الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 18، الدرس الثامن عشر:من( ونجتنب الفرقة والشذوذ والخلاف والفرقة ... والحج كذلك ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول أسباب الشذود والخلاف والفرقة في الأمة الإسلامية، ويشير إلى أهمية اتباع السنة واجتناب البدع. كما يؤكد على ضرورة لزوم الجماعة واتحاد مصادر التلقي والتلقين.
يفسر معاني الشذود والخلاف والفرقة، ويبين أهمية متابعة الجماعة ولزوم ولاة الأمور واجتناب اتباع الشاذ من أقوال العلماء. كما يوضح أن الوقوع في طرفي نقيض يعتبر من الشذود المذموم.
يؤكد على أهمية الجهاد والحج والصدقات مع ولاة الأمور، وطاعتهم في جمع الصدقات وأدائها إليهم، مع تجنب الشذود والخلاف والفرقة. كما يستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية على جواز دفع الصدقات إليهم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الرازيان فيما ذكراه في معتقدهما: ونجتنب الشذود والخلافة والفرقة. مر معنا في الدرس السابق ما يتعلق بالجماعة، وهكذا كذلك ما يتعلق بمسائل اتباع السنة ولزوم الجماعة. وهكذا أتبعا تأكيدًا مما نقلاه عن علماء الأمصار، ودلت عليه الأدلة، وكان عليه سلف الأمة، اجتناب الشذود والخلاف والفرقة. ورتبا بهذا الترتيب التصاعدي بيانًا أن المسلم يجب عليه أن يجتنب كل ما يفضي إلى الفرقة، وأوله الشذود، وثانيه الخلاف، وثالثه الفرقة، وهي ثمرة الشذود والخلاف. فينبغي للمسلم أن يحرص على اجتناب ما يوصله ويوقعه في الشذود، وهكذا كذلك أن يجتنب ما استطاع الخلاف، فالخلاف شر كما تقدم معنا، ومن باب أولى أن يجتنب الفرقة، فإنها ليست من صفات أهل الإسلام، أهل السنة والجماعة، الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية. لأن من صفاتهم الاجتماع، ولهذا سموا أهل سنة وجماعة، فهم أهل اتلاف واجتماع، وأهل البدع سموا أهل فرقة وخلاف، فالفرقة ملازمة للبدعة، والجماعة والاجتماع والاعتلاف ملازم للسنة. ولهذا نص العلماء على هذا المعنى في كتب العقائد الصغار والكبار، وهكذا ما دونه من الكتب الأخرى، تنبيهًا للمسلم أن يحرص ما استطاع إلى ذلك سبيلًا على اجتناب كل سبب حسي ومعنوي يفضي إلى الشذود والخلاف والفرقة. وتجمل هذه الأسباب على وجه الاختصار: أولها الخروج عن الحق وعدم الالتزام بالهدى الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان عليه سلفنا. وإن شئت فقل: إن من أعظم أسباب الشذود والخلاف والفرقة هو عدم اتحاد مصادر التلقي والتلقين. فإذا علمنا أن الواجب هو لزوم الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، فإنه عند ذلك سينتهي خلاف كثير، وتنغلق أبواب شذود وفرقة متعددة. ولهذا كما سبق معنا، فتابع العلماء بالتنبيه على هذا الأصل، بأن المقصود من لزوم الجماعة هو لزوم ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. كما مر معنا معناه في مواضع، ومنه ما ذكره الإمام الشاطبي رحمه الله في الاعتصام وغيره، فطريق الخلاص من ذلك باتباع منهجهم، منهج أهل السنة والجماعة قولًا وعملًا واعتقادًا، وعدم مخالفتهم أو الشدود عنهم. فعند ذلك تجتمع الأمة، فالأمة لا تجتمع على ضلالة. ومن خالف وخرج عن ذلك فهو الذي شذ ووقع في الفرقة بذات الخلافة الذي فعله. وهكذا من معاني ذلك وأسبابه كذلك الإحداث في الدين، فإن الإحداث في الدين مع ما فيه من مخالفة السبب الأول، فهو كذلك يكاد أن يكون من أعظم الأسباب التي حصلت بها الفرقة. ولهذا فأهل البدع والأهواء هم أهل شذود وخلاف وفرقة، بل كل من ضل عن الحق حتى من أهل الأديان الأخرى، فهم من أهل الشذود والخلاف والفرقة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام معنا ذلك في حديث بن مسعود حين خط خطًا مستقيما وخطوطًا عن يمينه وشماله، وحديث معاوية وعبد الله بن عمر في افتراق اليهود والنصارى وهذه الأمة، وأن كلها في النار إلا واحدة. وهكذا الآية، فإن الله عز وجل أمر باتباع صراطه والأخذ به، وحذر من الأخذ بالسبل. ومن الأسباب كذلك الجهل، فإن الجهل من الأسباب التي توقع في الشذود والخلاف والفرقة، سواء جهل العلم أو جهل العمل. جهل العلم بأن لا يميز بين الهدى والضلال والحق والباطل والسنة والبدعة، وجهل العمل بأن يميز ولكنه لهوى أو كذلك لشهوة أو شيء من الدنيا العاجلة أو معنى من المعاني الأخرى، لا يبالي بعاقبة الفرقة والشذود والخلاف. ويدخل تحت هذا أمراض القلوب وسائر ما يلحق به مما يوقع المرء فيما يغضب الله وهو يعلم. كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، فهؤلاء عملوا سوءًا بجهالة، ليس جهالة علم، ولكن كما قال العلماء جهالة عمل، واتعاض واعتبار بسوء العاقبة. ولهذا فهم يؤاخذون، وأما الجاهل بالعلم فقد يُعذر إذا لم يكن مفرطًا بطلب العلم ولم يكن معرضًا عنه. وأما إذا كان مفرطًا أو معرضًا فهو لا عذر له. وهكذا من الأسباب اتباع الهوى، فإن اتباع الهوى من أعظم الأسباب التي يكون بها الشذود والخلاف والفرقة. فلا يجوز لمسلم أن يخرج عن الحق لهوى في نفسه، سواء كان هذا الهوى اعتزازًا بالنفس وعجبًا وغرورًا بها وتكبرًا للخضوع وتكبرًا عن الخضوع للحق ومتابعة الخلق، إذ كان يظنه دون أو غير ذلك. فإن هذه المعاني ربما يكون بها الهوى والحق عزيز إلا على أهله. وهكذا كذلك من الهوى اتباع الشهوات بأنواعها، ومن الهوى التعصب والتقليد الذي ربما يدفع الكثير إلى عدم الإنصاف، يتبين لهم الحق ولكنهم يعرضون عنه لهوى في النفس. وإلا فكل من تبين له الحق إذا أنصف نفسه ترك ما هو عليه ولم يصر على التقليد والتعصب، ولم يصر على المناصب من الدنيا، لا يبالي بفوات الدنيا بأسرها وأكملها، فضلًا عن شيء من زخروفها وزينتها الحقير. وهكذا كذلك من هذه الأسباب تحكيم العقل، وتذكر على وجه الاختصار تنبيهًا عليها لأهميتها، وإلا فالمقام يطول بسرد ما ذكره أهل العلم في هذه الأسباب. فإن تحكيم العقل من الأسباب التي يكون بها الشذود والخلاف والفرقة. والواجب على من أراد الاجتماع أن لا يرجع إلى عقله، بل العقل تابع للشرع، لا يعارض الشرع بالعقل أبدًا. فإن العقل لا يتجاسر على ذلك ولا يجوز له ذلك، وليس معناه تعطيل العقول كما يظنه بعض الناس، ولكن معناه تأذيب وتهذيب العقول، فالعقول بالمتابعة تؤدب وتهذب وتربى وتزكى. لأنها لا تسلم من جهل ومن غفلة ومن نسيان ومن طرفي كذلك باطل بين شدة وتميع وشدود وغير ذلك، لكن بالمتابعة يحصل الكمال لها. وهكذا كذلك من معانيه وأسبابه التأخر عن المتابعة للجماعة، فإنه من أسباب الشدود والخلاف والفرقة أن يتأخر المسلم عن الجماعة عقيدة وعبادة ومعاملة قولًا وعملًا واعتقادًا. يجب أن يكون متابعًا ولا ينبغي له أن يتأخر، فالتأخر ربما يكون سببًا للوقوع في الشدود والخلاف والفرقة. بل المسلم مأمور بالمبادرة والمسارعة لمتابعة الحق والأخذ به ولزومه، فالأخذ بما عليه الجماعة ينبغي أن يسارع إليه المسلم. ومن ذلك لزوم ولاة الأمور من العلماء والأمراء، فإن التأخر عن متابعتهم كذلك من معاني الشدود والخلاف والفرقة وأسبابها. ومن ذلك كذلك اتباع الشاذ من كلام أهل العلم، فإن أهل العلم كما مر معنا لا يجوز التأخر عنهم، فطاعتهم من طاعة الله، فهم ورثة الأنبياء. ومع ذلك لا يعني أنهم معصومون، فإذا شذ أحد أهل العلم بقول، وكما قيل: لكل جواد كبوة، ولكل عالم من زلة، فإنه لا يتابع على شذوده. وكما روي في الأثر الصحيح عن معاذ حين حذر من زلة العالم، فسألوه كيف يميزون زلة العالم؟ فبين لهم رضي الله عنه وأرضاه أن يجتنب من كلامه المشتهرات التي يقال: ما هذه؟ ما هذه؟ والمراد بالمشتهرات أي الشواذ التي يشتهر بين الناس إنكارها. فلا يتابع هذا العالم في ذلك لأن هذا من زلاته. ولهذا صار من مسائل الاعتقاد الحذر من اتباع شذود العلماء، كما نص الإمام الدارمي رحمه الله تعالى في رده على الجهمية. قال: «إن الذي يريد الشذود عن الحق يتبع الشاذ من قول العلماء ويتعلق بزلاتهم، والذي يريد الحق في نفسه يتبع المشهور من قول جماعتهم وينقلب مع جمهورهم، فهما آيتان بيِّنتان يستدل بهما على اتباع الرجل وعلى ابتداعه فيعلم اتباعه بلزومه لجمهور أهل العلم وقول عامتهم، ويعلم ابتداعه بتتبعه للشاذ». فمن علم عنه اتباع ما شذ به أهل العلم، فإن ذلك علامة على أنه على طريقة أهل البدعة و،طريقة أهل الخلاف والفرقة والشدود» كما نص على ذلك رحمه الله تعالى في الكتاب المذكور. ومن دعاء أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى في رسالة أهل الثغر قال رحمه الله: «وكنف قلوبنا بثلج اليقين، وأعزنا بسلطان الدين، وجعلنا لرسوله متبعين، وبإمامته معتصمين معتصبين، ووهب لنا من أنس الجماعة ما زالت به عنا وحشة الشذود والبدع». فتأمل هذا الدعاء العظيم من هذا الإمام: «ووهب لنا من أنس الجماعة ما زالت به عنا وحشة الشذود والبدع»، فإن اتباع الشذود يعتبر سمة لأهل البدع، وهو مما يلازم معنى البدع والفرقة التي تنافي طريق السنة والجماعة. فهذا كان فهمهم رحمهم الله تعالى. وهنا تنبيه: لا يعني هذا الذي ذكر أن من الشذود اختيار القول الراجح من الأقوال المختلفة التي اختلف فيها أهل العلم إذا تبين بدليله، وهذا نص عليه العلماء أنه ليس من الشذود، بل هو من اتباع الحق. والغالب أن مثل ذلك لا يكون شاذًا، لكن قد يكون معنى شذوذه نسبي بالنسبة لزمن من الأزمان أو بالنسبة لمن بلغه هذه المسألة أو لعالم من أهل العلم. فمثلًا أوذي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة طلاق الثلاث، ودعي عليه أنه شذ بهذه الفتوى وخرج عن قول جمهور المسلمين سلفًا وخلفًا. بل ربما زعموا أنه خرج عن الإجماع، والأمر ليس كذلك. قد يظن بعض أهل زمانه أنه قد شذ عن قول الأكثرين من أهل زمانه وهو صحيح، ولكن ليس معنى شذوذه بتفرده بفتوى خالف قول الأكثرين معناه أنه على معنى الشذوذ المذموم، إذ أن قوله مؤيد بالدليل مما صحت به سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ومما كان عليه سلف الأمة. وفي حديث ابن عباس في صحيح مسلم: «أن طلاق الثلاث كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرًا من زمن عمر يمضى أنه واحد، فلما تتابع عليه الناس أمضاه عليهم عمر رضي الله عنه وأرضاه». فإذن ليس بصحيح أن يقال: إن مثل هذا القول من الشذود الذي يلازم البدعة، لأنه اتباع للحق بدليله ولقول راجح من أقوال مختلفة قال بها جمهور أهل السنة. فننتبه لهذا. وهكذا من معاني الشذود والخلاف والفرقة الوقوع في طرفي نقيض إما شدة وإما تضييع وتميع، فإنه من الشذود الذي نص عليه العلماء. وقد ذكر العلماء معنى ذلك بذكر أصناف أهل الفرق والضلال في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. ذكر ابن جرير فيما نقله عن ابن أبي حاتم وغيره: فرق أهل الضلال من اليهود والنصارى وغيرهم من ضل وضلالهم على طرفين. وهذه خلاصة فيما يذكر في معنى التفرق والشذود والخلاف المذموم. قال رحمهم الله تعالى: «وأن الجهاد ماض منذ بعث الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين، لا يبطله شيء». وهذا المعنى كذلك هو يلحق بما سبق، ونص عليه تأكيدًا لإقامة فرائض الله وشعائر الله مع ولاة الأمور. وأن الفرائض والشرائع لا يجوز أن تبطل، فكان بهذا تنبيه على مسائل: أولها متابعة ولاة الأمور والاجتماع معهم في إقامة شرائع الدين، كما تقدمت وسبقت الإشارة إليه. وثانيها: أنه لا يجوز ترك هذه الفرائض والتخلف عنها لفجور أمير أو إمام أو سلطان، بل حتى ولا لوقوع خطأ وضلال فيها. لأن ذلك من معاني الشدود، فلا يترك الحق وما فيه مصلحة عظيمة لمفسدة يسيرة تنغمر مع تلك المصلحة العظيمة، بل مع ما يكون من تخلف هذا الواجب من مفاسد كبيرة. فإن أهل الإسلام إذا أضاعوا هذا الواجب ربما تسلط عليهم الأعداء، وحصل الفساد في الأرض بانتشار الكفر. والله عز وجل أمر بقتال أهل الكفر حتى يكون الدين لله، فهذه مفسدة صغرى مع مفسدة كبرى وهو ظهور الكفر في الأرض. كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾، وفي السورة الأخرى والآية الأخرى: ﴿حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. فإذن هذا هو قوله: «لا يبطله شيء»، لا يبطله فجور أمير ولا سلطان، ولا يبطله وقوع بعض المخالفات، ما دام أن الأصل أنه على الحق الذي أراده الله سبحانه وتعالى. فإن الجهاد في سبيل الله هو الذي يكون لتكون كلمة الله هي العليا. فإذا كان تكون به كلمة الله هي العليا وخالطه شيء من إرادة الملك أو غير ذلك، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. أنت تجاهد مع المجاهدين تريد أن تكون كلمة الله هي العليا، ومن أرادها لدنيا أو لمنصب أو لكرسي أو لتوسع ملك فهذا بنيته. فلا يضاع هذا الواجب، وعلى هذا قولهما: «لا يبطله شيء». وإذن الخارج عن ذلك هو ممن سلك الشذود والخلاف والفرقة. وهكذا كذلك من معاني هذه الجملة والعبارة إشارة أن الجهاد ماض إلى قيام الساعة مع أولي الأمر من أئمة المسلمين، أنه لا جهاد إلا بجماعة وولي أمر. فإن هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، فليس ما يفعله بعض المشغبون قديمًا وحديثًا مما يزعمون أنه جهاد بغير جماعة ولا إمام هو من الجهاد، بل هو ليس من الجهاد. يجوز للمسلم أن يدفع عن نفسه ما يضر به، فمن قتل دون نفسه أو ماله أو عرضه فهو الشهيد، لكن ليس هو الجهاد في سبيل الله الذي ترفع فيه راية الجهاد ويسمى جهادًا في سبيل الله. فالجهاد في سبيل الله يكون بجماعة وإمام، فإن هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ويعرف به خطأ ما ينادي به بعض دعاة التكفير في هذا الزمان إلى أصناف وأنواع من الجهاد بغير جماعة ولا إمام. ومثل هذا النوع من الجهاد مفاسده أكثر من مصالحه، مفاسده أكثر من مصالحه. ولهذا فإن العلماء يحذرون من هذا النوع مما يزعم أنه جهاد وليس بجهاد شرعي لأنه مخالف للوصف الشرعي في الجهاد، فللجهاد ضوابط وشروط وصفات لابد من توفرها. والأدلة على الحث على الجهاد في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام كثيرة، وسبقت الإشارة إلى بعضها. كقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ إلى آخره من الآيات في هذا الباب. وقد نص العلماء على هذا المعنى في كتب العقائد، فمما ذكر: «والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، ولا يبطله جور جائر ولا عدل عادل»، يعني ميل مائل، فإن الجهاد ماض إلى قيام الساعة. قال رحمهم الله تعالى: «والحج كذلك، ودفع الصدقات من السوائم إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين». كذلك تأكيدًا لما سبق، فالحج يجب أن يمضي إلى قيام الساعة، ولا يبطل الحج جور جائر ولا ميل مائل، بل الحج يمضي وتمضي فرائض الإسلام وتؤدى مع ولاة الأمور. ولو حصل منهم جور أو ظلم أو غير ذلك، فإن شرائع الإسلام لا تعطل جورهم لأنفسهم وظلمهم لأنفسهم، وأما شرائع الإسلام فلا تعطل. لا يقول قائل: «هذا الحج تقوم به الدولة الفلانية وفيها وفيها وفيها»، ليس هذا من طريقة أهل الإسلام أهل السنة والجماعة، بل هذا من طريقة أهل الشدود والخلاف والفرقة. وأما أهل السنة والجماعة فهم يجتمعون على الحق، ومر معنا كيف يكون الاجتماع، ولو وجدت بعض الأخطاء، فإن مصلحة الاجتماع مطلوبة. ومر معنا أثر الحسن بن أبي الحسن البصري وغيرها من الآثار والمعاني العظيمة في هذا الباب. وهذا يشمل سائر الفرائض، ومن ذلك الحج. ونص العلماء على الجهاد والحج والصدقة ونحوها، لأنه وجد في زمانهم، وهكذا إلى يومنا في زماننا هذا من يعطل هذه الفرائض. فإننا أدركنا أناسًا ربما تقام الصلاة في الحرم ويذهبون إلى الحمامات، لا يصلون مع أئمة وجماعة المسلمين. منهم من يرى كفر هؤلاء فيكفرون المجتمعات على طريقة القطبية ومن سبقهم من الخلف الخوارج والوعيدية، وربما لا يكفرون ولكنهم يضللون ويبدعون، إلى حج أنهم لا يرون الصلاة خلف أمثال هؤلاء. وهكذا منهم من يترك الحج ويرى أن الحج يسقط في هذا الزمان، وهذا من الباطل ومن طريقة أهل البدع. بل طريقة أهل السنة والجماعة أن الحج ماض لا يبطله شيء. وهكذا كذلك دفع الصدقات من السوائم يعني بهيمة الأنعام السائمة، وهكذا كذلك سائر الأموال الأخرى إلى أولي الأمر من أئمة المسلمين. وذكر السائمة لأنها من الأموال الظاهرة التي يمكن جمعها من ولي الأمر. فيجب أن تؤدى إليه، وهكذا كل ما ينادي بجمعه ولي أمر المسلمين من الصدقات، فإنها تجمع له طاعة لله وطاعة لرسوله وأخذا بسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وسلوكًا بطريقة من اتبعهم بإحسان من الأئمة. فهذه طريقة أهل الإسلام أهل السنة والجماعة. فإن حصل من هؤلاء ألا إمام جور وأخذ للصدقات ووضعها في غير موضعها، فأنت قد أبرأت ذمتك، إذ أخذوا منك ذلك وأعطيتهم ما يجب. وما لا يكون به فرقة ولا نزاع ولا شدود ولا خلاف. فإن قال قائل: «إن استيقنت بأنه يضع المال في غير موضعه ويأخذه لغير ما شرع له، هل يجوز أن أخفف العطاء لأضعه فيمن يستحقه؟» الجواب: إذا لم يكن بذلك معنى من معاني الشدود والخلاف والفرقة، وكان لم يكن معه مفسدة ولا فتنة، فخففت الشر، فهذا قد قال به بعض أهل العلم. يعني تعطي من يطلب الصدقة ما يسد هذا الطلب، وما يتبقى معك من الصدقات تضعها في موضعها، خصوصًا في الأموال التي لا تطالب بها. فمثل هذا يجزئك إن شاء الله، وأفت به جماعة من أهل العلم. ومما ذكره ابن أبي زمنين في أصول السنة قال: «ومن قول أهل السنة أن دفع الصدقات إلى الولاة جائز، وأن الله قد وكل ذلك إليهم في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وفي قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾». والحديث في هذا الباب عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى كثيرة. هذه خلاصة مجموعة من المسائل كلها تلحق بأمر لزوم الجماعة وإمام المسلمين، فكانت في هذه الإشارة أو الإشارات إشارة إلى هذا المعنى، فبه نكتفي، والله تعالى أعلم.