الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 74

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 74

الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 74، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريف الأناجيل وتعدد نسخها وترجماتها

يناقش آراء المسلمين والنصارى حول تحريف الأناجيل وتعدد نسخها وترجماتها، ويشير إلى اعتقاد المسلمين بتغير بعض ألفاظها. كما يبين أن الترجمة قد تؤدي إلى الغلط في النص الأصلي.

الرد على شبهات عدم التغيير في الإنجيل

يرد على شبهة أن الإنجيل كتب باثنين وسبعين لغة، موضحًا أن وجود نسخ متعددة لا يمنع وقوع الأخطاء في الأصل، وأن الأناجيل تحتوي على أحاديث غلط.

انتقاد ادعاء ترجمة الإنجيل إلى 72 لغة في عهد المسيح

يناقش عدم صحة ادعاء النصارى بترجمة الإنجيل إلى 72 لغة في عهد المسيح، ويشير إلى أن هذا حدث بعد زمن المسيح، مما يزيد من احتمال الخطأ.

أدلة التغيير في الأحكام الدينية ومقارنتها بالإنجيل

يُقدم أمثلة على التغيير في الأحكام الدينية ويشير إلى وجود أدلة شرعية ووجودية تؤيد هذا التغيير، ويقارن بين حال الإنجيل وحال القرآن في الترجمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مريم بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بل ولا طائفة معروفة منهم ألفاظ جميع كل نسخة في العالم غيرت، لكن جمهور المسلمين الذين يقولون إن في ألفاظها ما غير، إنما يدعون تغير بعض ألفاظها قبل المبعث أو تغير بعض النسخ بعد المبعث، لا تغير جميع النسخ. وبعض الناس يقول إن ذلك التغير وقع في أول الأمر، ويقول بعضهم إن منها ما غير بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يقولون إنه غير كل نسخة في العالم، بل يقولون غير بعض النسخ دون البعض. وظهر عند كثير من الناس النسخ المبدلة دون التي لم تبدل، والنسخ التي لم تبدل هي موجودة عند بعض الناس، ومعلوم أن هذا لا يمكن نفيه؛ لأنه لا يمكن أحدًا أن يعلم أن كل نسخة في العالم في كل لسان مطابق لفظها سائر النسخ بسائر الألسنة، إلا من أحاط علمًا بذلك، وهم قد سلموا أن أحدًا لا يمكنه ذلك. وأما من ذكر أن التغير وقع في أول الأمر، وهم يقولون إنما أخذت الأناجيل عن أربعة، إثنان منهم لم يرَ المسيح، بل إنما رآه إثنان من نقلة الإنجيل: متى ويوحنا. ومعلوم إمكان التغيير في مثل ذلك. وأما قولهم إنها مكتوبة باثنين وسبعين لسانًا، فمعلوم باتفاق النصارى أن المسيح لم يكن يتكلم إلا بالعبرية، كسائر أنبياء بني إسرائيل، وأنه كان مختونًا، يختن بعد السابع كما يختن بنو إسرائيل، وأنه كان يصلي إلى قبلتهم، لم يكن يصلي إلى الشرق، ولا أمر بالصلاة إلى الشرق. ومن قال إن لسانه كان سريانيًا كما يظنه بعض الناس، فهو غالط؛ فالكلام المنقول عنه في الأناجيل إنما تكلم به عبريًا، ثم ترجم من تلك اللغة إلى غيرها، والترجمة يقع فيها الغلط كثيرًا، كما وجدنا في زماننا من يترجم التوراة من العبرية إلى العربية، ويظهر في الترجمة من الغلط ما يشهد به الحذاق الصادقون ممن يعرف اللغتين. والنصارى يقولون: إنما كتبت بأربع لغات: بالعبرية والرومية واليونانية والسريانية. وأما قولهم إنها كتبت باثنين وسبعين لغة، فهذا إن كان صحيحًا، فإنما كتبت بعد أن كتبت تلك الأربعة. فإذا كان الغلط وقع في مواضع من تلك الأربعة، لم يرفعه بعد ذلك كتابتها باثنين وسبعين لغة؛ فإن المسلمين لا يقولون: إنها كتبت باثنين وسبعين لغة غير لفظها في جميع الألسن لاثنين وسبعين لغة في كل نسخة من ذلك. وإنما يقال: التغير وقع قبل ذلك، كما يقال في سائر ما ورد عن المسيح وموسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه من الحديث، مثل سيرة بن إسحاق، وأحاديث السنن والمساند المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن في العالم بكل كتاب منها نسخًا كثيرة، لا يمكن أن يغير منها فصل طويل، ولكن في نفس السيرة وقع غلط في مواضع، وأحاديث وقعت في السنن هي غلط في الأصل، فاشتهار النسخ بها بعد ذلك لا يمنع وقوع الغلط في الأصل. وهذه كتب التفسير والفقه والدقائق، ما من كتاب إلا وبه نسخ كثيرة في العالم، لا يمكن تغيير فصل طويل منها، وفيها أحاديث غلط في الأصل. والأناجيل التي بأيدي النصارى تشبه هذا. ولهذا أمروا أن يحكموا بما فيها؛ فإن فيها أحكام الله، وعامة ما فيها من الأحكام لم يبدل لفظه، وإنما ضُلّت بعض ألفاظ الخبريات وبعض معاني الأمريات. كما نؤمر نحن أن نعمل بأحاديث الأحكام المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن العلماء اعتنوا بضبطها أكثر من اعتنائهم بضبط الخبريات، كأحاديث الزهد والقصص والفضائل ونحو ذلك؛ إذ حاجة الأمم إلى معرفة الأمر والنهي أكثر من حاجتهم إلى معرفة التفاصيل بالخبرية التي يكتفى بالإيمان المجمل بها. وأما الأمر والنهي، فلابد من معرفته على وجه التفصيل؛ إذ العمل بالمأمور لا يكون إلا مفصلًا، والمحظور الذي يوجب اجتنابه لابد أن يميز بين غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا مِنْ بَعْدِ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾. والنصارى لا يحتاجون عند أنفسهم إلى هذا؛ فإنه لا يجب عندهم أن يتمسكوا بشرع منقول عن المسيح عليه السلام، وعندهم بأكابرهم أن يشرعوا دينًا لم يشرعه المسيح، ويقولون: ما شرعه هؤلاء فقد شرعه المسيح. فلم يكن لهم عناية ولا معرفة بشرع المسيح كما للمسلمين عناية ومعرفة بشرع محمد صلى الله عليه وسلم. خلاصة هذا الفصل: أراد المؤلف رحمه الله أن يرد شبهاتهم المزعومة في كون الإنجيل كتب باثنين وسبعين لغة، فيستلزم ذلك أن لا يكون فيه تغيير ولا تبديل. وبين رحمه الله تعالى وجه الخطأ في ذلك. ما خلاصته مما يفهم من كلام المؤلف وغيره: ثلاثة أمور: أن وجه الخطأ أولًا في وقوع التغيير والتبديل في الإنجيل، أولًا كما سبق من جهتي كون المروي ليس كله مما سمع من المسيح، فبعضه مما سمع وبعضه مما لم يسمع. والثاني: أن ما لم يسمع بمثابة الأحاديث المرسلة التي هي عند المسلمين من قسم الضعيف، فكيف يمكن يقال مثل هذا أنه لم يغير ولم يبدل؟ ونصف ما يروى من الأناجيل وهو بمثابة المرسل، أي الحديث المرسل. والثاني: أن النصارى أصلا ليس من دينهم التقيد بما كان عليه المسيح، فمن تدينهم أن النسخ يجوز بالوحي وبغير الوحي، فهم يرون أن التشريع يصلح أن يستحدث من كل من له أهلية في العلم. ولهذا لا يزال الدين عندهم يغير ويبدل ويحسن ويجمل كما يظنون بما يوافق حاجة الناس بالرأي والهوى والعاطفة وغير ذلك حتى زماننا هذا. ولهذا عندهم كتب في هذا الباب ككتاب «القانون» وهو من أشهر كتبهم في التشريع النصراني، وهو يجتمل على آراء المذاهب النصرانية وما استحدث من كلام علمائها وملوكها مما يصلح للناس. وتشريع الكفار اليوم مأخوذ من ذاك الكتاب، يعني المسائل الدينية كالمواريث ونحوها مأخوذ من ذاك الكتاب. والأمر الثالث: أن هذا العدد المدعى في الترجمة أو في الألسنة لم يكن في عهد المسيح حتى يدعى أنه كيف يمكن أن يطرأ الخطأ على شيء نقل ب72 لغة. يقال: هذا يصح لو كان هذا في زمن المسيح، لكن الصحيح أن هذا وقع بعد زمن المسيح بكثير. وهذا مما يؤكد ليس مما يؤكد الثقة بالإنجيل الذي بأيدي الناس، بل مما يؤكد ويجزم العاقل أن الخطأ يطرأ على مثل ذلك. فعلى سبيل المثال لا الحصر: القرآن المتواتر المحفوظ لفظًا ومعنى وكتابة، ترجم ولا يزال يترجم بلغات كثيرة، فهل هذه التراجم سالمة من التغيير والتبديل؟ الجواب: لا. مع أن أصله محفوظ لفظًا ومعنى وكتابة، ومع ذلك يوجد في كثير من التراجم ما هو خطأ عند المحققين وأهل الخبرة والعلم فيما يتعلق بأصل القرآن واللغة المترجم إليها، ولو أخطأ يسيرة. فإذا كان هذا فيما كان أصله محفوظًا، فكيف بما كان أصله غير محفوظ؟ وكيف إذا انضاف إلى ذلك الأمور السابقة؟ فإن ما ينقله النصارى كما سبق هو بمثابة السير والأخبار، والسير والأخبار مليئة بالأشياء المنقولة وهي خطأ، كما هو عند المسلمين ما في كتب السيرة من الخطأ ليس كما في كتب الحديث، وما في كتب الحديث ليس كمثل القرآن. فما عند النصارى هو بمثابة ذلك. وكيف إذا انضاف إلى ذلك أن هذه الترجمة وقعت من أربع ترجمات، والأربع الترجمات وقعت من ترجمة لشيء واحد؟ فأصل الإنجيل هو باللغة العبرية لغة بني إسرائيل، ثم ترجم، ثم ترجم كما ذكر رحمه الله إلى أربع لغات: بعد ذلك عبرية ورومية ويونانية وسريانية، ثم من هذه الأربع ترجمت إلى 72 لغة. وهذا في الحقيقة لا يزيد إلا تأكيدًا أن الإنجيل وقع في على أقل الأحوال بعض أموره التغيير والتبديل من جهة الخطأ في الترجمة، فضلًا عن التغيير والتبديل للأحكام. وضرب أمثلة لبعض التغيير والتبديل للأحكام كالصلاة إلى جهة المشرق وعدم الختان عند النصارى، وهذا على خلاف ما كان عليه المسيح. ومما دل على ذلك أشياء كثيرة شرعية، وأخرى كذلك براهين وجودية، يعني وجودة عند الناس ما يؤيد هذا الأمر. والله تعالى أعلم.