الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 15، الدرس الخامس عشر:من( وهذه حالة كل من ترك الحق واستكبر عنه وتاه بعقله ... وكل من زهد بالحق وقع في الباطل وهذا مطرد في كل زمان ومكان وكل أمة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ خطورة كثرة المسائل والخوض في الباطل وتأثير ذلك على الهلاك، مستشهدا بالقرآن وحديث النبي. يحذر من ترك الحق والاستكبار عنه.
الخائضون في القدر ضلوا بسبب تركهم المحكم واتباعهم لأفكار الفلاسفة واليهود، مما أدى إلى رفض الحق واتباع الباطل والسحر.
يتناول عاقبة مخالفة الحق في القدر ويحذر من الابتلاء بالأمور الضارة، مشددا على أهمية التسليم لما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة.
ينبغي للإنسان البحث عن الحق بصدق ليهده الله، ومن يسعى للهداية بصدق فإن الله لن يرده خائبا، ويهدي من يسعى للهداية بحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: وهذه حالة كل من ترك الحق واستكبر عنه وتاه بعقله، قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. ولهذا قال الشيخ: «وإن مبادئ الشر في كل أمة ذوي ملة ميمونة نبوية لخوضهم في ذاكم، صار شركهم وجاء رؤوس البينات بقترتي»، قال: يعني، وكذلك الأمم الذين ينتسبون للأنبياء، كاليهود والنصارى، مبادئ شرهم وشركهم جنس هذا السؤال وخوضهم بالباطل، فانحرفوا عن أديان الأنبياء واتبعوا كل شيطان مريد. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح: «إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم». فكثرة المسائل من أسباب هلاك الأمم السابقة. وهذه المسائل هي سبب الهلاك لأمور منها: أن بعض هذه المسائل أسئلة فيما لا يمكن للإنسان الوصول إليه، فيكون الخوض فيها سببًا في إيجاد الحيرة والتيه والشك، من جنس ما سبق الكلام عليه. وبعض أسئلة أهل الكتاب من هذا النوع، ومنها ما هو سؤال تعنت، وهو سبب للغضب والنقمة ورد الحق. ومنها ما هو سؤال كذلك رد للحق وإصرار للباطل وعناد. ومنها ما هو سؤال يكون به زيادة التشديد عليهم، فيدخل في معنى السؤال المذموم معاني كثيرة، منها هذه الثلاثة وغيرها مما هو بمعناها. فلذلك قال رحمه الله: «وإن مبادئ الشر في كل أمة ذوي ملة ميمونة نبوية»، يريد أهل الكتاب، «لخوضهم في ذاكم، صار شركهم وجاء رؤوس البينات بقترتي». قال رحمه الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية. وهذا معنى آخر، وهو كون صاحب الحق يعرض عن الحق الذي بين يديه ويتوجه إلى غيره من الباطل ويطلب منه الحق، هذا سبب آخر للضلال. وهذا ما سلكه أولئك الخائضون في القدر، فالخائضون في باب القدر تركوا المحكم مما في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما نقل عن سلف الأمة من التسليم لهذا الباب وعدم الخوض فيه، فتركوا هذا الذي هو ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، واتبعوا ما جاء به الفلاسفة، فكان فيهم شبه بأهل الكتاب الذين أخذوا -كاليهود- السحر، وكذلك بعض زبالات أفكار من سبقهم من فلاسفة الهند واليونان، وتركوا الحق الذي جاء به رسولهم، فكان ذلك موجبًا لضلالهم. ولذلك تجد من جنس ضلال اليهود والنصارى بعض ما أخذه هؤلاء عن ضلال الأمم من الوثنيين وغيرهم. قال: فأخبر أنهم تركوا الإيمان بسيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم وأفضل الكتب، وتعوضوا عن ذلك بالعلوم الباطلة التي يسحر بها ونحوها. والآية في سياق ذكر حال اليهود الذين تركوا ما جاء به رسولهم، وهو موسى عليه الصلاة والسلام، وأخذوا السحر الذي تناقلته الشياطين على ملك سليمان، يعني على إثر ملك سليمان، وسليمان عليه الصلاة والسلام بريء من سحر أولئك الشياطين، شياطين الجن والإنس. وهكذا من باب أولى ردهم لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام في زمانه، لكن الآية خبر عما كان عليه حال اليهود من قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام إلى مبعثه. وهكذا كذلك يقال في كل من أخذ بالباطل الذي هو خلاف ما جاء به الرسول الذي بعث له من سائر أمم أهل الكتاب، فالمسلمون من باب أولى إن فعلوا ذلك يلحقهم ما لحق اليهود، فإن الحجة قامت عليهم أكثر مما حذروا منه. قال: فكل من ترك الأمور النافعة ابتلي بالأمور الضارة، وكل من زهد بالحق وقع في الباطل، وهذا مطرد في كل زمان ومكان وكل أمة. وهذا هو كما قال رحمه الله. والشاهد أن أهل القدر لما تركوا الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبينه علماء الأمة ومن قبلهم سلف الأمة، لما تركوا هذا الحق وسلكوا مسلك الزيغ في باب القدر، فإنهم ابتلوا بالأمور الضارة. ولو كان في أول الأمر خوضهم ليس فيه سوء نية، لكن لأن أصل الخوض هو خلاف الحق، كان نهاية أمرهم هو الزيغ والضلال. ومعنى أن الواجب على صاحب الحق وطالب الحق أن يستسلم لما دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة، وما نقل عن سلف الأمة وبينه علماء الملة من وجوب التسليم لهذا الباب -باب القضاء والقدر- وعدم الخوض فيه بشيء من الاعتراض والشك والريب. وحسب الإنسان أن يدعو فيما لم يفهمه ولم يفقهه أن يفقهه الله ويعلمه ويظهر له، فسيظهر له أو سيظهر له ما لم يعلمه ولم يفهمه ولو بعد حين. يكفيك أن تعلم أن من قبلك فيهم عقلاء وفيهم أصحاب حق وفيهم أهل معرفة، ولم تكن أنت أذكى منهم وهم أجهل، ولا أنت أحذق وهم دون ذلك، بل هم عندهم عقول كما لك عقل، ولهم أفهام كما لك فهم، ولهم طلب في معرفة الحق كما لك طلب في معرفة الحق. فما هو الذي جعلهم على هذا الذي هم عليه وجعلك في هذا الشك والريب؟ لا بد أنه شيء يحتاج إلى علاج هو فيك وفي كذلك أمرك. فلذلك ينبغي للإنسان أن يسلم، فإذا سلم وسلك الطريق وبحث عن الحق بصدق، فإن الله عز وجل لن يرده خائبًا، بل من طلب طريق الهداية بصدق هداه الله سبحانه وتعالى. طيب، والله تعالى أعلم.