الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 32، الدرس الثاني والثلاثون:من( فصل:في خطاب الأشجار والأحجار والحيوان وانقيادها له ... وقد كتبته مع أحاديث الخاتم لمناسبته هناك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ذكر شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، ومنها انقياد الأشجار والأحجار له. استشهد على ذلك بأحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وابن ماجة.
ذكر الإمام الدارمي رحمه الله تعالى أحاديث تثبت استجابة الأشجار لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على نبوته. منها قصة الأعرابي الذي استشهد له النبي بشجرة، وقصة الرجل من بني عامر.
يشرح الشيخ مفهوم المتواتر المعنوي ويستشهد بأمثلة من الأحاديث النبوية مثل رفع اليدين في الدعاء. كما يتناول مسألة أكل النبي صلى الله عليه وسلم للصدقة ويوضح أن الأحاديث التي تدل على ذلك تحتمل التأويل.
المقطع يطرح سؤالا حول جواز بيع بضاعة لرجل يتعامل بالربا، ويشير إلى أن المال الذي يدخل على البائع حلال بينما قد يكون مصدره للشاري حرام. يثير المقطع تساؤلا حول مشروعية البيع في مثل هذه الحالة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": فصل في خطاب الأشجار والأحجار والحيوان وانقيادها له صلى الله عليه وسلم. يعني من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام أن الأشجار والأحجار والحيوان إن قاد كل منها للنبي عليه الصلاة والسلام بوقائع كثيرة شهد عليها شهود كثر، يستحيل مع هذا تواطؤهم على الكذب، وكلها تؤيد صدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. فإن مثل ذلك لا يكون إلا لمعنى عظيم، وهو تصديق ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثني عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: وحدثنا محمد، قال: حدثنا مسعر، عن معبد بن عبد الرحمن، قال: سمعت أبي، قال: سألت مسروقًا: من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك -يعني عبد الله- أنه آذنت بهم شجرة -يعني أخبرته شجرة-. قال مسلم رحمه الله: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" -يعني يجد منه التسليم-. واختلف أهل العلم في هذا التسليم، قيل: صوتًا، وقيل: حركة، وقيل: غير ذلك. وعلى كل الأحوال فهو شيء خارج عن العادة، وهذا مع غيره مما مر وسيأتي يدل على أن ذلك لشيء عظيم، وهو تصديق نبوته ورسالة عليه الصلاة والسلام. قال ابن ماجة رحمه الله: حدثنا محمد بن طريف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، قال: جاء جبريل عليه السلام ذات يوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزين، قد خضب بالدماء، قد ضربه بعض أهل مكة، فقال: ما لك؟ فقال: فعل بي هؤلاء وفعلوا. قال: أتحب أن أريك آية؟ قال: نعم أرني. فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، قال: أدعو تلك الشجرة. فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، قال: قل لها فلترجع. فقال لها فرجعت حتى عادت إلى مكانها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حسبي". قال المعلق في الزوائد: هذا إسناد صحيح إن كان أبو سفيان -وهو طلحة بن نافع- سمع من أنس. قال أبو عبد الرحمن: هو عندنا في الشواهد. قال الإمام عبد الله بن عبد الرحمن -وهو الدارمي- رحمه الله تعالى: أخبرنا محمد بن طريف، قال: حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا أبو حيان، قال: ويحيى بن سعيد التيمي، قال: عن عطاء، قال: وهو ابن أبي رباح، ويحتمل أنه ابن يسار، قال: ولم أجد لأبي حيان رواية عنهما كما في تهذيب الكمال -يعني احتمال أنه لم يسمع من عطاء أي أبو حيان- قال: عن ابن عمر، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا منه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين تريد؟" قال: إلى أهلي. قال: "هل لك في خير؟" قال: وما هو؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله". قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: "هذه السلمة". فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خدا -يعني تشقه- حتى قامت بين يديه. والسلمة يعني شجر السلم. قال: فاستشهدها ثلاثًا، فشهدت ثلاثًا أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها إلى موضع مكانها، ورجع الأعرابي إلى قومه، وقال: إن اتبعوني أتيتك بهم -يعني قومه- وإلا رجعت مكثت معك. قال: هذا حديث معل، ذكره ابن أبي حاتم في العلل، وقال: إن أباه قال: أنا أنكر هذا، لأن أبا حيان لم يسمع من عطاء ولم يرو عنه، وليس هذا الحديث من حديث عطاء. انتهى المراد منه، وهو يريد أن هذه في الشواهد -يعني لتثبت معنى عام- وهو ليس عين القصة، ولكن وجود مؤيدات تدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي ضبيان، عن ابن عباس، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من بني عامر، فقال: يا رسول الله، أرني الخاتم الذي بين كتفيك، فإني من أطب الناس. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أريك آية؟" قال: بلى. قال: فنظر إلى نخلة، فقال: أدعو ذلك العذق. قال: فدعاه، فجاء ينقر حتى قام بين يديه -يعني يقفز-. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارجع". فرجع إلى مكانه. فقال العامري: يا آل بني عامر، ما رأيتك اليوم رجلا أسحر. ظنه سحر. قال: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. وقد كتبته مع حديث الخاتم لمناسبته هناك -يعني خاتم النبوة-. أورد شيخنا رحمه الله هذه الأحاديث كما ترون، وهي بين صحيح وبين ما هو حسن، وما يصلح للتحسين إن وجدت له شواهد، فيكون هذا كله يثبت ما دل من دلائل نبوته من خطاب الأشجار والأحجار والحيوان وانقيادها للنبي عليه الصلاة والسلام. ولم يذكر مثالا للحيوان، وسيأتي إن شاء الله في الفصل الذي بعده في قصة بحديث ابن مسعود، ودر ضرع الشاة التي لم ينزها فحل. وكما يعرف أهل الخبرة: الشاة التي لم ينز عليها فحل لا يمكن أن يكون لها لبن، ومع ذلك در لبن تلك الشاة، وهذا من انقياد الحيوان له عليه الصلاة والسلام. وهكذا ذاك الجمل الذي هو للأنصاري وقد اشتكى من شدة ما يكلف من العمل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما أخبر به الجمل، وخضع هذا الجمل وذل للنبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك أشياء كثيرة سيأتي بعضها إن شاء الله، كلها تدل على ذلك. وإن قال قائل: كيف أورد الشيخ هذه الأحاديث التي فيها ضعف، وشرط الشيخ أن يخرج الصحيح؟ فالجواب: هذا ليس من أصل كتابه، ولكنه كما يورد البخاري رحمه الله في صحيحه بعضه في الشواهد كبعض المعلقات أو روايات بعض من ليس على شرطه، فهذا مثله. وعند العلماء نوع من الحديث المتواتر يسمى المتواتر المعنوي. فما هو هذا المتواتر المعنوي؟ ما تواتر معناه وإن لم يتواتر لفظه، مثل حديث "المسح على الخفين"، حديث "المسح على الخفين" ربما يكون فيها لفظ "المسح" والشفاعة فيها لفظ "الشفاعة"، حصول عين الشفاعة. كيف يعني يريد يقول: بعض الحديث الشفاعة متواتر لفظي، وبعضه معنوي -يعني إثبات معنى الشفاعة-. وأحسن من هذا مثلا أن يقال: مثلا رفع اليدين في الدعاء، فهو من جهة المعنى ثابت، لكن هذا مثلا في الصلاة، وهذا خارج الصلاة، وهذا في الغزو، وهذا في صلاة الاستسقاء، فكله يدل على ذلك. فالمتواتر المعنوي ما معنى ثابت بأحاديث كثيرة. فمثل هذا قد يستأنس به بما لم يشتد ضعفه، وهذا من هذا الباب، الله أعلم. ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل الصدقة، واستدلوا بما جاء عن جابر رضي الله عنه: "تصدقنا، فإن كنا أكثر حطب جهنم" إلى قوله: "يلقين في ثوب بلال من قراطهن وخاتمهن". استدل به بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل الصدقة. أين أنه أكل الصدقة؟ النبي عليه الصلاة والسلام جمع الصدقة، ولكن لم يأكلها، أمر بجمعها ولم يأكلها عليه الصلاة والسلام. لو أحد يريد يستدل ممكن يستدل بما أهدي لبريرة وهو صدقة، ثم قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "هل عندكم من طعام؟" قالت: لا، إلا شيء تصدق به على بريرة. وكانت بريرة أما أعتقتها عائشة رضي الله تعالى عنها فصارت تخدم عائشة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "هو لها صدقة ولنا هدية" -يعني من بريرة لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هدية-. وهذا أجاب عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو وإن كان أصله صدقة، لكن الصدقة إذا تحولت إلى غير المتصدق عليه وخرجت بنية الهدية فهو هدية، فهو هدية ولا يعد ذلك محرمًا. ولهذا قال بعض أهل العلم في هذا الحديث دليل على أن المال الحرام إذا دخل على غير من أدخله حرامًا حلالا صار حلالا. مثلًا رجل يتعامل بالربا وما تدري أين ماله الحلال وأين ماله الحرام، يأتي فيشتري منك بضاعة، يجوز أن تبيع له أم لا يجوز؟ والمال دخل عليك بماذا؟ بحلال، دخل عليك بحلال وهو دخل عليه بحرام.