حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 14

حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 14

الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 14، تابع : أركان الإسلام . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في توحيد الإلهية ومعنى لا إله إلا الله

يشرح الشيخ معنى لا إله إلا الله وتوحيد الإلهية، موضحًا أن كلمة التوحيد تعني لا معبود بحق إلا الله وأنها تتضمن إفراد الله بالعبادة.

تحليل الشرك ومعنى كلمة التوحيد

يناقش المقطع معنى كلمة التوحيد ويبين أهمية النفي والإثبات فيها، منتقدًا المشركين الذين يلجأون إلى الواسطة في العبادة ومبينًا أن الشرك هو اعتقاد وجود من يستحق العبادة سوى الله.

شروط تحقيق كلمة التوحيد ودلالتها

يعدد المقطع شروط تحقيق كلمة التوحيد مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويشرح معاني هذه الشروط ويدلل عليها من القرآن والسنة، مؤكدًا على أهمية تحقيق معنى الشهادة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الملف رحمه الله تعالى في حاشيته في تتمة كلامه على الآية: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾. قال رحمه الله: والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي هو نور القلوب وحياتها، وغيره علم نسبي إضافي، إما إلى أمور دنيوية أو علوم حسابية وصناعية أو غير ذلك، وأهله ليسوا من أهل العلم الذين استشهدهم الله، فلا يطلق هذا العلم إلا على العلم الشرعي الديني. وهكذا إذا أطلق في نصوص الكتاب والسنة العلم، فالمراد به العلم الشرعي. وإذا أريد به ما هو زائد عن ذلك، فلابد أن تدل قرينة عليه. ولا يعني ذلك أن أهل غير العلم الشرعي لا يصلون بما عندهم من علوم إلى معرفة الله عز وجل في ربوبيته، بما يستدلون به على معاني ألوهيته. فإن كل العلوم لو تدبرها أهلها دلت على عظيم خلق الله عز وجل خلقه في هذه المخلوقات في هذا الكون الواسع، التي هي مليئة بمعاني عظمته وكماله وجماله. فإن كمال هذا المخلوق من كمال الخالق، وجمال هذا المخلوقه من جمال الخالق، وإتقان وإحكام هذا المخلوق من إحكام وحكمة وقوة وقدرة الخالق سبحانه وتعالى. ولهذا فإن من وفقه الله -والموفق من وفقه الله- يستدل بما معه من علم على ربوبية الله سبحانه وتعالى وحده، فيدل ذلك على استحقاقه في ألوهيته وحده سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وقوله «العزيز الحكيم» وقوله «قائما بالقسط لا إله إلا هو» «لا إله إلا هو العزيز الحكيم»، قال: أي قائما بالعدل. فشهد سبحانه أنه قائم بالعدل، بالعدل في توحيده، وبالوحدانية في عدله. والتوحيد والعدل هما جماع صفات الكمال. ونظم الآية: «شهد الله قائما بالقصد أنه لا إله إلا هو»، فقائما نصب على الحال، «ولا إله إلا هو» توكيد لما سبق لعظم شأن التوحيد. ثم أثنى على نفسه المقدسة، فأخبر أنه العزيز، أي الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء -من العزة- ولله عز وجل معاني العزة كلها. قال: عظمة وكبرياء. «الحكيم» أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. قال: فتضمنت هذه الآية الكريمة أجل شهادة، وأعظمها وأعدلها وأصدقها، من أجل شاهد بأجل مشهود به. وتضمنت توحيده تعالى وعدله وعزته وحكمته سبحانه وتعالى. فمن كانت له هذه الصفات فهو الإله الحق وحده. وإذا أطلقت الألوهية إلى غير الله فهي بباطل. قال رحمه الله تعالى: قوله ومعناها: «لا معبود بحق إلا الله»، أي ومعنى هذه الكلمة العظيمة، شهادة أن لا إله إلا الله: «لا معبودة» أي لا مألوه بحق إلا الله وحده دون كل من سواه. بل كل مألوه سوى الله عز وجل، فإلهيته أبطل الباطل وأضل الضلال، وهذا ظاهر. فإنه لو سمي إلها، فكانت تسمية جائرة ظالمة. لأن الألوهية الحقة هي لمن له معاني هذه الألوهية، بكماله في ربوبيته، وفي أسمائه وصفاته. فلابد من كلمة التوحيد من هذا النفي والإثبات، حتى يتحقق معاني وحدانية الرب سبحانه وتعالى. فما سوى الله إن عُبِد، فقد عُبِد بباطل، وهي إلى آلهات كثيرة. وهذا مما يدل أنها عُبِدت بباطل. وقد عُبِدت الأشجار، وعُبِدت الأحجار، وعُبِد البشر، من ولي أو غيره، وكل هذا مما عُبِد بباطل. قال رحمه الله تعالى: وإثباتها لله وحده، وسيقة توحيد الإلهية مطابقة. لا كما يقوله بعض الجهلة: إن معناها «لا يخلق ولا يرزق إلا الله»، «ولا يدبر الأمر إلا الله». فإنها وإن دلت عليه بطريق التضمن، فهي موضوعة لتوحيد الإلهية، الذي هو إفراد الله بجميع أنواع العبادة، الذي أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب في تقريره وإضاحه. وحقيقة اللفظ والمعنى يدل أن المقصود هو الألوهية، معاني الألوهية للربوبية. لأن معنى «لا إله»: «لا معبود». فالإله لغة وشرعا هو المعبود. حتى في عرف الناس، فإنهم إذا قيل: «هذا إله»، أي: «هذا المعبود الذي يُعبد». فإذن معنى «لا إله إلا الله»: «لا معبود بحق إلا الله». وليس معنى «لا إله إلا الله»: «لا خالق إلا الله»، أو «لا رازق إلا الله»، أو «لا مدبر إلا الله». فإن هذا لا يدل عليه اللفظ، لا في اللغة ولا في الشرع ولا في العرف. فإن هذا الذي يعبد الشجر، أو يعبد الحجر، أو يعبد ما يعبد، لا يدعي أنه خالق، ولا يدعي أنه رازق. فإن الكثير من هذه المعبودات إنما اتخذت واسطة شركية، مع إقرارهم أن الله وحده هو الخالق، وهو الرازق، وهو المدبر، كما قال الله عز وجل: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾. فإذن من الخطأ لغة وشرعا وعرفا تفسير «لا إله إلا الله» بـ «لا خالق إلا الله»، أو «لا رازق إلا الله»، أو «لا مدبر إلا الله». وكما قال رحمه الله: وإن كان هذا المعنى يتضمنه اللفظ. لأن إثبات الألوهية يتضمن إثبات معاني الربوبية، وإثبات الربوبية يستلزم معاني الألوهية. فمعاني الربوبية تستلزم الإلهية، ومعاني الألوهية تتضمن معاني الربوبية. قال رحمه الله تعالى: وأما توحيد الربوبية، فقد أقر به المشركون، كأبي جهل وأضرابه، كما قال تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله﴾، أي: أنه الذي يفعل ذلك، ولم ينازعوا فيه، ولم ينكروا الإقرار به. بل احتج تعالى عليهم بإقرارهم بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية. فقال: ﴿فقل أفلا تتقون﴾ أي: الشرك به في عبادته. فإنهم يعرفون معناها، وأنها دلت على إفراد الله بالعبادة. ولهذا أنكروا أن يكون الله والمعبود وحده. وقالوا: «شتم آلهتنا». وقالوا: «أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب». بل يريدون أن يجعلوا بينهم وبين الله وصائط وشركاء في العبادة. فإن نفوسهم وإحساسهم امتزجت بالشرك، ونشأت عليه، وألفته. فصاروا كالمريض الذي فسد مزاجه، فإذا أتي بالطعام الحلو، قال: «هذا مر»، وهو ليس بمر، ولكن الآفة من مزاجه الفاسد. بالنسبة إلى عقولهم الفاسدة، فكذلك الحق والنور المبين الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، هو عندهم -وأمثالهم- مر بالنسبة إلى أمزجتهم. والمقصود أنهم عرفوا أن مدلولها أن يكون المعبود هو الله وحده. وبهذا تعرف أن مدلول «لا إله إلا الله» مطابقة لمعنى الإلهية. قال: هو إفراد الله بالعبادة. وهو كما قال رحمه الله: فهؤلاء يعلمون علم اليقين حقيقة هذا المعنى، معنى الربوبية الذي يستلزم معنى الألوهية. ولكن لفساد هؤلاء بهذا الشرك، صاروا كالمريض الذي لا يرى الحق حقا. فالطعام الحلو يراه مرا بسبب مرضه. وهكذا المشرك. وحجتهم اتخاذ الواسطة، فجعلوا هذه وصائط تقرب إلى الله، كما زعموا. فهم يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى. وحجة المشركين الأولين، رددها المشركون المتأخرون، حتى في زماننا هذا. فإنك تسمع من يستدل على هذا المعنى بأنواع الأمثلة، ويعرض عن أدلة الكتاب والسنة، وعما كذلك تقتضيه الفطرة، فيترك ذلك كله لأقيسة فاسدة. فيأتي أحدهم ويقول: لماذا يسمي الوهابية ما نفعله شركا؟ إن ما نفعله هو من التوحيد الذي يحبه الله. فالله عظيم، ونحن عندنا ذنوب ومعاصي، ونحن مرفوضون مبغوضون عند الله العظيم. فنحن نتقرب إليه بالصالحين من عباده. هكذا يزعمون: نتقرب إليه بالصالحين من عباده. فجعلوهم شفعاء، كما جعل الأولون تلك الآلهة شفعاء تشفع عند الله سبحانه وتعالى. فما الفرق بين من اتخذ حجرا أو شجرا أو اتخذ كذلك قبرا ومشهدا؟ لا فرق من ذلك. بل يأتي أحدهم فيقول ويصرّح، ومسجّلٌ هذا بصوته في الشبكة: ليس هذا فحسب، بل نحن نأمركم أنكم إذا قيل مثله: كمثل ملك، إذا كانت لك حاجة، فأنت لا تستطيع الوصول إليه، وإنما تصل إليه بالواسطة. فالواسطة يؤدّي لك طلبك، ويخرج لك شفاعتك. فأنت لا تستطيع أن تدخل عليه. وكذلك أمر الله. قال: بل أقول لكم أعظم من هذا: ربما تطلب من هذا المستشفع مباشرة، لأنه قد أذن له الملك لثقته به، أن يتصرّف في ملكه ما يشاء. وكذلك فإن الملك يريد الله، قد أذن لهؤلاء الصالحين أن يتصرّفوا في ملكه ما يشاءون. انظروا إلى هذا القياس الشركي الفضيع، كيف تجاسر هؤلاء على الشرك وعلى تحليله، وأمر الناس به. فالله عز وجل أمره عظيم، ليس أمره كأمر المخلوقين. وهذه من الأمثلة الفاسدة. فالله سبحانه قد قال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. والله عز وجل نفى هذه الشفاعة الشركية، وهو القاهر سبحانه: ﴿من ذا الذي يشفى عنده إلا بإذنه﴾. هذه هي الشفاعة الشركية التي كان يعتقدها المشركون في ذاك الزمان. وهكذا يرددها اليوم بعبارات متفاوتة متقاربة في هذا الزمان، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: وقوله «لا إله» نافيا جميع ما يُعبد من دون الله. قال: الإله «فعال» بمعنى «مفعول»، ككتاب بمعنى «مكتوب»، مشتق من «أليها يأله إلهة» أي: «عبد يعبد عبادة». لفظا ومعنى. فهو كذلك في اللغة، وهو كذلك في الشرع، وهو كذلك في العرف. فلا أحد في العرف يقول: «إله خالق»، بل «إله معبود». الإله هو المعبود، وليس الإله هو الخالق. ليس هذا في اللغة ولا في الشرع ولا في العرف. قال: والإله هو المعبود المطاع. فالنفي في كلمة الإخلاص «لا إله»: أي «لا مألوها» يستحق أن يُعبد إلا الله. ولفظة «لا» نافية للجنس، فهي تشمل كل إله. تشمل كل إله. فعند ذلك نفيت معاني الألوهية عن كل ما سوى الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: فإذا قلت: «لا إله»، كنت نافيا جميع ما يُعبد من دون الله سوى الله. وهذا مفهوم من هذه اللفظة، لفظة «لا» النافية للجنس، التي أفادت هذا المعنى من معاني العموم. قال رحمه الله تعالى: وهكذا كذلك النكرة في سياق النفي. قال رحمه الله تعالى: يعني: وآلهة غير الله كثيرة، طبق الأرض. ولكن بالباطل والضلال. وإنما الإله المستحق للعبادة هو الله وحده. وآلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله، إنما هي مجرد ظن منهم، واتباع لأهوائهم. كما قال تعالى: ﴿فرأيتم اللات والعزة إلى قوله إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾. والشاهد في قوله: ﴿وما تهوى الأنفس﴾. فالأنفس تهوى هذا الذي هم فيه. قال رحمه الله تعالى: وقوله «وحده لا شريك له في عبادته»، أي: والإثبات بكلمة الإخلاص، وقولك «إلا الله» المستثنى في هذه الكلمة العظيمة، ودلالته على إثبات الإلهية لله وحده، أعظم من دلالة قولنا «الله إله». فلا نافي للجنس، وخبرها المرفوع محذوف، تقديره «حق». و«إلا الله» استثناء من الخبر المرفوع. فالله هو الحق، وعبادته وحده هي الحق، وعبادة غيره باطل. قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾. وهذا هو إعرابها، وإعرابها يدل على معناها العظيم الذي خفي على كثير من الجهال، ومن ابتلي باللوثات الشركية. فهنا نفي وإثبات، ولا بد من هذا النفي والإثبات ليتحقق معاني الألوهية والربوبية لله عز وجل وحده. وإذا لم يكن هناك نفي وإثبات، فإنه لا يتحقق هذا التوحيد الذي أراده الله سبحانه وتعالى. وهكذا أسلوب النفي والإثبات بالحصر، وبصيغة النفي والاستثناء، أبلغ معاني النفي والإثبات. لأن فيه إفادة النفي على وجه العموم، والإثبات على وجه الحصر. النفي على وجه العموم، والإثبات على وجه الحصر. فهو بلا شك ظاهر لغة وشرعا وعرفا، أنه أبلغ من قولك «الله إله». فإثبات الألوهية لله لا ينفي إثباتها لغير الله. لكن نفيها عم سوى الله، مع إثباتها لله بأسلوب تعميم النفي، وحصر الإثبات، من أبلغ معاني الإثبات للألوهية لله سبحانه وتعالى. إذن عندنا أربعة أمور: إما أن يكون هناك نفي بدون إثبات، وهذا حال الملحدين. إذا قال: «لا إله»، نفى الألوهية عن كل شيء. وهذا هو الملحد. وإما أن يكون إثبات من دون نفي، وهذا حال المشركين. فإنهم يثبتون الإلهية لله، ويثبتونها لمن سوى الله. وإما أن يكون نفي وإثبات، لكنه ليس بأسلوب الحصر ولا الاستثناء، فيكون كذلك قاصرا، فيه مدخل لدخول ما قد يكون به الشرك الأصغر أو الأكبر. وأكمله وأتمه أن يكون نفيا وإثباتا بأسلوب النفي والاستثناء، الذي يفيد عموم النفي، وتخصيص الإثبات. فيعم النفي لكل ما سوى الله، تنفى عنه الألوهية، وتفرد لله عز وجل بالاستثناء وحده سبحانه وتعالى. وبهذا يتحقق عظيم معنى كلمة التوحيد. ولهذا جاءت في نصوص الكتاب والسنة بهذه السياقة البليغة البديعة، التي تتضمن كمال إثبات التوحيد لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: والقرآن يدل على إثبات العباد لله وحده. فـ «لا إله إلا الله» اجتمعت على أمرين، هما ركناها: النفي والإثبات. فـ «لا إله» نافيا وجود معبود بحق سوى الله. و«إلا الله» مثبتا العباد لله وحده دون كل من سواه. والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات المحض. فلا بد من الجمع بين النفي والإثبات كما تقدم. وأكمل الجمع بين النفي والإثبات أن يكون بهذه السياقة: أن يكون نفيا على وجه العموم، وإثباتا على وجه الحصر. فيكون ذلك أكمل أنواع النفي والإثبات. قال رحمه الله: وشروطها ثمانية، يعني شروط «لا إله إلا الله». قال: أحدها: العلم المنافي للجهل. وكل شرط من هذه الشروط استدل له العلماء بأدلة من الكتاب ومن السنة. وبهذا علموا شروط «لا إله إلا الله». فأما العلم، فاستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾. وبقول الله عز وجل: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾. وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة»، رواه مسلم عن عثمان رضي الله عنه. قال رحمه الله: الثاني: اليقين المنافي للشك. كذلك فإن أدلة الكتاب دلت والسنة على هذا الشرط من الشروط التي لا يتحقق معنى كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» إلا بها. كما قال الله عز وجل: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم إلى آخره﴾، فإنه يدل على هذا المعنى. وكذلك قول الله عز وجل: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون﴾. وغير ذلك من الآيات. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: «من لقيت خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله غير شاك فبشره بالجنة». وغيره من الأحاديث في هذا الباب، والحديث في الصحيحين. قال رحمه الله تعالى: الثالث: القبول المنافي للرد. ومعنى القبول: أي قبول هذا المعنى الذي تضمنته كلمة التوحيد، وما يستلزمه بعد هذا القبول من التسليم والمتابعة. والآيات والأدلة في هذا كثيرة. ومنها ما تقدم. فإن معنى اليقين يدخل فيه القبول. ومنه قول: ﴿آمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل﴾ الآية. قال رحمه الله: الرابع: الانقياد المنافي للترك. كذلك. ومعنى هذا الانقياد: حصول التسليم لله عز وجل. وهو حقيقة دين الإسلام. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن﴾. وقال جل وعلا: ﴿ومن يسلم وجهه لله وهو محسن﴾. وغير ذلك من الآيات. قال رحمه الله: الإخلاص المنافي للشرك. كذلك. فإن الإخلاص مما تستلزمه كلمة التوحيد. فلا تتم كلمة التوحيد إلا بالإخلاص. كما قال سبحانه: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾. وفي الصحيحين، أو في البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسعد الناس بشفاعة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه». فلابد من الإخلاص. قال: السادس: الصدق المنافي للكذب. ومعاني الأمر بالصدق كثيرة. فالصدق في الظاهر، في الباطن، في الأقوال، في الأفعال، كلها تحقيق لكلمة التوحيد. وهكذا من شهد بـ «لا إله إلا الله» ولم يكن صادقا في ذلك، فإنه لم يحقق هذا التوحيد. وقد أمر الله عز وجل بالصدق في آيات كثيرة، كقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. قال: السابع: المحبة، أي المنافية لمزاحمة محبة غيره له. فكل أحد سوى الله يحب لله. وأما الذي يحب لذاته فهو الله سبحانه وتعالى وحده. كما قال جل وعلا: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾. فالله وحده هو الذي يحب لذاته، وما سوى الله فيحب لله جل وعلا. قال رحمه الله: المحبة المنافية لضدها، أي الكراهة. قال: الثامن: الكفر بما سوى الله تعالى، يعني أن تكفر بكل ما سوى الله سبحانه وتعالى. وقد جعل الله عز وجل الإيمان لا يتم إلا بالكفر بالطاغوت، وهو كل ما عبد وأطيع من دون الله سبحانه وتعالى. فمن يؤمن بالله ويكفر بالطاغوت، فهو معنى النفي الذي تستلزمه هذه الكلمة. وهو من أعظم شروط «لا إله إلا الله». وصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم الله ماله». وقال: «وادخله الجنة على ما كان من عمل». أو قال: «وحسابه على الله تعالى»، حديث مالك الأشجعي في مسلم. فعلم بهذا أنه لا يتم توحيد إلا بكفر. وهو كفر بما سوى الله. ولا يقع كفر إلا بعدم توحيد لله سبحانه وتعالى. فهما أمران متلازمان. وقد جمع بعض أهل العلم هذه الشروط الثمانية في بيت أو بيتين، قال: علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها وزيد ثامنها الكفران منك بما غير الإله من الأوثان قد أليها قال رحمه الله تعالى: وقوله «كما أنه لا شريك له في ملكه»، قال: يعني فكما أنه المتفرد في ملكه، فهو يدل على أنه يفرد بالعبادة. فإن من أظلم الظلم أن يجعل المخلوق الذي ليس شريكا لله في الملك شريكا لله في العبادة، تعالى الله وتقدس. ولهذا يحتج تعالى على من أنكر ألوهيته بما أقر به من ربوبيته. فإن توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد الإلهية. ولهذا قال: «كما أنه لا شريك له في ملكه»، يعني هذا من الاستدلال بمعاني توحيد الربوبية على معاني توحيد الألوهية. قال رحمه الله: قوله وتفسيرها الذي وضحها، أي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله الذي بيّنها بيانا تاما من القرآن. فإنه تعالى بيّنها بكتابه بغير موضع، ولم يكِل عباده في بيان معناها إلى أحد سواه. فوجب عند ذلك أن نرجع إلى هذا البيان. فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، والسنة تفسر القرآن. فيجب الرجوع إلى هذا العلم الذي أمرنا الله عز وجل بالرجوع إليه. قال رحمه الله: قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون﴾، قال: أخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليل إمام الحنفاء، ووالد من بعده من الأنبياء: أنه قال لأبيه آزر وقومه أهل بابل وملكهم النمرود -وكانوا يعبدون الأصنام- «إنني براء مما تعبدون» من الأوثان. وهذا فيه معنى «لا إله» أي النفي المذكور في كلمة التوحيد. فقد فُسّر هذا النفي بنفي العبادة عما سوى الله. فعُلِم أن «لا إله» أي «لا معبود». وليس «لا خالق»، ولا «لا رازق». قال رحمه الله: وقوله: ﴿إلا الذي فطرني﴾ أي: ابتدأ خلقي وبرأني. وفيه معنى «إلا الله». فدلت الآية على ما دلت عليه «لا إله إلا الله». ولهذا يُقال للـ «لا» النافية للجنس عند النحاة: «لام التبرئة». فالخليل عليه السلام تبرأ من آلهتهم سوى الله، ولم يتبرأ من عبادة الله، بل استثنى من المعبودين ربه. قال رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿فإنه سيهدين﴾، قال: أي يرشدني لدينه القويم وصراطه المستقيم. وقد أمرنا تعالى أن نتأسى به، كما قال تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم﴾ الآية. يعني في تحقيق هذا التوحيد لله عز وجل جملة وتفصيلا. فكما فسر إبراهيم «لا إله إلا الله» بهذه الآية، فكذلك نحن يجب أن نفسر هذه الكلمة -كلمة التوحيد- بما هو بمعنى هذه الآية: ﴿إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾. فهذا يوازي «إلا الله». فهو وحده سبحانه وتعالى الذي يستحق معاني العبودية والإلهية جل وعلا وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون﴾، قال: أي وجعل كلمة التوحيد -وهي «لا إله إلا الله»- باقية في نسله وذريته، يقتدي به فيها من هداه الله من ذريته. «لعلهم» أي لعل أهل مكة وغيرهم يرجعون، أي إلى دين إبراهيم الخليل. والكلمة هي «لا إله إلا الله» بإجماع المفسرين. وقد فُسّرت في آيات أخرى. قال: فعبر عن معنى «لا إله إلا الله» بقوله: ﴿إنني براء مما تعبدون﴾. وعبر عن معنى «إلا الله» بقوله: ﴿إلا الذي فطرني﴾. فتبين أن معنى «لا إله إلا الله» هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله. وبين تعالى معنى «لا إله إلا الله» في آيات كثيرة من كتابه، يتعذر حصرها. يعني هي كثيرة كثيرة. ولهذا من باب دفع المشقة والتطويل، فإنه لم يذكرها، واكتفى بذكر القليل كمثال. قال: كقوله: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾. وفي أخرى كذلك: ﴿ألا تعبدوا﴾، ما في معنى «لا إله». وقوله: «إلا إياه» هو الإثبات الذي أثبتته «لا إله إلا الله». إذ لا يعبر عن الشيء إلا بمعنى. فبهذا ونحوه تعرف أن معنى «لا إله إلا الله»: النفي والإثبات، والولاء والبراءة، والتجريد والتفريد. وهذا معنى النفي والإثبات. لأن النفي والإثبات معناه: إثبات التوحيد لله عز وجل، ونفي الشرك بنفي معاني الألوهية عما سوى الله سبحانه وتعالى. وكذلك فهم من الآيات التي فُسّرت بها كلمة التوحيد: الولاء والبراء الذي يجب أن يكون عند الموحد: ﴿إنني براء مما تعبدون﴾، يتبرأ من عبادة العابدين ومنهم، ومن معبوداتهم. وهذا يشمل أصل التوحيد، ويشمل كذلك ما يلحق به من الإخلاص والمتابعة والطاعة. ويشمل في النفي أصل الشرك، وما يلحق به من البدعة والمعصية والمخالفة. فإن كمال التوحيد بكمال الانقياد والطاعة. وهو يحتاج إلى نفي وإثبات، يحتاج إلى نفي وإثبات. ولا يتحقق هذا النفي والإثبات، ويكمل إلا باستيفاء ما أمر الله عز وجل به مما به يتحقق التوحيد. فكل دين الله والإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، كله مما يتحقق به التوحيد. قال رحمه الله: وهذه التفاسير ونحوها ترجع إلى معنى واحد، وهو تجريد غير الله عن الألوهية، وتفريدها لله وحده. وهذا هو معنى التجريد والتفريد: تجريد أي النفي، والتفريد أي الإثبات. قال: وتفريدها لله وحده دون كل من سواه، والبراءة من تأله غير الله بالكلية. وهذا التأله يتناول كل معنى التأله، سواء كان شركا أكبر أو كان شركا أصغر. قال: ومن اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة ولا يدخل النار، فهو ظالم مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهو في الحقيقة حين تلفظ لم يحقق معنى الشهادة. لأن الشهادة كما تقدم لغة وشرعا وعرفا تستلزم ثلاثة أمور: علم، ويقين، وعمل. لا يقال أبدا لا في اللغة ولا في الشرع ولا في العرف لمن لم يتحقق معه علم: «شهد أنت». إذا أتيت بإنسان يشهد على قضية ما، فإنه ليس فقط يتلفظ بلسانه، بل يتلفظ بلسانه ما علم واستيقن. وهكذا كذلك عمل بمقتضى هذا العلم، وماذا؟ واليقين. وهو بهذا يؤدي هذه الشهادة. قال رحمه الله تعالى: طيب لعلنا نقف إلى هنا لأن هذه الآية طويلة وقد انتهى الوقت. وإلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.