "لسيدي"، لأنه تبرأ من هذه السيادة الشركية- فهو مثل هو على ملة عبد المطلب. قال: يريد صاحب القبر نصف مهر ابنتي، لأني زوجتها، وكنت ملكت نصف مهرها فلانا -يعني: أنه نذر إذا تزوجت ابنته، فله -أي لصاحب القبر- نصف المهر- وهذه من النذور الشركية. قال: يريدون صاحب القبر، وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام -يعني: عباد الأصنام كانوا يطلبون الحوائج، لكن بغير هذه النذور العجيبة- وهذا إن دل على شيء، دل على دخول الشرك في قلوب هؤلاء عباد القبور دخولا قويا، حتى تأصل فيهم، فصارت أنواع العبادات تصرف لهذه القبور. قال رحمه الله تعالى: وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام. قال: نعم، استغاثة العباد يوم القيامة، وطلبهم من الأنبياء أن يدعو الله تعالى، أن يدعو الله تعالى ليفصل بين العباد بالحساب، حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا لا شك في جوازه -أعني طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض- وذلك لأنه من الحي الذي يقدر، وليس هو من الميت. لأن الناس يبعثون بعد قبورهم، يبعثهم الله جل وعلا يحييهم، وهذا من عقيدة أهل الإسلام جميعا، لا يجحده ولا ينكره إلا كافر. فكونهم يطلبون من الأنبياء الدعاء لإزالة كرب الموقف وهوله، هذا دعاء طلب دعاء من الصالح، وهو أحد أنواع التوسل الجائز، وهو من الاستغاثة الجائزة. والسر في ضلال هؤلاء أنهم لم يفرقوا بين الاستغاثة الجائزة والاستغاثة الممنوعة. فإن الاستغاثة الجائزة: الاستغاثة فيما يقدر عليه المخلوق الحي الحاضر. وأما الاستغاثة الممنوعة: فهي الاستغاثة بالميت، أو فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، أو كذلك بالغائب، ولو كان يقدر عليه، لكن لكونه غائبا، صار لا يقدر عليه. فطلبه من الغائب كطلبه من الميت، وهذا يستلزم ادعاء علم الغيب عند هذا الغائب. وهذا مثل: مثلا قول بعضهم: يا سيدي فلان، ساعدني أو انصرني. لو كان حاضرا لساعد أو نصر فيما يستطيع، لكن كونه غائبا، وفي بلدة أخرى بعيدة، ومع ذلك يناد بهذا النداء، هذا شرك أكبر، والعياذ بالله. لأن هذا ليس في مقدور هذا المخلوق، ليس في مقدوره أن يسمع هذه الاستغاثة، وهذا النداء، بل هذا من خصائص الرب سبحانه وتعالى. وليس في مقدوره لو سمع -مع أنه لا يسمع- ليس في مقدوره أن ينصر من بعد، أو يعمين من بعد، بل هذا من خصائص الرب سبحانه وتعالى. مع أنه لو كان موجودا حاضرا، لكان من الاستغاثة الجائزة، لكنه كونه كان غائبا، صار من الاستغاثة الشركية التي لا تجوز. فأنواع الاستغاثة المنفية في شرع الله ثلاثة: استغاثة بالميت، واستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه، واستغاثة بالغائب. وبعضهم يجعلها في اثنين، فيدخل الثالث في هذين الاثنين. والآن انفصل بعض العلماء لأجل تعيين هذا النوع الذي ظل فيه طوائف من الناس من عباد القبور والمفتونين كذلك، حتى ببعض المخلوقين عبدوهم من دون الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قال: بل قد قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما خرج معتمرا: "لا تنسنا يا أخي من دعائك". وهذا الحديث لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقد نبه المعلق عندكم إلى ضعفه، وأن طرقه على كثرتها لا تخلو من ضعف، فهي ضعيفة. فالحديث ضعيف لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا الأصل ثابت، وهو الدعاء من الرجل الصالح، طلب الدعاء من الرجل الصالح الحي الحاضر فيما يقدر عليه، بهذه القيود الثلاثة: الحي، الحاضر، فيما يقدر عليه، هذا جائز، ودل عليه دليل الشرع. ومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم في قصة أويس القرني، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أذن في طلب الدعاء منه. وهكذا كذلك في الصحيحين في قصة العباس، فإنهم جاءوا إليه ليصلي بهم الاستسقاء فيدعو الله. وقال عمر رضي الله عنه: إنهم كانوا يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد ما مات، وبعد ما مات، وبعد ما مات، فإنهم يتوسلون بعمه النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كذلك طلب دعاء من رجل حي حاضر فيما يقدر عليه. على أن بعض أهل العلم نبه إلى أن الأفضل والأكمل أن يدعو المرء لنفسه، وأن لا يطلب الدعاء من غيره، هذا هو الأفضل والأكمل. ونبه إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه. قال رحمه الله تعالى: وأمرنا الله تعالى أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم. وقد قالت أم سليم -يعني: في قوله جل وعلا: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾- فهذا به دليل على أن دعاء الحي القادر فيما يقدر عليه -الحي الحاضر فيما يقدر عليه- مشروع وجائز. بخلاف دعاء الميت، أو طلب الدعاء من الميت، أو من الغائب، أو من الحي الحاضر، لكن فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه. كان يقال للحي الحاضر: إشفي مريضي، هبل الرزق، وهكذا كذلك: أعطني كذا وكذا من العافية، ونحو ذلك. قال: وقد قال ثم سليم رضي الله عنها: يا رسول الله، خادمك أنس، ادع الله له. والحديث في الصحيحين، كما هو مشار عندكم. والشاهد منه: أن هذا مما أقره الشرع، بغض النظر أنه أفضل أو ليس بأفضل. فإن كيف هذا، ولم ينكر عليه من نبي عليه الصلاة والسلام، إن كان هذا خلاف الأفضل؟ الجواب: أن هذا لأنه -عليه الصلاة والسلام- ولا يشك أن دعاءه ليس كدعاء غيره -عليه الصلاة والسلام- وأويس بوحي من الله، أعلم الله نبيه أنه مجاب الدعوة، وغيره الله أعلم. ومع ذلك فهو لا يصل إلى التحريم، بل بعض أهل العلم قال: جائز، وليس فيه بأس. قال: وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاء منه صلى الله عليه وسلم وهو حي، وهذا كثير، أنهم كانوا يطلبون الدعاء منه. فقد صلى على آل أبي أوفى عليه الصلاة والسلام، وهكذا كذلك عكاش بن محصن، كما في حديث ابن عباس في الصحيحين، قال: "ادع الله أن يجعل منهم يا رسول الله". قال: "أنت منهم". قال الآخر: "فسبقك بها عكاشة". وهكذا كذلك قصة المرأة التي تصرع، كما أشار المعلق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها أنه يدعو الله لها بالشفاء، أو تصبر ولها الجنة، فرضيت بالصبر. على أن يدعو الله لها أن لا تتكشف، ففعل عليه الصلاة والسلام، وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي فيها هذا المعنى. لكن ليس في شيء منها أنها استغاثة، أو دعاء، أو طلب دعاء من ميت، أو من غائب، أو فيما لا يقدر عليه إلا الله، لا. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على البكري، وكتابه المسمى "بالاستغاثة"، قال: ما مثل من يستدل بأدلة الاستغاثة المشروعة على الممنوعة، إلا كمن يستدل بأدلة السماع الجائز على السماع المحرم. وما كان بمعناه -يعني: الشرع أجاز شيء، ومنع شيء، فكونك تستدل بالجائز على الممنوع، هذا من الكذب على الله، والكذب على رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن التغيير والتبديل لدين الله عز وجل، وهو موجب كذلك لتعطيل الشريعة، وإفساد الدين. لو فعل الناس مثل ما فعلها، ولا عباد القبور، ضاع الدين، ضاع الدين. لأن كل ما كان جائزا، وله جنس مثله ممنوع، استدلنا بالجائز على الممنوع، فلم يكن في الشرع شيء ممنوع، لم يكن في الشرع شيء ممنوع. فمثلا: صح أن النبي عليه الصلاة والسلام قر الجاريتين بالغناء المباح، الذي ليس فيه محظور شرعي، في يوم العيد، هل يصح أن يستدل به على جميع آلات اللهب والطرب؟ الجواب: لا. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه عن ذلك: "يستحلون الحرى والحرير والخمر والمعازف". وهكذا كذلك ما جاء في الإذن باستماع القول الذي يستمعون القول، ماذا فيتبعون أحسنه. فيستدل مستدل بالباطل، ويقول: في هذا دليل على أن كل قول يجوز أن يسمع، كل قول يجوز أن يسمع. وهذا تعطيل للشريعة، وإفساد للدين. فإن الأدلة الشرعية دلت على المنع من أقوال كثيرة، لا يجوز سمعها، كالغيبة والنميمة والكذب والفجور والسب والشتم. كما قال سبحانه: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم﴾، ونحو ذلك مما بسط القول فيه رحمه الله تعالى في كتابه العظيم. بل هذا الباب أعظم، لأنه يتعلق بعقيدة، وبإيمان، وبكفر، وبشرك يحذر منه. قال رحمه الله تعالى: وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاء منه صلى الله عليه وسلم وهو حي، وهذا أمر متفق على جوازه. وأما وهو ميت، فلم يثبت أنهم طلبوا منه الدعاء عليه الصلاة والسلام. بل حديث عمر في قصة العباس، دليل على تأكيد هذا الأمر، فإنهم لما احتاجوا في أيام القحط إلى من يدعو لهم، لم يأتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليدعو لهم، بل أتوا إلى العباس ليدعو لهم، ويصلي الاستسقاء. وهذا يدل على فساد قاعدتهم الباطلة التي فيها الشرك بالله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: والكلام في طلب القبوريين من الأموات، أو من الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، أن يشفوا مرضاهم، ويردوا غائبهم، وينفذوا عن حبلاهم، وأن يسقوا زرعهم، ويدروا بروع مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحد إلا الله تعالى. يعني: هذا كثير في أفعالهم، وهم يكذبون بهذا إذا خافوا إنكار الناس عليهم، مع أن خواصهم وعوامهم يعلمون أن هذا مما يفعلونه. قال: ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحد إلا الله تعالى. فكيف يطلب من الجماد -يعني: قبة أو تابوت أو سقيفة أو جدار قبر أو غير ذلك- ما لا يجوز أن يطلب إلا من الله؟ أو قال: من حي الجماد خير منه، لأنه إما ساحر، أو كاهن، أو ساحر، أو فاعل للفواحش، بحجة أنه رفع عنه القلم، وأنه بلغ منزلة اليقين، وأنه بلغ مرتبة أهل اليقين، وهي مرتبة عندهم فوق مرتبة الأنبياء والمرسلين، والعياذ بالله. قال: أو من حي الجماد خير منه، لأنه لا تكليف عليه -هكذا يزعمون- يزعمون أن هذا الحي لا تكليف عليه، فالجماد خير منه. الجماد خير من هذا الحي. قال: وهذا شيء ما فعله المشركون في عبادة الأصنام. ما علم أن المشركين من عبدة الأصنام كانوا يأتون إلى أحد من الأحياء فيطلبون منهما -لا يطلب إلا من الله- بل كانوا يأتون إلى أصنام أحجار، ونحوها. وأما هؤلاء فقد عبدوا الأحياء -عبدوا الأحياء من دون الله عز وجل-. قال: وهذه بعينها العبادة، لأن العبادة غاية الخضوع والذل، مع المحبة والتعظيم -غاية الخضوع والذل مع المحبة والتعظيم- فإذا فعل ذلك في عمل من الأعمال لغير الله، صار عبادة لغير الله. فالدعاء بخضوع وذل ومحبة وتعظيم، هذا عينه هو العبادة التي لا تجوز إلا من الله سبحانه وتعالى. والله يقول: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي﴾، ونحو ذلك من الأدلة التي تأمر بدعائه -لا دعاء غيره-. قال: وهذه النذور بالأموال، وجعلوا قسما منها للقبر، كما يجعلون شيئا من الزرع يسمونه "تلما" في بعض الجهات اليمنية للميت. يعني: أنهم ينذرون النذور طلبا لسلامة الزرع. وهذه النذور ثابتة تجعل لهذه القبور. وهذا من النذر الشركي الذي يوجب الكفر الأكبر، والعياذ بالله، بعد العلم به، لأنه صرف لعبادة لغير الله. فالنذر عبادة من العبادات، لا تجوز أن تصرف إلا لله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل أثنى على من ينذر ويوفي بنذره له: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾. وتسميته "تلما" في بعض الجهات اليمنية، وعدم تسميته بذلك في بعض الجهات الأخرى، لا يغير الحقيقة. فالحقيقة واحدة، ولو اختلفت المسميات. فربما يسمى "نصاب"، أو يسمى "تلم"، أو يسمى كذلك "خراج"، أو يسمى أي لفظ من المسميات. قال: وكذلك يجعلون لهم نصيبا من أموالهم وأنعامهم -يعني: بعضهم يقول: إذا ولدت شاتي اثنين، فواحد للولي الفلاني، أو ولدت عشرة، فاثنين منها للولي الفلاني، ونحو ذلك مما هو من صنيع المشركين، بل أشد-. قال: وكذلك يجعلون لهم نصيبا من أموالهم وأنعامهم، وهو بعينه الذي كان يفعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام﴾. انظر من الحرث، وهؤلاء يجعلون نصيبا من الحرث، ومن الأنعام. و"عباد القبور" يجعلون نصيبا من الأنعام كذلك. قال: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام﴾، فقالوا: "هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا" -الآية-. قال: وقال تعالى: ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون﴾. وهذا بعينه ما يفعله "عباد القبور". فإنه يجعلون من أرزاقهم نصيبا لهذه المعبودات التي تعبد من دون الله. بعضهم ربما يفتح الله عز وجل عليه برزق في السمك، يقول: "الولي يريد نصيبه"، يخرج نصيب الولي. أو يجد عنبرا، فيخرج نصيب الولي. وهذا كله من النذور الشركية. قال: فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال الأحياء وظلالهم، سلكوا مسالك المشركين، "حذو القبة بالقبة" -يعني: ما تركوا شيئا، كأنهم سألوا عن عقيدة المشركين، فطبقوها حرفا حرفا، بل زادوا على ذلك من الغلو والتعظيم والشرك، ما لم يكن عند المشركين الأولين-. قال: فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقدوا إلا في الله، من أنهم يسيرون الكون -وهذا شرك في الربوبية- أو أنهم يحيون ويميتون -وهذا شرك في الربوبية- أو أنهم يعلمون الغيب -وهذا شرك في الربوبية- أو أنهم كذلك يملكون النفع والضر -وهذا شرك في الربوبية-. ثم بعد ذلك يصرفون لهم أنواع العبادات القولية والفعلية البدنية والمالية الظاهرة والباطنة -وهذا شرك في الألوهية-. فمثال شركهم في العبادات القولية: شركهم في الأقوال من التعظيم الشركي، ومن الحلف بهم، ومن الدعاء، ونحو ذلك. ومن الشرك العملي: ما يفعلونه من الذبح، وما يفعلونه كذلك من النذر، ومن السجود، والطواف، والتمسح بهذه الأوثان التي عبدت من دون الله عز وجل. ومن الشرك المالي كذلك: النذور التي تبدل، والذبائح التي تقرب، والأوقاف التي توقف، والوصايا التي توصى، كلها على طريقة المشركين. عبدوا الأوثان، وهكذا كذلك ظاهرة وباطنة -ظاهرة فيما سبق، وباطنة في الأعمال القلبية الكثيرة-. أحدهم يخاف من الولي أعظم من خوفه من الله سبحانه وتعالى. يخاف من الولي أعظم من خوفه من الله سبحانه وتعالى. ربما إذا خوف بالولي ما يأتيه النوم. وإذا خوف بالله ما بال حلف اليمين الكاذب الفاجرة، وأكل أموال الناس. ولأجل هذه العقيدة الفاسدة، وجد في أطراف في بلاد المسلمين من لا يحتمي إلا بهؤلاء الذين يعبدون من دون الله -أرباب القبور-. فإذا اختصموا، بدلا من أن يحلفوا بالله، يحلفون بالولي، لعلمهم أن هؤلاء "عباد القبور" يخافون من "أرباب القبور" أعظم من خوفهم من الله. إذا قيل له: "يحلف بالله"، قال: "لا يحلف بالعيد الروس"، أو "يحلف بالمحضار"، أو "يحلف بكذا وكذا". بل ربما بعضهم إذا عنده مال يريد أن يحفظه، يضعه عند المقبرة -عند القبور الأولياء- كما يجعلون. وربما يرى بعضكم هذه المظاهر الشركية في بعض الحطب الذي يوضع، ويحتمى عند قبور بعض الصالحين، كما يزعمون. الحطب ما يضعونه عند البيت، يضعون الحطب عند قبر الولي. هذا حطب فلان، وهذا حطب فلان، وهذا حطب فلان. لماذا؟ لأنهم يقولون: "لو وضعناه عند البيت يسرق، لكن لو وضعناه بجانب القبة ما يسرق". يخاف السارق يخاف السارق أن يسرق من جانب القبة. صار خوفهم من هؤلاء الذين عبدوا من دون الله أعظم من خوفهم من الله سبحانه وتعالى. ومن جنس ذلك كثير. قال رحمه الله تعالى: فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقدوا إلا في الله، وجعلوا لهم جزءا من المال. وقصدوا قبورهم من ديارهم للزيارة -يعني: من المكان البعيد والقريب- مع أنه لا يجوز شد الرحل إلا إلى ثلاثة مساجد -يعني: على وجه التعبد إلى بقعة من البقاع، إلا إلى ثلاثة مساجد-. قال: وطافوا حول قبورهم، والطواف عبادة لا يجوز أن يكون إلا بالبيت العتيق فقط. قال: وقاموا خاضعين عند قبورهم، والقيام على وجه الخضوع والقنوت يكون لله رب العالمين فقط، كما قال سبحانه: ﴿وقوموا لله قانتين﴾. وتقديم ما حقه التأخير عند أهل اللغة يفيد الحصر -أي: القيام على وجه الخضوع والقنوت لا يكون إلا لمن إلا لله سبحانه وتعالى وحده- وهم جعلوه لغير الله. قال: وهتفوا بهم عند الشدائد -ما أنه لا يجوز إلا أن يكون ذلك من الله سبحانه وتعالى-. قال: ونحروا تقربا إليهم -نحروا النحائر في الزيارات الشركية، وفي المواسم، وفي غيرها لهذه القبور-. قال: وهذه أنواع العبادات التي عرفناك -يعني: فوائد الكتاب- أنها لا يجوز أن تصرف إلا لله. قال: ولا أدري هل فيهم من يسجد لهم؟ لا يستبعد أن فيهم من يفعل ذلك. بل أخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبتي باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيما له وعبادة. ويقسمون بأسمائهم. بل قد رأينا في هذا الزمان من يسجد لهذه القبور، إما أن يسجد لها صريحا، ويتجه إلى خلاف اتجاه القبلة -تكون القبلة في الخلف، والقبر أو القبلة في الأمام، والقبر في الخلف، فيسجد إلى غير اتجاه القبلة- كما يفعل بعض الباطنية من الشيعة الرافضة، وهكذا بعض غلات الصوفية. وهذا مستفيض متواتر، رأيته، ورآه غيري من الإخوان. وتوجد فيه صور في الشبكة تبين وتبرهن سجود هؤلاء "عباد القبور" للقبور، وتركهم السجود إلى جهة القبلة. وربما بعضهم يفعل شيئا آخر، كما يفعله "عباد القبور" في تريم. يجعلون عند بعض القباب مصلى -عند بعض القباب مصلى- وهذا المصلى خلف القبة، والقبة بينه وبين القبلة. فيأتي يصلي من يصلي في ذاك المكان المهيئ للصلاة، كما فعلوا في بعض القباب الموجودة في مقبرة تريم. تجد موضعا مهيئا للصلاة، وجعلوا القبة بين المصلي والقبلة. سبحان الله! ما في صلاة إلا هنا. لا يصلي المصلي إلا في هذا الموضع عند القبر. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، والسجود عليها وإليها. وهؤلاء يخالفون هذه الأحاديث الصريحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويسجدون للقبور، ويسجدون عند القبور. ربما يقولون: "نحن نسجد لله". وهم كاذبون، لأن حرصهم على السجود في هذا الموضع، وجعل القبة بينهم وبين القبلة، دليل على أنهم يقصدون السجود لصاحب القبة. إلا سجدوا في مساجدهم، صلوا لله في المساجد. لماذا يأتون إلى المقابر فيسجدون في المقابر، ويهيئون المصليات داخل المقابر، فيسجدون في تلك المقابر، ويجعلون القباب بينهم وبين القبلة؟ هذا يدل على سجودهم لغير الله، والعياذ بالله. وهذه ردة وكفر بإجماع المسلمين. فأكثر كتب الفقه التي تذكر أحكام الردة، من أحكام الردة: السجود لغير الله سبحانه وتعالى. وهؤلاء يسجدون لغير الله. لو لم يكن إلا نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة إلى القبور، والسجود عليها، لكان كافيا. فكيف وهم يفعلون هذه المضاهاة الظاهرة؟ قال رحمه الله: بل أخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيما له وعبادة. ويقسمون بأسمائهم -يعني: يحلفون-. بل إذا حلف من عليه حق بسم الله تعالى لم يقبل منه. وأخبرني بعض الآباء أنه كان إلى زمن ليس ببعيد، القاضي الذي يحكم بين الناس في الخصومات، كان يستحلف الناس بغير الله -بأسماء بعض الأولياء-. بل إذا عظمت القضية، أخذ من وجبت عليه اليمين إلى قبر الولي، ووضع يده في الكوة، ويحلفه بهذا الولي. وهذا عين الشرك، فإن الحلف لا يكون إلا بالله. من كان حالفا فليحلف بالله. وكان من جنس شرك المشركين: الحلف بالله والعزة. ولما أسلم من أسلم من الصحابة، وجرى ذلك على لسانهم خطأ، قال عليه الصلاة والسلام: "من حلف بالله والعزة فليقل: لا إله إلا الله كفارة". وهم ما كانوا يحلفون -يقصدون الحلف- ولكن سبق على لسانهم، لأنهم حديث عهد بإسلام. فكيف لمن يحلف بغير الله على وجه التعظيم الذي هو أعظم من تعظيمهم لله؟ قال: فإذا حلف بإسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه. أو إذا حلف -يعني: بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم يقبل منه- فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه. وهكذا كان "عباد الأصنام". ﴿وإذا ذكر الله وحده إشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ -يعني: بالحلف بغير الله-. قاله في الحديث الصحيح: "من حلف فليحلف بالله أو ليصمت". وهو حديث ابن عمر في الصحيحين. قال: وسمع صلى الله عليه وسلم رجلا يحلف بالله، فأمره أن يقول: "لا إله إلا الله" -كما مر معنا الحديث الذي في صحيح مسلم-. قال: وهذا يدل على أنه ارتد بالحلف بالصنم، فأمره أن يجدد إسلامه، فإنه قد كفر بذلك -كما قررناه في "سبل السلام شرح بلوغ المرام"، وفي "منحة الغفار"-. والظاهر -والله أعلم- أنه ليس لأجل ذلك، ولكنه كفارة لهذا اللفظ الذي صدر في لسانه. وإلا لو كان ذلك كفرا أكبر، لكان المقام غير ذلك. على أن الحلف بغير الله قد يكون كفرا أكبر، إذا كان معه شيء من التعظيم. إذا كان معه شيء من التعظيم، فإنه قد يكون شركا أكبر. وأما إذا جرى على اللسان على وجه الخطأ والعادة، وعلى غير وجه التعظيم، فهو شرك لفظي، يكفره قول: "لا إله إلا الله". وأما إذا كان على وجه التعظيم، فإنه يستلزم منه العود من جديد في دين الإسلام، بتجديد إسلامه. وهذا مذكر، هذا اللفظ مذكر -كما مر معنا-: "من حلف بالله والعزة فليقل: لا إله إلا الله". طيب نقف لهنا، وقد أطلنا قليلا، ونكمل الباقي إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.