شرح خمسون حديثا في العقيدة 1

شرح خمسون حديثا في العقيدة 1

الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير من الشرك وأهمية الإخلاص

يتناول شرح حديث نبوي قدسي يحذر من الشرك ويشرح أنواعه وأهمية الإخلاص في العبادة. يُبيّن أن الإخلاص شرط لقبول العمل.

شروط قبول العمل واجتناب الرياء والعجب

العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصا لله وموافقا لسنة رسول الله. يجب اجتناب الرياء والعجب لأنهما من الأعمال المذمومة.

علاج الرياء وآثاره في الدنيا والآخرة

يُناقش علاج الرياء والشرك الأصغر وعقوبته في الآخرة. من يرائي يفضحه الله يوم القيامة، ويجب اجتناب الأسباب المفضية إلى الرياء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، غفر الله لنا وله وللمؤمنين. الحديث الأول: قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، فنبتدئ في هذا المجلس الذي أسأل الله عز وجل أن يجعله مجلسا مباركا، نأخذ مجموعة من الأحاديث التي ينبغي على طالب العلم خاصة أن يحفظها وأن يعتني بها، وأن يكون للمسلمين عامة لهم فيها لفتة، لما فيها كذلك من الأصول العظيمة التي ينبغي لأجلها أن يعتنى بها. ومن أوائل هذه الأحاديث حديث رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى بكتاب الزهد، هذا الحديث هو حديث عظيم من أحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي يرويها عن الرب جل وعلا، وهو من الأحاديث القدسية العظيمة. وفي هذا الحديث التحذير من خصلة ذميمة، ألا وهي الشرك. وكما لا يخفى علينا جميعا أن الشرك ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر. أما الشرك الأكبر فهو الذي لا يغفره الله جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، والشرك الأكبر هو الشرك الذي يحبط العمل، ولو كان صاحبه ممن يصلي ويصوم، لقول الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وهكذا هذا الشرك له أمور كثيرة عظيمة موجبة لصاحبها العذاب في الدنيا والعذاب في الآخرة، والحرمان من دخول الجنة. و شرك آخر هو شرك أصغر، وهو ينقسم إلى قسمين: شرك المرء بنفسه، وهو العجب، وشرك المرء للناس، وهذا هو الرياء. كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا المعنى. وهذا الحديث استدل به العلماء على هذا النوع الثاني من الشرك، ألا وهو الشرك الأصغر. وبهذا مجموعة من المسائل. أول هذه المسائل: أن الشرك الأصغر يعتبر هذا النوع من الشرك ليس محبطا للعمل، كما مر معنا وسبق في دروس ماضية. فإن الشرك الأصغر كما قلنا هو من جملة الذنوب المعاصي، وهو يحبط نفس العمل، ولا يحبط سائر العمل. وهذا أحد الفروق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. ومن الفروق كذلك: أنه لا يمنع من دخول الجنة، خلاف الشرك الأكبر. ومن الفروق كذلك، على القول الصحيح: أن الشرك الأصغر هو تحت المشيئة، وهذا قول من هدي أهل العلم، وهو أحد القولين لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فهذه ثلاثة فروق تفرق بها بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. الشرك الأصغر كذلك الذي تذكر في هذا المقام: أن الشرك الأصغر يذهب جمال الدين، كما أن الشرك الأكبر يحبط الدين كله. ولهذا أمر الله جل وعلا به في عدد من الآيات في كتابه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم خاصة أن يأتي به، وهو الإحسان الذي أمر الله جل وعلا به، وهي أعلى مراتب الدين. فإن أعلى مراتب الدين: أن تكون العبادة من هذا العبد خالصة لله جل وعلا، موافقة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقعة على وجه المراقبة. كما قال سبحانه: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. فإن أحسن الدين هو أن يعبد العبد ربه جل وعلا وهو محسن. والإحسان كما قد علم هو الاتيان بالإخلاص والمتابعة. الاتيان بالإخلاص والمتابعة كما في كلمة الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: «ليبلوكم أيكم أحسن عملا»، قال: «أخلصوه وأصوبه». فإن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لا يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، حتى يكون خالصا صوابا، يعني خالصا لله، صوابا موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك من مسائل الرياء أو من مسائل هذا النوع من الشرك الأصغر: أنه ينقسم إلى قسمين، كما مر معنا: أنه يقع بتشريك الناس، ويقع بتشريك النفس. وعلى المسلم أن يجتنب هاتين الخصلتين الذميمتين، فيجاهد نفسه على عدم العجب والفخر والخيلاء، فإن ذلك مما ينافي الإخلاص. وعلى أن يجاهد نفسه كذلك من أن يقع عنده شيء من تشريك الناس في أعماله لله عز وجل. وكل الأمرين مذموم. وقد مر معنا قريبا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من تعلم العلم لغير الله، لا يبتغى به وجه الله، إلا حرم الله عليه الجنة». وهو حديث رواه الحاكم في المستدرك بإسناد حسن. وآكد بمعناه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من طلب العلم ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء، إلا حرم الله عليه الجنة». أو قال: «لم يدخله الجنة». وآكد كذلك: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من اختال في مشيته وتكبر في خلقه، إلا خسف الله به، أو أدخله النار». وهذا كذلك فيه تحريم. والاختيال والعجب الذي ينبغي أن يجاهد المرء نفسه عليه. وما أفسد على الناس شيء بمثل ما أفسد عليهم أمرهم بهاتين الخصلتين، حتى قال بعض أهل العلم: «وددت أن الفقهاء يبعدون يعلمون الناس أمر الإخلاص وما ينافيه، فإنهم أحوج إليه من كثير من العمل». لأن العمل قد يحسنه كثير من الناس، لكن ما يحبطه يجهله كثير من الناس. ولهذا كان هذا من آفة الصالحين، كما قيل: «إن سلاح الشيطان مع الصالحين يكون بهذه الخصلة»، وهو ما يدخله عليهم من العجب، وكذلك الرياء. وكما ذكر الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: «أن ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل كذلك لأجل الناس شرك». قال: «والإخلاص أن ينجيك الله منهما». والإخلاص أن ينجيك الله منهما. وهذه الكلمة بليغة، وقصد بها هذا الإمام رحمه الله تعالى معنى دقيقا، وهو أن الإنسان يكون عمله لله عز وجل، ويكون تركه لله عز وجل، فلا يترك لأجل الناس، فكذلك يقع في نوع آخر من الرياء، كما سماه العلماء: رياء الترك. ولا يعمل من أجل الناس فيقع في نوع آخر من الرياء، وهو رياء الفعل. وكلاهما من الأمر المذموم. ولكن الإخلاص: أن ينجيك الله منهما، أي من هذا ومن هذا، تكون عملك لله جل وعلا. وقد ذكر أمر هذه الكلمة لبعض العلماء المعاصرين، وهي اللجنة الدائمة، فذكرت تعقيبا وتعليقا على هذه الكلمة للفضيل بن عياض، خلاصتها: أن قوله «وترك العمل من أجل الناس رياء» يحتاج إلى تقييد، ليس على إطلاقه. لأن الإنسان صحيح قد يحتاج أن يترك العمل لأجل الناس إذا خشي المفسدة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بهدم الكعبة ولجعلت لها بابين». فمن الذي منع النبي عليه الصلاة والسلام من العمل؟ فهل هذا نوع من الرياء؟ الجواب: لا، ولكنه مصلحة، وهذا شيء يدل عليه الشرع. وهكذا كذلك قد يترك الإنسان هذا العمل من أجل الناس خشية المفسدة على نفسه. فالإنسان أعرف بنفسه، فإن كان ذلك لا يمنعه من العمل بالكلية، وإنما يجعله يؤخر العمل، فلا بأس بذلك. كرجل اعتاد أن يصلي مثلا الوتر في الثلث الأخير من الليل، وعلم أن الثلث الأخير من الليل سيوافق مشيه مع رفقة، يخشى على نفسه، فإنه إذا قدم دفعا لهذا الباب، فلا بأس عليه، لا يترك العمل بالكلية، إنما قدم أو أخر. وفي هذا المقام، ولأن هذا المقام يقع فيه اللبس كثيرا، وقفه ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ببعض كتبه، مبينا أنه لا ينبغي للإنسان أن يترك العمل لأجل الناس، خصوصا إذا كان العمل من الخير والبر الذي اعتاد عليه، من صيام أو صلاة أو قيام أو صدقة أو غير ذلك. وذكر خمسة أشياء وأمور موجبة لعدم الترك، فقال: أول هذه الأمور: أن هذا الفعل إنما هو من خلق المنافقين، أي المنافقون هم الذين يريدون ترك الأعمال لتهمة الرياء، وليس هذا من خلق المؤمنين. فلو صح ذلك لما كان في ذلك الإنكار على المنافقين، والإنكار على المؤمنين بما كان من أمر الصدقة، كما هو معلوم في نزول الآيات في سورة البقرة. وآكد كذلك من هذا الباب الذي ذكره رحمه الله تعالى: أن الإنسان ينبغي عليه أن يلتفت إلى ما عند الله جل وعلا، ولا يلتفت إلى ما عند الناس، فإنه لو التفت إلى ما عند الناس، كان ذلك سببا لنقصان أعماله، بل وربما تركها لما يضره. ونختم هذا الحديث بذكر المسائل التي يكون بها العلاج من هذا الداء، ألا وهو هذا الشرك الأصغر. وقد ذكر العلماء لذلك أنواعا من العلاجات، أشار إليها ابن القيم رحمه الله بكتابه مدارج السالكين، وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بعض كتبه. من أهمها: أن يعلم أن الله عز وجل ما أنزل من داء إلا أنزل له دواء، كما جاء عند ابن ماجة من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا ابتلي الإنسان بشيء من ذلك فلا ييأس من روح الله، ولا يقنط، فإنه لا يأس من روح الله إلا القوم الكافرون. بل يجب عليه أن يعلم أنه متى جاهد نفسه وصبر، بإذن الله تعالى سيصل إلى العلاج. والأمر الثاني: أنه يجب عليه كذلك أن يعلم أنه أمر أن يعبد الله جل وعلا وحده، وأن الله هو الذي سيجازيه. فإذا كان كذلك، كان هذا مانعا له من أن يلتفت إلى عجب نفسه، وإلى عجب الناس، فإن ذلك يمنعه من ذلك. وهكذا الأمر الثالث: أن يلتفت إلى أنه معبود مربوب لله جل وعلا، فهو عبد لله مربوب له. وعلى هذا فإنه يجب أن يعلم أن الواجب أن يكون كل ما يكون منه لله جل وعلا وحده، لا لغيره. والأمر الرابع كذلك: أن يعلم أن الالتفات إلى غير الله جل وعلا هو من الشيطان، وأنه لا يناله شيء لا من خير الدنيا ولا من خير الآخرة. فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في التفات الصلاة: «إنه اختلاس يختلسه الشيطان من الإنسان». قال ابن القيم رحمه الله: «فاختلاس القلب أعظم». فاختلاس القلب أعظم، فهو اختلاس يختلس الشيطان من هذا الإنسان. ومن هذه الأمور كذلك التي يعارض بها الإنسان نفسه: أنه يحرص على اجتناب الأسباب المفضية إلى هذا النوع من الشرك. فإن كان المدح، فإنه يحرص على تركه. وإن كان كذلك إظهار الأعمال مما يناله الناس، يحرص على تفاديها، فيأتي بما لا يوقعه في هذا النوع من الرياء أو هذا النوع من الشرك. وليس معنا أن يحرص على الضد، لأن فعل الضد كذلك قد يكون نوعا آخر من الرياء، كما نقل عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه قال: «كذا بالمرء إثما أن يذم نفسه عند الناس يريد مدحها». يعني يذم نفسه، يقول: «أنا فقير إلى الله، أنا ما عندي شيء»، يكثر من ذلك، وهو يعلم أن عنده شيء، وأن الناس يعلمون ذلك، فيكون بذلك مهيئا إلى أن يغتر بنفسه من باب آخر، أن يقال عنه أنه متواضع، أو نحو ذلك. بل ينبغي أن يكون وسطا، يعالج نفسه بالأمر الوسط. ومن هذه العلاجات كذلك: أن يذكر نفسه دائما بعواقب هذا النوع من الرياء في الدنيا وفي الآخرة. في الدنيا بالفضيحة التي يقع فيها من عاقبة هذا النوع من الشرك، فإن الرياء كما قال بعض العلماء: «إن له رائحة أعظم من رائحة الميتة»، فهو نتن له رائحة أعظم من رائحة الميتة، يعرفه القاصي والداني. فلا يغتر الإنسان بنفسه، ولا يرائي بين الناس، إلا وكان ذلك سببا لنفور الناس عنه، واشمئزازهم منه، واستنكافهم كذلك عن مجالسته، لأنه يكون على خلق ذميم يعلمه الناس، ولو لم يعلمه هو. وهكذا كذلك ما يكون يوم القيامة من إحباط العمل، ومن التسعير بالنار. فبحديث أبي هريرة: «أول من تسعر بهم النار ثلاثة»، وذكر النبي عليه الصلاة والسلام أعمالا من خير الأعمال: حفظ القرآن، والجهاد في سبيل الله، وهكذا الصدقة، وكل ذلك من الأعمال الصالحة، ومع ذلك فهؤلاء أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. ومن ذلك ما يكون من الفضيحة يوم القيامة، إذ أن من سمع في الدنيا، سمع الله به يوم القيامة، كما في صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به». أي من سمع في الدنيا يريد بذلك السمعة، فإن الله يسمع به يوم القيامة، يفضحه أمام الخلائق جميعا، فيخرج مفضوحا، ليس فقط في الدنيا، بل كذلك في الآخرة. وهكذا كذلك فيمن راءى في هذه الدنيا، فإنه يفضح يوم القيامة. وغيرها مما ورد في هذا الباب، فإن ذلك واعظا له أن يترك هذا الخلق الذميم. نسأل الله جل وعلا أن ينجينا وإياكم من هذا، إنه ولي ذلك وقادر عليه. الحمد للجميع رب العالمين.