الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 47، الدرس السابع والأربعون:من( إخباره صلى الله عليه وسلم عن أمور مغيبة فوقعت كما أخبر ... أن النبي صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعاً تابعه عبدالصمد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع الأول حادثة إخبار النبي بوفاة النجاشي في نفس اليوم الذي مات فيه كدليل على نبوته. روى عدة روايات من صحيح البخاري عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله في صلاة النبي على النجاشي.
ناقش المقطع الثاني دلائل النبوة من خلال إخبار النبي عن أمور غيبية مثل موت النجاشي، واستعرض مسائل فقهية متعلقة بالصلاة على الغائب والشهداء، وبين عدم الصلاة على الشهداء.
استعرض المقطع الثالث مسائل فقهية مستفادة من الحديث مثل حكم الإعلان عن الوفاة في المساجد واستحباب الصفوف الثلاثة في الصلاة على الجنازة وجواز التكبير أكثر من أربع مرات.
ناقش المقطع الرابع مسألة اشتراط السترة في الصلاة على الجنازة، واستدل بظاهر العموم على ضرورة وجود سترة للإمام، معتبرا النعش كفيلا بالسترة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال: إخباره صلى الله عليه وسلم عن أمور مغيبة فوقعت كما أخبر. قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك عن ابن الشهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نجاشي في اليوم الذي مات فيه خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعًا. وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب، عن سعيد المسيب، أبي سلمة: أنه ما حدثاه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نعى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي صاحب الحبشة يوم الذي مات فيه، فقال: استغفروا لأخيكم. وعن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم صف بهم بالمصلى فكبر عليه أربعًا. وقال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو الربيع، قال: حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي: مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمه. قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الأعلى، قال: ابن حماد، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا قتادة: أن عطاء حدثهم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي، قال: فصفنا وراءه، فكنت في الصف الثاني أو الثالث. قال البخاري رحمه الله: حدثني عبد الله بن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون عن سليم بن حيان، قال: حدثنا سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعًا. تابعه عبد الصمد. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث برواياته من حديث أبي هريرة وجابر رضي الله تعالى عنهما في قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي والإخبار بموته. والشاهد منه أنه أخبر بأمر من الغيب، فالنجاشي في الحبشة في أرض الحبشة، والنبي عليه الصلاة والسلام بالمدينة، ومع ذلك أخبرهم أنه مات اليوم، يعني في نفس اليوم الذي مات فيه كما جاء في رواية جابر بن عبد الله: «مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم». وهذا إن دل على شيء، دل على أنه عليه الصلاة والسلام يوحى إليه، فهو من دلائل صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. فالإخبار عن هذا الأمر الغيبي يقع بمثل ما أخبر، ويتكرر ذلك، فإنه لو كان كاذبًا -وحاشاه عليه الصلاة والسلام- لأخلف خبره ولو مرة، لأخلف خبره ولو مرة، ولكنه عليه الصلاة والسلام لا يخبر بأمر غيبي مما مضى أو مما حضر في زمانه أو مما سيأتي إلا وكل تلك الأخبار يأتي ما يدل على صدقها وبرهان حقيقتها، فذلك إن دل على شيء، دل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. ولهذا بوّب الشيخنا فقال: «ومن دلائل النبوة إخباره صلى الله عليه وسلم عن أمور مغيبة فوقعت كما أخبر». وهذا منه، فقد أخبر بموت النجاشي في نفس اليوم الذي مات فيه، ولم يخلف خبره عليه الصلاة والسلام، ما أحد أتى، وما أكثر أعداء المسلمين في ذاك الزمان، ما أحد أتى فقال: أخطأتم، بل مات قبل هذا بيوم أو بعده بيوم، ولا قال أحد: إنه لم يمت، بل وقع الخبر على مثل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى برواياته، من هذه المسائل: جواز الصلاة على الغائب، فيه جواز الصلاة على الغائب الذي لم يصل عليه. وأما إذا صلي عليه فإنه لا يصلى عليه، فإن الغائب لا يصلى عليه إذا قد صلي عليه. وقد مات أناس بمكة وهو عليه الصلاة والسلام بالمدينة، وما ثبت أنه صلى على أحد، ومات أناس كذلك خارج المدينة من المقاتلين والمجاهدين، ولم يثبت أنه صلى على أحد منهم. وهنا تأتي مسألة أخرى، وهي: الشهيد الذي يموت في أرض المعركة، هل يصلى عليه؟ اختلف أهل العلم لاختلاف الروايات عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك. والصحيح: أن آخر أمر النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يصلي على الشهداء، أنه لا يصلي على الشهداء. فإذا كان كذلك، فما يفعله بعض الناس اليوم من إعلان صلاة الغائب على الشهداء، خصوصًا بعد الجمعة، ليس من السنة في شيء، من وجهين: الوجه الأول: أن أكثر هؤلاء قد صلي عليهم، ومن صلي عليه لا تعاد الصلاة عليه في مكان آخر. وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على بعضهم، فهذا إذا حضر الجنازة، ليس إذا كان غائبًا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على بعض، واستدل به بعض أهل العلم على جواز تكرار صلاة الجنازة، ولو تطوعًا، لكن بشرط إذا حضرت. وأما إذا كانت غائبة، فلم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يكرر ذلك. والوجه الثاني: أنهم شهداء، والشهداء لا يصلى عليهم. وفي الحديث كذلك من المسائل: بيان النعي الذي جاز، وليس هناك نعي جائز على المعنى الذي كان في الجاهلية، وإنما المراد بالنعي في هذا الحديث هو الإخبار بالوفاة. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوفاة النجاشي. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن النعي، وهو إعلان الوفاة على طريقة أهل الجاهلية، ينادي المنادي: «مات اليوم فلان ابن فلان» في أماكن اجتماع الناس، في الأسواق، أو كذلك في الجرائد بمعناها اليوم، أو بوسائل الإعلام الأخرى، مسموعة، مطروعة، مرئية، فهذا يدخل في معنى النعي الذي فيه فخر الجاهلية، وفيه كذلك ما فيه مما ينافي أدب الإسلام مع الجنائز. وهل منه فعل بعض الناس في المساجد أنهم يخبرون بموت الميت ليصلى عليه، فينشرون الخبر في المساجد بأوراق توزع؟ بعض أهل العلم يقول: يدخل فيه، وبعضهم يرخص فيه من باب الإعانة على الخير. ولا شك أن الخير إذا تم بغير هذا، فالأحوط تركه. وفي الحقيقة يتم بغير هذا الإعلان، ممكن أن يتم بالخير والتعاون عليه والدعوة إليه بالوسائل الأخرى، صلات هاتفية، إرسال الرسول، أو غير ذلك. ولهذا صار الغالب أن هذا شبيه بالعبث، يعني توزع أوراق لكل المساجد، فيه كلفة على الناس ومشقة، وربما كذلك بذل أموال لإرسال الرسل جميعًا إلى كل الجهات، وبعضها لا حاجة لأن الناس ما يأتون من كل المساجد، إنما الذي يأتي في الغالب هم من يعرف الميت. فأيهما فيه مشقة؟ توزيع الأوراق لكل المساجد، أم إخبار من يعرف الميت؟ الثاني أسهل، والأول فيه مشقة، بل بعض الناس لا يصلح لا في الشرع ولا في العرف، ولا فيما كذلك هو من الأدب أن ترسل خبر الوفاة في مسجده، إذا كان للميت ابن عم أو أخ، هل يصح أن تقول: نحن أرسلنا لك الخبر، لماذا لم تحضر؟ أرسلنا لك الخبر عند إمام المسجد، يكفي هذا؟ ما يكفي، سيقول: لماذا ما عندكم رقمي تتصلون عليه وتقولون لي أن ابن عم مات حتى أحضر فصلي عليه؟ ترسلون لي مع إمام المسجد يعلن، أنا ما أدري، ذاك اليوم مشيت مستعجل، جئت متأخر، ما صليت في المسجد، فهو ليس بشيء، لا من جهة الواقع، ولا من جهة كذلك المقصود الذي يقصد به. فالأحوط لهذا ولغيره ترك هذا المعنى، خصوصًا وأن بعضهم توسع كما يفعل بعضهم في بعض المساجد القريبة، في بعض المدن القريبة، يعلنون من على المنائر، من على المنائر، ربما في وسط النهار، وهذا في الحقيقة الشبيه بفعل أهل الجاهلية: «توفي اليوم فلان ابن فلان»، وربما قبله أذكار، وبعده أذكار على طريقة المتصوفة، والصلاة عليه في مسجد كذا وكذا، وربما إذا كان واحد من الحبايب زادوا هذا النعي بشيء من المحاسن على طريقة أهل الجاهلية. وفي الحديث كذلك من المسائل: استحباب الصف ثلاثة صفوف في الصلاة على الجنازة، وقد صح هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، ومنها هذا الحديث، فإنه صفهم ثلاثة صفوف. وكان هذا هديه عليه الصلاة والسلام في الصلاة على الجنائز، فيستحب ولو كان العدد قليلًا، إذا كان يستطاع أن يصف ثلاثة صفوف، أن تصف صفوف الجنائز ثلاثة صفوف، ولو كانوا في الفضاء، حتى ولو كانوا في الفضاء، مثل ما صلى النبي عليه الصلاة والسلام هنا، لم يصل في المسجد، وإنما خرج إلى المصلى، خرج إلى المصلى، ومع ذلك صفه ثلاثة صفوف، يعني ليس شرط ثلاثة، ولكن ثلاثة فأكثر. وفيه من المسائل كذلك: جواز التكبير أربعًا في الصلاة على الجنازة، وجاء في بعض الروايات أكثر من ذلك. وقد ذكر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في «أحكام الجنائز» صور التكبير على الجنازة، صور التكبير على الجنازة أربعًا وخمسًا وأكثر من ذلك إلى تسع تكبيرات، كلها صحيحة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبعضهم خص الزيادة فيما إذا كان المصلى عليه ذو شأن، وأخذوا ببعض روايات هذا الحديث في قصة الصلاة على النجاشي. وذهب بعضهم إلى أن هذا عام فيما إذا كان ذلك في بعض الأحيان، يجوز أن يصلي فيكبر أكثر من المعتاد. هذا خلاصة ما يذكر في الحديث، به نكتفي، والله تعالى أعلم. يقول: هل يشترط في الصلاة على الجنازة السترة للإمام أو يكفي النعش؟ ظاهر العموم: الحديث يحتاج إلى سترة، يحتاج إلى سترة، والله تعالى أعلم.