الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 30، الدرس الثلاثون:فيه(وفي الأغاني لأبي الفرج بسنده ... وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ ابن بريك كتاب الأغاني ويبين عدم صلاحيته كمرجع تاريخي معتمد، ويحلل قصة قتل جندب للساحر ويبين ضعف إسنادها مع صحة أصلها. يبين أن قتل السحرة ثبت عن بعض الصحابة.
يشرح الإمام الصنعاني أن أفعال السحرة إما تخيل أو مساعدة من الجن، ويحذر المسلمين من الاغترار بهم، ويبين أن إحياء الموتى لا يعني أن الفاعل إله أو يستحق العبادة.
يؤكد على أن الولاية الحقيقية تكون بالإيمان والتقوى، وليس بظهور خوارق العادات، ويحذر من الاغترار بالسحرة والكهانة، ويبين أن المؤمن التقي هو الولي الحقيقي.
يشير المقطع إلى انتهاء الرسالة الحالية ويحمد الله على ذلك، ويشير إلى الدرس القادم الذي سيتناول القواعد الأربعة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: قال وفي الأغاني لأبي الفرج بسنده أن ساحرا، وهو علي بن الحسين الأصبهاني، وفيه تشيع، وكتابه الأغاني قد اجتمع على أشياء فيها انتصار لطريقة الشيعة ومذهبهم، وربما ركبت فيه بعض الأخبار التي لا أصل لها والقصص المكذوبة، فهو كتاب ليس بمعتمد في التاريخ، على أن كتب التاريخ أكثرها ليس لها أصول ثابتة صحيحة. قال: وفي الأغاني لأبي الفرج بسنده: وأكثر أسانيد أبي الفرج غير صحيحة، أكثر هذه الأسانيد فيها مراسيل ومجاهيل وأخبار مقطوعة ونحو ذلك. وإن كان ما ذكره المعلق فيه ما يوهم الثناء على ما في هذا الكتاب، لكن تعقيبه بقوله: أن هناك كتابا في نقد ما في كتاب الأصبهاني، وهو السيف اليماني في نحر الأصبهاني صاحب الأغاني، ففي هذا إن شاء الله إشارة إلى المعنى الذي سبق ذكره. قال رحمه الله تعالى: قال بسندي أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة، فجعل يدخل في جوف بقرة ويخرج، فرآه جندب رضي الله عنه، فذهب إلى بيته فاشتمل على سيفه، فلما دخل الساحر في البقرة، قال: أتأتون السحرة وأنتم تبصرون، ثم ضارب وسط البقرة فقطعها وقطع الساحر، فاندعر الناس -يعني خافوا وانزعجوا بهذا الفعل- فسجنه الوليد -يعني ابن عقبة- قال: وكتب بذلك إلى عثمان، وكان على السجن رجل نصراني، فلما رأى جندبا يقوم الليل ويصبح صائما، قال النصراني: والله إن قوما هذا شرهم لقوم صدق، فوكل بالسجن رجلا ودخل الكوفة وسأل عن أفضل أهلها، فقالوا: الأشعث بن قيس، فاستضافه، فرآه ينام بالليل ثم يصبح فيدعو بغدائه -يعني لا يصوم- فخرج من عنده وسأل: أي أهل الكوفة أفضل؟ فقالوا: جرير بن عبد الله، فوجده ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه، فاستقبل القبلة فقال: ربي رب جندب وديني دين جندب وأسلم. وهذه القصة غير صحيحة، وإسنادها ليس بصحيح، وفيه كما تستشعرون تنقص وهكذا همز ولمز ببعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهذا ليس بصحيح ولم يصح، وإن كان أصل قصة قتل الساحر صحيحة كما سيأتي. قال: وأخرجها البيهقي في السنن الكبرى بمغايرة في القصة، فذكر بسنده إلى أبي الأسود -وهو محمد بن عبد الرحيم المشهور بيتيم عروة-، وبيتيم عروة كما أشار الشيخ الألباني رحمه الله تعالى أنه في الغالب لم يدرك هذه القصة، لم يدرك هذه القصة كما أشار إليه رحمه الله في الضعيفة في حديث 1446. قال رحمه الله تعالى: أن الوليد بن عقبة كان بالعراق يلعب بين يديه ساحر، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيقوم صارخا فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى، وهو السحر، هذا إلى صحة القصة، ولكن ظاهر إسناد القصة ضعيف بهذا السياق. قال: ورأى رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان من الغد اجتمع على سيفه وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه وضرب عنقه، فقال: إن كان صادقا فليحيي نفسه، فأمر الوليد دينارا صاحب السجن فسجنه، انتهى. وهذه القصة كذلك كما قلنا بهذا الإسناد والسياق فيها ضعف، ولكن أصل قتل جندب للساحر أصله صحيح، وقد أشار المعلق إلى بعض طرقه التي صح بها أو بها وفيها أمر قتل جندب للساحر. وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه صح عن ثلاثة من الصحابة قتل الساحر، وبصحيح البخاري كذلك عن عمر: «اقتلوا كل ساحر وساحرة»، قالوا: فقتلنا ثلاثة سواحر، كما ذكره بجالة بن عبده، وهو في البخاري بهذا أو بمعنى هذا السياق. وهكذا صح موقوفا عن جندب: حد الساحر ضربة بالسيف، وصح من فعله أنه قتل الساحر كما أشار عنده المعلق إلى معنى ذلك. والمراد والشاهد من إيراد هذه الأخبار يريد الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى أن المسلم والموحد لا ينبغي أن يغتر بما يفعله السحرة والمشعوذون، فإنهم يفعلون أفعالا هي إما تخيل وإما أن يعينهم الجن على بعض ذلك بخفة حركة أو تعمية لبعض الحركات. وقد وقع مثل ذلك في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فما اغتروا، لكن من الذي يغتر؟ الجهال، عامة الناس هم الذين يغترون ويقولون مثل هذه القولة: سبحان الله يحيي الموتى. ما أن الموحد يعلم وهو على يقين أنه لا يحيي الموتى إلا الله سبحانه وتعالى، حتى لو أن أحدا أحيا الموتى فهو بين أمرين: إما أن يكون صادقا، إن كان صادقا فهذا مما أقدره الله جل وعلا عليه كما فعل ربنا جل وعلا لعيسى عليه الصلاة والسلام، وكون عيسى يحيي الموتى ليس معناه أن عيسى إله، لا، بل معناه أنه مؤيد من الله سبحانه وتعالى، مؤيد من الله سبحانه وتعالى، وإلا لصح اعتقاد النصارى في عيسى، وهذا ليس بالصحيح. وهكذا قد يكون كاذبا مدعيا لذلك كالمسيح الدجال، فإنه كذلك يفتن الناس بإظهاره إحياء الموتى، والله جل وعلا أقدره على ذلك امتحانا وابتلاء للناس، امتحانا وابتلاء للناس. فهل هذا يزعزع عقيدة الموحد والمؤمن بالله سبحانه وتعالى أن هذا من خصائص الله عز وجل؟ وأن ما سوى الله لو ظهر على يديه شيء من ذلك صادقا كان أم كاذبا لا يعني أنه إله وأنه يستحق العبادة؟ فكيف إذا علم أن أكثر ذلك من الكذب والدجل والسحر والشعوذة والكهانة؟ وقد وقع مثل ذلك في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمن بعدهم من باب أولى أن يظهر فيهم من هذا الكذب والدجل. هذا مراده رحمه الله: أن لا يغتر إنسان بسحر السحرة وكهانة الكهان، ولا يجعلها سببا لتغيير عقيدة وفتنة في دين. قال رحمه الله: بل أعجب من هذا ما أخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده في قصة طويلة، وهي قصة ضعيفة لم تصح، وقد أشار إليها وعليها جماعة من الحفاظ، وكل من وقف عليها أشار إلى معنى ضعفها وغرابتها ونكارتها، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره في قصة هاروت وماروت، وهكذا العلامة الألباني بالضعيفة، فإنه أشار إلى ضعفها في المجلد الثالث في مواضع منها. قال رحمه الله تعالى: قال: بل أعجب من هذا ما أخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده في قصة طويلة، وفيها أن امرأة تعلمت السحر من الملكين ببابل هاروت وماروت، وأنها أخذت قناة -يعني عودا- فقالت له بعد أن ألقت به في الأرض: اطلع، فطلع -يعني زرع من نفسه-، فقالت: احقل، فأحقل -يعني صار نباتا وزرعا في تلك الأرض-، فقالت: فأحقل، ثم تركته، ثم قالت: إي بس، فيبس، ثم قالت له: اطحن، فأطحن، أو فاطحن، ثم قالت له: اختبز، فاختبز، وكانت لا تريد شيئا إلا كان، وذكر القصة. وهكذا ذكر معناها البيهقي والحاكم، ولكنها قصة ضعيفة منكرة، ونحوها أخبار عن قصص بعض الناس في خبر باب هاروت وماروت، وأكثرها بين موضوع ومنكر وضعيف جدا، وأشياء لا تصح. وقد جمع الشيخ الألباني رحمه الله جل أو أكثر هذه الأخبار في السلسلة الضعيفة في ذات الموضع، أكثر من مئة صفحة أو نحوها في هذه الأخبار المكذوبة. والشاهد من هذا يريد رحمه الله تعالى أن السحر قد وقع في تاريخ أهل الأرض، فلم يكن وقوع السحر سببا لتغيير عقيدة ولا لزعزعته في إيمان. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن لا يغتر بسحر السحرة ولا كهانة الكهان، فيجعل ذلك سببا لتقرير عبادة غير الله عز وجل، مما سبق ذكره مما يفعله الكثير من عامة الناس وللأسف. وأن هذا إذا ادعي أنه من كرامات الأولياء، فكما قلنا: كرامة الولي علامتها البر والتقوى، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون. فمن كان لله مؤمنا تقيا فهو الولي، ومن لم يكن كذلك فليس بولي، ولو لم تظهر منه علامات وكرامات كما يقولون، فهو ولي مادام مؤمنا تقيا، والعكس: لو ظهرت خوارق عادات وهو ليس بمؤمن ولا تقي، فإنه ساحر أو مشعوذ أو كاهن أو نحو ذلك. فليس ظهور خوارق العادات علامة على الولاية، بل الولاية تعرف بالإيمان والتقوى. وأكثر هؤلاء الذين انشغلوا بهذا الباب هم ممن عرفوا بالفساد والفجور، حتى استرسل هذا الفساد والفجور، كما سبق أنهم أدخلوا ذلك في بعض ما يسمى بالكتب الدينية، بل حتى في بعض تلك كتب الأذكار والموالد. كما مثلا على سبيل المثال: مولد ابن الديبع المشهور، تجد فيه رائحة ذاك الفسوق والفجور، ففيه أبيات فيها من الغزل وفيها كذلك من معاني الدجاليات ما ليس هو من صفات الصالحين. وتتعجب كيف يقرأ في المساجد؟ فيه ذكر النهدين، وفيه ذكر الصدر، فيه ذكر العجز ونحو ذلك، حتى ذكر بعضهم في تلك الأبيات قال: أحب رمانة النهود، وأحب من فوق التراب تراها، قال: واستمع زجرة الحسود، سيان عندي يفعلها وضداها. انظر ماذا يقول وماذا يتكلم؟ ويقول بشعر آخر: يا قضيبا يتمايل في كثيب، يصف امرأة: قضيب يتمايل في كثيب، يريد أنها نحيفة ولها عجز عظيم. قال: عندها هبت ريح الجنوب، ويقول بشعر آخر، وهذا كله في مولد ابن الديبع، وهو من المولدات المشهورة التي تقرأ في مساجد المسلمين، مع ما فيه من البدع والشركيات، فيه مثل هذا الفجور وهذا الفساد. ومن ذلك يقول: على العقيق اجتمعنا أنا وسود العيون، ما أظن مجنونا ليلة قد حب بعض جنون -يعني بعض جنون-. هل هذا من فعل وقول الصالحين الذين يصح أن يؤخذ منهم شرع ودين؟ أم هذا من فعل السفهاء وشعراء الغزل والغرام الذين ما عرفوا حقيقة معنى التدين؟ فبهذا تعرف أن الكرامات في الحقيقة ليس بظهور خوارق العادات أبدا، ولكن الكرامة الحقيقية في لزوم الإيمان والتقوى، من لزم الإيمان والتقوى فهو الولي لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: والأحوال الشيطانية لا تنحصر -يعني كثيرة-، وكفى بما يأتي به الدجال -يعني انظر الدجال يفعل أشياء-، وقد جاءت أخبار صحيحة أنه يفعل هذا، ونحن نؤمن أن هذا يقع وهو صحيح: يأمر السماء تمطر، يأمر الأرض تزرع، يقتل الرجل ويمشي بين جسديه ثم يأمره فيلتحم فيصير حيا، فتنة عظيمة للناس. فهل بهذا يصح أن يدعى له الربوبية أو يصرف له شيء من الألوهية؟ الجواب: لا، بل من صنع ذلك كان كافرا بالله، في نص الأحاديث الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان هذا بمن يفعل ذلك فيما يظهر حقا وصدقا، فكيف بمن يفعله بشيء من الحيلة والدجل، أو لا يستطيع أن يفعل ذلك، بل يفعل ما هو دون ذلك: كسماع الأصوات وهكذا، كذلك رد الغائبات وهكذا، كذلك الطير في الهواء أو المشي في الماء أو نحو ذلك مما يفعله بعض السحرة وأولياء الشياطين من شياطين الجن والإنس؟ قال رحمه الله تعالى: والمعيار اتباع الكتاب والسنة ومخالفتهما، يعني: من وافق الكتاب والسنة واتبع اتباعا صحيحا فهو الصادق، ومن خالف الكتاب والسنة فهو الكاذب، ولو فعل ما فعل، ولو ظهر على يديه ما ظهر، فهو كاذب. قال رحمه الله: انتهى ما أردناه، والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرسالة، وإن شاء الله نقرأ في الدرس القادم في القواعد الأربعة، نقرأ في القواعد الأربعة إن شاء الله تعالى.