الدرس في شرح تفسير كلمة التوحيد 2، الدرس الثاني:(ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها ... ونفاها عن محمد صلى الله عليه وسلم وجبريل وغيرهما أن يكون لهم منها مثقال حبة من خردل). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع معنى كلمة التوحيد 'لا إله إلا الله' ويبين أنها تتطلب نفيًا وإثباتًا، أي نفي الإلهية عن غير الله وإثباتها لله وحده. يشير إلى أن الكثيرين لم يفهموا معناها الحقيقي.
يشرح المؤلف شروط تحقيق كلمة التوحيد 'لا إله إلا الله' ويبين أهمية العلم واليقين والإخلاص والصدق والمحبة والانقياد لله وحده. يستدل على ذلك من القرآن الكريم ويوضح أن مخالفة هذه الشروط تؤدي إلى بطلان 'لا إله إلا الله'.
يتحدث المقطع عن ضلالتين عظيمتين في كلمة التوحيد ابتلي بها الناس في زمن المؤلف وما قبله وإلى زماننا هذا. يشير إلى أهمية كلمة التوحيد ويحذر من الانحرافات فيها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها وبغض من خالفها ومعاداته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله مخلصا» وفي رواية «خالصا من قلبه» وفي رواية «صادقا من قلبه». وفي حديث آخر: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله» إلى غير ذلك من الأحاديث الدال على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة». فاعلم أن هذه الكلمة نفي وإثبات، نفي الإلهية عما سوى الله سبحانه وتعالى من المرسلين حتى محمد صلى الله عليه وسلم ومن الملائكة حتى جبريل، فضلا عن غيرهما من الأنبياء والصالحين، وإثباتها لله عز وجل. إذا فهمت ذلك، فتأمل الألوهية التي أثبتها الله تعالى لنفسه ونفاها عن محمد صلى الله عليه وسلم وجبريل وغيرهما أن يكون لهم منها مثقال حبة من خردل. فاعلم أن هذه الألوهية هي التي يسميها العامة في زماننا «السر» و«الولاية». والإله معناه الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه «الفقير» و«الشيخ». وتسميه العامة «السيد» وأشباه ذلك. وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة يرضى أن يلتجي الإنسان إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم ويجعلهم واسطة بينه وبين الله. هذه الجمل من المؤلف رحمه الله تعالى شروع في التفصيل في بيان حقيقة معنى «لا إله إلا الله» هذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد. وأن المراد ليس فقط قولها باللسان، ولكن قولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها وبغض من خالفها ومعاداته. لأن «لا إله إلا الله» كما تقدم تستلزم عقيدة وقولا وعملا. وهذا هو حقيقة الإيمان الذي بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ولهذا ذكر العلماء أن «لا إله إلا الله» لها شروط دلت عليها أدلة الكتاب والسنة. فمن أتى بشروطها فقد حقق معنى «لا إله إلا الله»، ومن لم يأتي بشروطها لم يحقق معنى «لا إله إلا الله». وكل عبادة من العبادات لها شروط وأركان، وهكذا كذلك كلمة التوحيد لها شروط وأركان. فرقناها النفي والإثبات كما تقدم. وشروطها كما ذكر العلماء سبعة، فكما أن الصلاة لها شروط وأركان، فكذلك كلمة التوحيد لها شروط وأركان. هل تصح الصلاة من دون شروطها؟ إذا كان الجواب لا، فكذلك لا تصح كلمة التوحيد من دون شروطها. فإذا كان من شروط الصلاة الطهارة من الحدث، ولا تصح الصلاة بدون طهارة، بل إذا حصل الحدث في أثناء الصلاة بطلت الصلاة، فكذلك «لا إله إلا الله» لا تصح إلا بشروطها. ومن شروطها الإخلاص، فإذا وقع الشرك ولم يتحقق الإخلاص، فتبطل «لا إله إلا الله» على صاحبها، كما تبطل الصلاة بالحدث. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». وقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. فكما أن الطهارة شرط في الصلاة، فالإخلاص شرط في كلمة التوحيد. وقد ذكر العلماء لكلمة التوحيد سبعة شروط جمعت في بيت منظوم، ومذكور فيه هذه الشروط لا على وجه الترتيب، ولكن بما يقتضيه وزن البيت. قالوا في نظم البيت: «علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها». فمن شروط «لا إله إلا الله» العلم المنافي للجهل. فمن لم يعلم «لا إله إلا الله» لم تصح منه «لا إله إلا الله». ولذلك كان من شروط «لا إله إلا الله» التي تنفع صاحبها في الدنيا والآخرة العلم أن يعلم معناها. فمعنى «لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله. فمن لم يعرف معنى «لا إله إلا الله» ولم يعلم معناها وما تقتضيه هذه الكلمة، لم تنفعه هذه الكلمة. ولهذا صار الكثير من المشركين في زمان المؤلف وقبله وبعده، بل وإلى زماننا هذا، يقع منهم الشرك وهو لا يدري؛ لأنه لم يعلم العلم الصحيح في معنى «لا إله إلا الله». فلابد من العلم المنافي للجهل، فهو من شروط «لا إله إلا الله». وقولهم «يقين» أي من شروط «لا إله إلا الله» يقين منافي للشك. فمن علم أن معنى «لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله على وجه اليقين المنافي للشك، فهو الموحد، وهو الذي ينتفع بـ«لا إله إلا الله» في الدنيا وفي الآخرة. ومن لم يكن عنده هذا اليقين، فإنه لا ينتفع بـ«لا إله إلا الله» في الدنيا ولا في الآخرة. مثاله لو أن أحدا قال «لا إله إلا الله» وعلم أن معناها لا معبود بحق إلا الله، لكنه في شك في كون معنى إفراد الله عز وجل بالألوهية يقتضي نفيها عما سوى الله. مثل النصارى، النصارى يقولون «لا إله إلا الله» لكنهم على فرق كثيرة، وأكثر تلك الفرق في شك من معنى «لا إله إلا الله»، فلذلك هم لا يدرون، هم على غير يقين هل صحيح أن الله سبحانه وتعالى متفرد بمعنى الألوهية تفردا في ذاته وأسمائه وصفاته بما لا يشاركه أحد من خلقه، أم أنه يشاركه أحد كمشاركة المسيح وأمه؟ هم في شك من هذا. ولهذا كان من عقيدتهم التثليث، التي لو سئل أحدهم لما عرف أن يجيب كيف يثبت الإلهية لله ثم يقول بالتثليث؟ هذا من الشك الذي يكون معه نقض حقيقة التوحيد وقول «لا إله إلا الله». وقريبا من عقيدة النصارى قول من فيه لوثة وثنية ممن ينتسب إلى الإسلام، ممن يثبت لبعض المخلوقين أفعالا أو صفات هي من خصائص فعل الله سبحانه وتعالى. فإذا قيل له: فرق لي بين معنى توحيدك لله وكون معنى «لا إله إلا الله»، وبين ما تثبته لهؤلاء المخلوقين؟ لكان في قلبه شك؛ لأنه لم يفهم المسألة فهما صحيحا بسبب جهله بحقيقة التوحيد. حصل له شك، ولم يحصل له يقين. فمثل هذا لا ينتفع بـ«لا إله إلا الله»؛ لأنه ليس عنده يقين ينافي الشك، بل في قلبه شك. لأنه يرى من حوله من دعاة السوء والضلال، وهو معهم متابع، لا يحقق حقيقة التوحيد من خلال توجهه بدعائه وتعلق قلبه بغير الله سبحانه وتعالى. فإذن «لا إله إلا الله» لم يثبته على وجه اليقين، في قلبه شك من بعض مسائل إفراد الله عز وجل بالألوهية. ولهذا تجد بعضهم يصرح فيقول: «أن ولينا الفلان يملك ما يملكه الله». وإذا قيل له: فسر لي هذا، كيف تدعي أنه مخلوق وأنه عبد لله وصالح من الصالحين، ثم تشركه مع الله؟ لا يجد إلا أن يقول: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء». هل فضل الله أن يجعل لنفسه ندا؟ وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وغير ذلك من الأدلة في هذا الباب. فمن تأمل هذه الشروط وتدبرها وقارنها وعرضها على حال المخالفين، علم أنهم لم يحققوا هذه الشروط، فلم ينتفعوا بكلمة التوحيد لا في الدنيا ولا في الآخرة. ومعنى قولهم «وإخلاص» أي من شروط «لا إله إلا الله» الإخلاص المنافي للشرك. إخلاص في إثبات ربوبية وألوهية وأسماء وصفات خالصة لله عز وجل وحده، لا يشاركونه في ذلك أحد من المخلوقين. فإذا وقع ما ينافيه، بطلت «لا إله إلا الله» ولم تصح. لو ادعى أحد أن لله شريكا ولو في خصلة واحدة مما هو من خصائص الله، لكان بذلك كافرا مشركا، ولو قال «لا إله إلا الله» لم يدخل بها في دين الإسلام. ولو دخل في دين الإسلام على التوحيد بإفراد الله عز وجل وعدم الإشراك معه بأحد من خلقه، ثم بدا له واستحسن وارتأى أن مخلوقا من المخلوقين يملك معنى من معاني المشاركة لله، لكان هذا سببا في بطلان «لا إله إلا الله» وكفره وردته. ولا فرق بين أن يجعل هذا لصنم أو شجر أو يجعل ذلك لقبر أو لإنس أو جن أو حتى لرسول أو ملك. وبه نعلم أن «لا إله إلا الله» تستلزم عملا. وهكذا كذلك قولهم «وصدقك» أي الصدق المنافي للكذب. فمن تصديق «لا إله إلا الله» صدق الأقوال والأفعال. من قال «لا إله إلا الله» بلسانه ثم كذب ذلك بجوارحه وبنانه، لم يكن صادقا، بل كان كاذبا. ولهذا لما فهم المشركون حقيقة «لا إله إلا الله» قالوا صريحا: «أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب». ما رأوا أن هذا يمكن، لكن من لم يفهم القضية ربما يقول بلسانه ما يخالف بجوارحه، كحال المشركين في زمن المؤلف رحمه الله ومن كان قبل وبعد وإلى زماننا هذا. من يوجد عنده الشرك في أفعاله وهو يدعي بلسان التوحيد، يدعي بلسان التوحيد كما سيأتي معنا إن شاء الله في الأمثلة التي سيضربها المؤلف رحمه الله تعالى. كم من الناس من يقول: «نحن موحدون ونحن نقول لا إله إلا الله ونحن نكفر بكل من يعبد غير الله»، ثم تجده يدعو غير الله ويستغيث بغير الله ويرجو غير الله ويتوكل على غير الله. بل ربما في لسانه من ذكر غير الله أعظم من ذكره لله، مما يدل أن عملهم يكذب قولهم، فهم لم يحققوا الصدق في «لا إله إلا الله». فلابد من الصدق. وقوله «مع» يعني كذلك مع، وسكنت العين لاستقامة وزن البيت. «محبة وانقياد والقبول لها». محبة منافية للبغض، أن تحب الله وتحب من يحب الله، وتبغض كل من لم يحقق التوحيد ومن والى أولئك ممن خالفها. كما قال رحمه الله: «ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية» يعني ولو كان أقرب قريب. فحقيقة المحبة هي لأجل التوحيد، فالبغض والحب لله وفي الله. ولهذا كان من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، الذي به يحصل الولاء والبراء. فلابد من ولاء لأهل الإيمان والتوحيد وبراء من أهل الشرك والكفر. كما قال الله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. ولهذا قال العلماء: «محبة منافية للبغض». فإذا وقعت المحبة لغير الله، فهذا يدل على عدم تحقق شرط من شروط التوحيد. كيف يمكن أن تحب الله وأنت تحب من يعبد من دون الله؟ والمراد بالمحبة ها هنا المحبة الشركية، ليس المحبة الفطرية. ليس كل حب مذموم، وإنما الحب المذموم الحب على وجه العبادة، الحب الذي يكون معه التعظيم والإجلال والخضوع والذل والرغبة والرهبة، كحب المشركين لغير الله. ليس حبهم مثلا من يعبد «هبل» أو «اللات» أو «العزة» مثل حبهم لآبائهم وأجدادهم وأبنائهم، فذاك حب فطري، وذاك حب عبادة، فيه رغبة ورهبة، فيه خضوع وذل، وهذا هو الشرك. فإذا لم يتحقق البغض لما يعبد من دون الله ومن يعبد غير الله، لم يتحقق التوحيد. لأن الموحد يبغض الشرك وأهله، ويحب الله سبحانه وتعالى ومن يعبده. والأدلة من الكتاب والسنة في هذا كثيرة. ولكن المقصود الإشارة إلى معنى ما أشار إليه من أن «لا إله إلا الله» تستلزم قولا وعملا. ومن ذلك شروط «لا إله إلا الله». وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. هذا حال المشركين، سووا محبة الله بمحبة غير الله. أما أهل التوحيد فلا. وقولهم «وانقياد» أي بامتثال المأمور وترك المنهي عنه. «لا إله إلا الله» تقتضي عملا في الظاهر وفي الباطن، بالقول وبالفعل، أن تنقاد. فإذا لم تنقد، فأنت لم تحقق «لا إله إلا الله». وهذا الانقياد لو تركه الإنسان بالكلية، لم يكن مؤمنا. لا يتصور إيمان عند من ليس عنده انقياد. فلو قال إنسان «لا إله إلا الله» ولم ينقد لأمر من أوامر الله، وانقاد لغير الله، لكان هذا شرك. بل لو انقاد لله وانقاد لغير الله، لصار هذا الشرك. ولذلك تجد من علامة المشركين انقيادهم لمألوهاتهم التي يعبدونها من دون الله مثل أو أعظم من انقيادهم لله. تأمل كل المشركين، مشركي العرب، مشركي أهل الكتاب، ومشركي زمن المؤلف، ومشركي هذا الزمان. لو قارنت بين ما يبدلونه من انقياد لله وما يبدلونه من انقياد لغير الله، لوجدت من علامات شركهم تساوي أو انقيادهم على وجه أعظم لما يُعبد من دون الله. نضرب مثالا بحال المشركين في هذا الزمان. لو قارنت تعلقهم بغير الله وانقيادهم لهذا الذي يعبدونه من دون الله مع انقيادهم لله، لو وجدت كما سمعت تساوي أو أعظم انقيادهم لغير الله. فمثلا الشيعة في «الحسين» رضي الله عنه أرضاه، ذكرهم لـ«الحسين» بلسانهم أعظم من ذكرهم لله، وتعظيمهم وانقيادهم لما فيه التوجه لـ«الحسين» يُعبد من دون الله أعظم من توجههم لله. ولهذا تجد أنهم يعتقدون أن زيارة قبر «الحسين» أعظم من زيارة بيت الله. هذا موجود، ومصطور في كتبهم. ومصطور في كتبهم. حتى عندنا في هذه البلاد الحضرمية، عندهم زيارة قبر «هود» أعظم من سبع حجات إلى بيت الله الحرام. إذن الانقياد لغير الله أعظم من الانقياد لله، هذا عين الشرك. أين الانقياد لله؟ وأين الانقياد لغير الله؟ وتسبيحة في «هود» أفضل من قيام أو اعتكاف سنة. تسبيحة واحدة، إذن هذا إيش؟ هذا غلو وانقياد لغير الله أعظم من الانقياد لله سبحانه وتعالى. وقس على ذلك كثير مما يدلك على أن الموحد يخلص في الانقياد لله، وأن المشرك من علامات شركه أن ينقاد لغير الله. ولذلك تجد عوام هؤلاء ربما لا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولا يبالون بفعل المحرمات واقتحام الفواحش والمنكرات. ومن باب أولى لا يحجون ولا يعتمرون، ويرون أن حضور «الحول» من أعظم المهمات. يبدل الغالي والرخيص ليوم واحد فقط، يحضر فيه «الحول»، وهو ما يسمى بزيارة «الولي». فعنده زيارة «الولي» يكفر عنه ذلك كله. وهذا من عقيدة عباد القبور، حتى أنهم يرون أن هذه الزيارة تمحو ما سلف من حياته. فإذا لا يبالي بانقياده لله ما دام هذه الزيارة تعطيه أعظم مما سيجده عند الله. وهذا مصطور في كتبهم وموجود يتداولون به بألسنتهم. وهكذا كذلك «والقبول لها» أي القبول لكلمة التوحيد وما تقتضيه من شرع ودين، يقبل ذلك بقلبه وبلسانه وبجوارحه. فمن لم يقبل، فهو ليس بموحد. والقبول لا يكون فقط بلسان المقال، بل بلسان المقال ولسان الحال. يظهر هذا القبول عند الموحد بامتثاله دين الله وشرعه. وقوله رحمه الله: «كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله»» مرت معنا الأحاديث في هذا الباب، وهو يشير بهذا إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه أرضاه «خالصا مخلصا خالصا من قلبه صادقا من قلبه»، كلها روايات لحديث أبي هريرة الذي تقدم معنا. وجاءت كذلك أحاديث أخرى بمعنى. وقوله «في حديث آخر» هو حديث طارق بن أشيم الذي تقدم معنا، الذي يرويه أبو مالك عن أبيه، رواه الإمام مسلم. وهذه الألفاظ وغيرها مما مر معنا، بعضها يدل أن المطلوب ليس فقط قول «لا إله إلا الله»، ليس قول «لا إله إلا الله» فقط. بل قول يصدق بالعمل، قول يتبع بأداء الشروط والأركان. فلكل عمل شروط وأركان. وكما قال بعض أهل العلم: «ويروى عن الحسن: لكل باب مفتاح، ولكل مفتاح أسنان». فمفتاح كلمة التوحيد له أسنان، أسنانه شروطه. فهذا المعنى مروي عن عدد من أهل العلم. والمقصود أن المفتاح لا يفتح إلا بأسنانه. «لا إله إلا الله» لا تفتح لصاحبها ما يرجوه من خير الدنيا والآخرة إلا بأسنانها، والمراد شروطها. وقد تقدمت هذه الشروط السبعة. بعضهم زاد شرطا ثامنا، وهو من باب زيادة التأكيد والتفصيل. وإلا اكتفاء جمهور أهل العلم بالشروط السبعة، يعني أن الشرط الثامن يدخل فيها. ولهذا يقولون: «الجهل الشرط الثامن المذكور هو الكفران بما سوى الله سبحانه وتعالى». ولهذا قالوا: «تكملة للبيت السابق: وزيد ثامنها الكفران أو كفرانك بما سوى الإله من الأشياء قد ألها». فهي في الحقيقة تدخل فيما سبق؛ لأنهم يقولون: «علم منافي للجهل، صدق منافي للكذب، إخلاص منافي للشرك». هذا هو معنى الشرط الثامن. فكما قلنا: من تأمل هذه الأحاديث وجد أن «لا إله إلا الله» تقتضي شروطا وأركانا، قولا وعملا، وخصوصا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وكفر بما يعبد من دون الله». وقول: «إلى غير ذلك من الأحاديث الدال على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة» تقدم معنى بعض هذه الأحاديث. وبه نعلم أنهم لم يعلموا ولم يعرفوا حقيقة معنى كلمة التوحيد. فكلمة التوحيد «لا إله إلا الله» معناها لا معبود بحق إلا الله. وقوله: «فعلم أن هذه الكلمة نفي وإثبات» هذان كما تقدم ركن كلمة التوحيد، ولا بد منهما جميعا. فالصلاة لها أركان لا تصح إلا باجتماع الأركان جميعا. لو سقط ركن واحد بطلة الصلاة، فكيف بكلمة لها ركنان إذا سقط واحد لا شك أنها تبطل. فلا يكفي كما تقدم معنا إثبات من دون نفي، ولا نفي من دون إثبات، بل لابد من نفي وإثبات كما تقدم معنا في أول الرسالة. وقوله رحمه الله: «نفي الإلهية عما سوى الله سبحانه وتعالى من المرسلين حتى محمد صلى الله عليه وسلم ومن الملائكة حتى جبريل، فضلا عن غيرهما من الأنبياء والصالحين، وإثباتها لله عز وجل» معناه من معنى النفي والإثبات. لأن معنى «لا إله إلا الله» كما تقدم لا معبود بحق إلا الله. إذ الإله لغة وشرع المعبود المطاع. هذا معنى الإله لغة وشرع، المعبود المطاع. فمعنى «لا إله إلا الله» نفي الإلهية عما سوى الله سبحانه وتعالى من كل ما سوى الله، ولو كان أفضل الرسل. ولهذا مثل بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان أفضل الملائكة، ولهذا مثل بجبريل عليه السلام. فإذن من دون هؤلاء من باب أولى. ولهذا قال: «فضلا عن غيرهما من الأنبياء والصالحين»، إذن كذلك من باب أولى من هم دون الأنبياء والصالحين ممن عبدوا أو أثبت لهم معنى الإلهية. فلا شجر ولا حجر ولا إنس ولا جن ولا أنبياء ولا رسل ولا ملائكة. وفي تقديم المرسلين على الملائكة إشارة منه رحمه الله إلى تقديم فضل الرسل على الملائكة. وفي هذا وفي هذا خلاف بين أهل العلم. والمحققون من أهل العلم رجحوا تقديم الرسل على الملائكة. ولهذا قدم ذكرهم في نصوص الكتاب والسنة، وذلك من أوجه، إذ الرسل أبتلوا فأطاعوا، وخيروا فاختاروا، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وغير ذلك من مواضع التفضيل. فأبو الأنبياء آدم عليه الصلاة والسلام أسجد الله له الملائكة. وغير ذلك مما استدل به أهل العلم. وهذه كما يقال مسألة عارضة. فإذا علمنا أن معنى النفي والإثبات نفي الإلهية عما سوى الله، وكما قال: «وإثباتها لله عز وجل وحده»، علمنا أن الكثير من الناس لم يفهموا «لا إله إلا الله». فمن قال: «لا إله إلا الله لا خالق إلا الله» أخطأ وجهل جهلا عظيما، ولم يستفد من كلمة التوحيد. إذ ليس في اللغة ولا في الشرع أن معنى الإله هو الخالق، بل الإله هو المعبود المطاع. ومن فسر «لا إله إلا الله» «لا مالك إلا الله» فقد أخطأ، وهذا قول قال به طائفة كما سئت إن شاء الله. ومن قال: «لا إله إلا الله» معناها «لا مدبر إلا الله» فقد أخطأ. ومن قال: «لا إله إلا الله لا متصرف ولا مخترع ولا صانع إلا الله» فقد أخطأ، فليس هو في اللغة ولا في الشرع أن الإله يفسر كذلك. ومن قال: «لا إله إلا الله لا حاكم إلا الله» فقد أخطأ، فليس في اللغة ولا في الشرع أن الإله يفسر كذلك. ولهذا قال: «إذا فهمت ذلك فتأمل الألوهية التي أثبتها الله تعالى لنفسه ونفاها عن محمد صلى الله عليه وسلم وجبريل وغيرهما أن يكون لهم منها مثقال حبة من خردل». معناه لا يشاركون الله عز وجل في شيء من معنى الألوهية، وهم أفضل خلق الله، فمن دونهم من باب أولى. وبهذا نعلم أن هؤلاء لم يعرفوا حقيقة معنى «لا إله إلا الله». وهذا وجه من أوجه الضلال في كلمة التوحيد، عدم فهم معناها. وكذلك ما تقدم ضلال آخر، ضن بعض الناس أن المطلوب من كلمة التوحيد قولها باللسان فقط. فهاتان ضلالتان عظيمتان في كلمة التوحيد، وابتلي بها الناس في زمن المؤلف رحمه الله وقبله، بل وإلى زماننا هذا. طيب نكتفي بهذا القدر، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.