الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 1، الدرس الأول:من( مقدمة الطبعة الثانية و مقدمة الكتاب ... هم الذين يؤمنون بما ورد في كتاب الله وما صح عن رسول الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ مقبل بن هادي الوادعي بتوضيح أهمية دراسة دلائل النبوة في زيادة إيمان المؤمنين، ويشير إلى أهمية كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة". يُبين الفرق بين الطبعتين الأولى والثانية من الكتاب.
يتناول الشيخ تحذير الله من عدم الإيمان بالمعجزات والآيات النبوية، ويبين تأثير فكر الاعتزال على بعض الفرق الإسلامية المعاصرة، ويشير إلى أثر الفكر العقلاني على بعض المفكرين المسلمين.
ينتقد الشيخ الكتابات المعاصرة التي تنتقص من السنة النبوية، ويبرر تأليفه لكتاب "الصحيح المسند من دلائل النبوة" للرد على تلك الأفكار المنحرفة، ويشير إلى ضرورة الوسطية في التعامل مع النصوص الدينية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا ابتداء في قراءة كتاب شيخنا أبي عبد الرحمن مقبل، رحمه الله تعالى، المسمى بـ«الصحيح المسند من دلائل النبوة». فقد كان لهذا الكتاب طبعتان، طبعة أولى وكان كحال كل ما يبتدأ به لا يخلو من النقص، وطبعة ثانية كحال كل ما يكمل به مبتدئ، فكمل ذاك النقص وزاد الشيخ رحمه الله تعالى فيه شيئًا من التعديل. ولهذا صار المعتمد هو الطبعة الثانية. قال شيخنا رحمه الله في مقدمة هذه الطبعة الثانية: بسم الله الرحمن الرحيم، مقدمة الطبعة الثانية. الحمد لله، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن أهل السنة والحمد لله يزدادون كل يوم علمًا، بخلاف أهل البدعة فإنهم يزدادون كل يوم جهلًا وبعدًا من الخير. وقد يسر الله بزيادات مباركة من كتب السنة أرجو أن ينفع الله بها، وأن يدخر لي ثوابها عنده سبحانه وتعالى. وقد خرج الكتاب في الطبعة الأولى فيه من الأخطاء المطبعية والتقديم والتأخير، وربما وقع مني تكرار بعض الأحاديث في الباب الواحد. وأما التكرار في الكتاب فهو مقصود؛ اقتداءً بإمام الصنعة الإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله. وقد أذنت للأخ عبد الفتاح الزيني صاحب مكتبة ابن تيمية بالقاهرة بهذه الطبعة الثانية. ولم أنبه على مخالفة الطبعة الثانية للأولى لكثرته -يعني لكثرة التعديلات- لم ينبه في كل موضع أنه زاد هذا هنا وحذف هذا هنا وقدم هذا وفعل كذا وكذا، كما يفعل بعض الذين يعدلون في بعض الطبعات إذا كانت التعديلات قليلة. قال: «ولم أنبه على مخالفة الطبعة الثانية للأولى لكثرته، فعلى هذا فالمعتمد على الطبعة الثانية، والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم». كتبه أبو عبد الرحمن. قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وهذه مقدمة الكتاب «دلائل النبوة». قال: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا قيما لينذر بأسًا شديدًا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنا. الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. اللهم صل وسلم على نبيك محمد الذي أرسلته رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أيده الله بالمعجزات، وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا، فاصطفى رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، الله أعلم حيث يجعل رسالته. أيده بالحجج والبراهين التي هي بمنزلة التصديق له، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. أما بعد، فإن دراسة دلائل النبوة تزيد المؤمن إيمانًا، وربما كانت سببًا لإسلام من يريد الله به خيرًا. وأما الملحد والمعاند فإنه لا يزداد إلا عمى، ولو جاءته كل آية، كما يقول سبحانه وتعالى عنهم: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾. يعني أن هذا الكتاب وما فيه ينفع الله عز وجل به من كان منصفًا ومن كان مريدًا للحق. وأما المعاند والجاحد، وهو الملحد ومن كان مثله، فإنه سيكون حاله كمن ذكر الله في هذه الآية، وأمثالها ممن يجحدون الحقائق ويكذبون الحس. قال رحمه الله: وكما يقول سبحانه وتعالى عن منكري نبوة موسى عليه السلام: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وكما قال تعالى عن قريش: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾. وكما قال تعالى عنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. وهذه المعجزات أكبر برهان على أن محمدًا رسول من عند الله، فإن الله لا يؤيد الكاذب، كما قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ شَيْءٌ اللَّهُ يَخْتِمُ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. ولذا فقد باء بالخزي من ادعى النبوة وهو كاذب، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي ومن بعدهما المختار بن أبي عبيد الثقفي، وغيرهم ممن ادعى النبوة. وعدم الإيمان بالمعجزات موذن بالعقوبة العاجلة والعقوبة الأخروية. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. وهذا العذاب دنيوي وأخروي، الدنيوي بما يكون من عاجل العقوبة، وأخروي بما يكون من زيادة العقوبة عمن لم تأته الآيات. قال: «وهذا وبما أن دلائل النبوة أكبر برهان على صدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مع ما أكرمه به من مكارم الأخلاق، فقد ضاقت صدور أقوام بالآيات البينات والدلائل الواضحة، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾». قال: «هذا شأن كفار قريش، أما المسلمون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يعتبرون التشريع كله دلالة على صدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لما فيه من الأسرار العجيبة والحكم البليغة. وهكذا التابعون لهم بإحسان، حتى نبغ أقوام من ذوي الاعتزال فاعتزلوا الكتاب والسنة إلا ما يوافق أهواءهم، وهم يزعمون أنهم يعتمدون على عقولهم، وهم في الحقيقة يعتمدون على أهوائهم؛ لأن العقل الصحيح لا يخالف النقل الصحيح. فضاقت صدورهم ببعض المعجزات النبوية، فهذه يؤولونها وتلك يضعفونها». فأراد الله أن يحق الحق ويبطل الباطل، وكاد مذهب الاعتزال أن ينقرض. وفي هذه الأزمنة المتأخرة ومن بقايا الاعتزال مذاهب من مذاهب الشيعة بصنوفها، فإن الكثير من الشيعة على طريقة أهل الاعتزال. وهكذا كذلك بعض الطوائف العقلانية، فإنها على طريقة الاعتزال وهي موجودة، ولو تغيرت الأسماء. ففرقة الزيدية عندها الكثير من عقائد المعتزلة، وهكذا كذلك عدد من فرق الشيعة، سواء الاثنى عشرية وغيرها، عندها الكثير من عقائد الاعتزال. بل حتى بعض من مرده إلى الخوارج كالأباضية، وهذه فرق موجودة في واقعنا المعاصر، وكلها عندها شيء من عقائد الاعتزال. وهكذا بعض العقلانيين كبعض من ينتسب إلى الإسلام أو إلى الأدب أو إلى الثقافة ونحو ذلك، وعندهم لوثة فكرية أتتهم من جهة الفكر العقلاني، فهم يسيرون بسير أهل الاعتزال. قال رحمه الله: «وفي هذه الأزمنة المتأخرة نبغ أقوام من ذوي الأفهام لهواء، فأرادوا أن يأخذوا بالثأر للمعتزلة فتاهوا كما تاه أسلافهم -يعني من أهل الاعتزال- ومن أولئك التائهين الحيار، ومن أولئك الثائرين للاعتزال، بل ومنهم من هو ثائر للإلحاد، جمال الدين الأفغاني الرافضي الإيراني. ويجهل الكثير من الناس حال جمال الدين الأفغاني، الذين ربما يسمونه برجل الثورة والدين. وحقيقته أنه صاحب فكر منحرف في تفسير قضايا الإسلام». قال: «ومحمد رشيد رضا، أو قبله محمد عبده المصري. ومحمد رشيد رضا ليس كسابقيه في الضلال، فمحمد رشيد رضا يعد ممن في الحقيقة جدد شيئًا كثيرًا، وأحيا سننًا كثيرة. لكن يتأثر التلميذ بالشيخ؛ لأنه تتلمذ وسار على منهج محمد عبده، ومن كان على طريقة محمد عبده من مشايخه وأقرانه، صار لفكر محمد رشيد رضا لوثة عقلانية، وإن كان بالجملة له أشياء طيبة وخدمات نافعة للسنة والإسلام والمسلمين. لكن لأن الرجل عنده بعض الآراء العقلانية التي جاءت من جهة بعض مشايخه وأقرانه، فحذر من فكره أهل العلم. وهذا هو الوسط في حال محمد رشيد رضا، فإنك قد تسمع كلمات لبعض المشايخ كالشيخ الألباني رحمه الله، دفاع عن الشيخ محمد رشيد رضا؛ لما كانت له من كتابات في نصرة السنة ومحاربة البدعة في مجلته «مجلـة المنار»، وهكذا كذلك في بعض مؤلفاته وكتبه، وإحيائه لكتب الشيخين: كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. فقد كان الفضل لله سبحانه وتعالى، ثم لجهود عدد من الرجال، ومنهم ومن أبرزهم محمد رشيد رضا، فكان له الدور الأكبر من بين الرجال الذين أخرجوا كتب الشيخين، فكان له الأثر في إحياء عقيدة السلف ومحاربة فكر البدعة في العقيدة، سواء في مسائل اللوهية أو في مسائل الأسماء والصفات، أو في محاربة البدع والخرافات ونحو ذلك. ولكن لم يسلم رحمه الله من لوثة فكرية عقلانية في بعض المسائل العقدية، فضلًا عن غيرها، كإنكاره للسحر، وهكذا كذلك مسألة المس، ونحوها من المسائل الأخرى. فلذلك كان كلام من تكلم فيه كشيخنا مقبل رحمه الله. لكن الصحيح أنه ليس مثل محمد عبده أبدًا، بل بينه وبين محمد عبده كالذي بين السماء والأرض، كما قال بعض المشايخ. ومع ذلك فإن محمد رشيد رضا لم يسلم مما تهم به، أو في كثير مما رمي به». قال رحمه الله: «ومحمد شلتوت، وهكذا محمد شلتوت كذلك له مسائل كثيرة من هذا الجنس، لكنهم يتفاوتون يتفاوتون في هذا الباب». قال: «وطه حسين، وطه حسين في الحقيقة ينبغي أن يخرج من هؤلاء؛ لأنه محارب للإسلام والمسلمين، ليس هو متحملًا لفكر إسلامي فيه لوثة عقلانية، بل هو في الحقيقة يصح أن ننسبه إلى أعداء المسلمين، أو إلى المنافقين الذين اندسوا في صفوف المسلمين. فهو الذي يكذب آيات الكتاب من آيات القرآن العظيم، ويردها بأشياء من الأدب العربي، فيقدم الأدب العربي على القرآن في البلاغة والفصاحة وغير ذلك. ولذلك كان طه حسين له من الكتابات السيئة التي هي في الحقيقة من دسائس أعداء الدين. وقد نسبه أكثر من واحد إلى عدد من المحافل الماسونية، هو وجمال الدين الأفغاني، ففيهم صلة ببعض المحافل الماسونية اليهودية، وهكذا كذلك النصرانية، بما ينبغي ألا يكون ممن ينسب للإسلام أصلًا، بل هو من أعداء الإسلام والمسلمين». قال: «وأحمد أمين صاحب «فجر الإسلام» و«ضحاها» و«ظهره»، وأبو رية الذي تخصص بالطعن في السنة، ومحمد الغزالي في كثير من كتاباته استخفاف بأهل السنة وتهوين العمل بالسنة، من ذلكم كتاب «دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين»، وكذا كتابهم «هم داعية ومحمد الغزالي مميع»، وإن لم يكن في الضلال كسابقيه -يعني هؤلاء المذكورين-. قال: «هؤلاء في آخرين قاموا بحملة على السنة وانتصروا للاعتزال، ومنهم من انتصر للروافض، وأصبح العلم في مصر -أو في مصر- العوبة بين راد ومردود عليه. وصدق الله إذ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ويقول: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان»، رواه أحمد في مسنده من حديث عمر. ويقول: «أخوف ما أخاف على أمتي أئمة المضلين»، رواه أبو داود في سننه. والمعنى أن من ينتسب للعلم ضلاله أشد من ضلال من لا ينتسب إلى العلم». قال: «غالب هؤلاء متأجرون من أعداء السنة من الرافضة، ولكن يأبى الله إلا أن ينصر سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويظهر دينهم ولو كره الملحدون. فقد استيقظ شباب في جميع الأقطار الإسلامية ديدنهم: قال الله، قال رسول الله. فباء أعداء السنة، بالأمس كان يلقب جمال الدين ومحمد عبده بالإمامين المجددين، واليوم عرفا بالماسونيين. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب». هؤلاء الضالون التائهون منهم من تصدى للطعن في قصص القرآن، ومنهم من تصدى للطعن في معجزات الأنبياء عليهم السلام، ومنهم من تصدى للطعن في الصحابة الذين هم نقلة الدين إلينا، ومنهم من تصدى للطعن في بعض الأحكام، وسنوا سننًا سيئة. نرى كتبهم تشجع من قبل الرافضة ومن قبل الملحدين، وهذا إن دل على شيء دل على أنهم ينصرون فكرة الرافضة وفكرة الملحدين، وإلا لما طبعت من قبلهم، ولما كذلك أعينت من جهتهم. قال: «وإني أحمد الله فقد رأيت من الإجابة على كتبهم، بل على أباطيلهم وترهاتهم ما تقر به أعين أهل السنة، فجزى الله إخواننا الذين تصدوا لهذا خيرًا». ويقول هذا شيخنا: «ما أن بعض الكاتبين هم ممن ينتسب إلى بعض الفرق المنحرفة، ولكن هكذا ينبغي أن يكون صاحب الحق منصفًا، أن يكون منصفًا، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، مع عدم التلميع الذي يكون به إضلال من قد يقرأ في تلك الكتابات، فينتقل بها إلى كتابات آخرين، أو كتابات أخرى لهؤلاء». قال: «هؤلاء المتهوكون الحيار من ذوي الاعتزال الأقدمون والمتأخرون، قوبلوا بأناس من القصاصين يحدثون الناس بالغث والسمين والحق والباطل، ومنهم من يدفعه التعصب الأعمى إلى وضع أحاديث باطلة، إلى وضع أحاديث باطلة. وقد قرأت برسالة لعلي العجري بعنوان «نصيحة أولاد الصبطين ومن تبعهم من المؤمنين في التمسك بمذهب الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين»، فإذا فيها أحاديث في فضل زيد بن علي والهادي، أحاديث مكذوبة، وليس هو الذي افتراها، ولكنه جاهل بعلم الحديث، متعصب لأجداده رحمهم الله. وأمثال هذا كثير، كبعض الأحاديث الموضوعة في بعض الخلفاء العباسيين، كما في «العلل المتناهية» لابن الجوزي. وهناك فريق آخر نظر في دلائل النبوة فحملها ما لا تتحمل. وبين يدي الآن كتاب من كتب الضلال بعنوان «مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية»، حرف كثيرًا من الأدلة، وحمل أدلة أخرى ما لا تتحمل، وحمل أدلة أخرى ما لا تتحمل. فقد رد عليه الشيخ حمود التويجري بكتاب أسماه «إضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة»، وهو الغمار. قال: «فمن أجل هؤلاء وأولئك استعنت بالله على جمع ما تيسر لي من دلائل النبوة، وسميته «الصحيح المسند من دلائل النبوة»، جمعته من كتب السنة، وذكرته في فصول، وفي قصص الأنبياء. ووجه دخولها في دلائل النبوة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بها، فلم يكذبه أهل الكتاب، فدل على وقوعها وصدقه. ثم هي من الأخبار بالمغيبات، كما قال الله تعالى بعد قصة يوسف: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾. وأيضًا أن قصص الأنبياء قد انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام: منهم من اعتمد على القصص الإسرائيلية، ومنهم من تحكم في قصص الأنبياء وحرفها. وقد قرأت كتابًا في قصص الأنبياء للنجار، فيه تحريفات وإبطال لبعض معجزات الأنبياء. والقسم الأوسط هم الذين يؤمنون بما ورد في كتاب الله، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وهذا شروع منه رحمه الله تعالى في بعض ما في الكتاب، وأنه ألف هذا الكتاب وسطًا بين إنكار المنكرين وجحود الجاحدين، وبين غلو الغالين وإفراط المفرطين الذين زعموا أن أشياء آيات وليس بآيات، فحملوا النصوص ما لم تحتمل، فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطائرات وذكر الدبابات وذكر كذلك الكهرباء وذكر... وذكر... ثم ذهبوا إلى نصوص من الكتاب أو من السنة، فزعموا أنها فيها هذا المعنى. وهذا من التكلف. والوسط هو أن نثبت ما ثبت صحيحًا صريحًا، ونترك ولا نتدخل فيما لم يدل عليه صحيح وصريح أدلة الوحيين. ثم انتقل إلى قضية قصص الأنبياء، وأنه أدخلها في هذا الكتاب... إلى آخره.