الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 56، الدرس السادس والخمسون:من( قال الإمام أحمد رحمه الله:حدثنا أسود بن عامر ... إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع الأول حديثًا يدل على صدق نبوّة الرسول، حيث أخبر النبي عن رجل من أهل فارس بقتل كسرى، وتناول معاني الحديث ودلالاته. كما تطرق إلى جواز تسمية المخلوق ربًا في سياقات معينة.
يناقش المقطع الثاني حديث النبي حول تولية المرأة للولايات، ويبين أن الإسلام أعطى المرأة حقوقها على الوجه الأكمل، وأن تولية المرأة قد يحصل فيها نجاح نسبي لكن ليس بالأكمل مقارنة بالرجل.
يُناقش المقطع الثالث والرابع مفهوم العدل والمساواة للمرأة في الإسلام، ويُظهر أن المرأة معززة ومكرمة ومصونة، وأن التسوية الكاملة بين الرجل والمرأة تُخالف الشرع والعقل والفطرة، كما يُصحح الفكرة الخاطئة بأن المرأة مهضومة في الإسلام.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا أسود بن عامر، قال: حدثنا حمد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن رجلا من أهل فارس أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ربي تبارك وتعالى قد قتل ربك -يعني كسرى-، قال: وقيل له -يعني للنبي صلى الله عليه وسلم- إنه قد استخلف ابنته، قال: فقال: «لا يفلح قوم تملكهم امرأة». قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، والحسن قد صرح بسماعي من أبي بكرة في صحيح البخاري في حديث: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين». أورد شيخنا، رحمه الله تعالى، هذا الحديث في سياق ذكره لأمور الغيبية التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ووجه الشاهد منه إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كسرى، مع أنه عليه الصلاة والسلام في المدينة، وكسرى في بلاد فارس، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأمر غيبي، فوقع بمثل ما أخبر. وهذا قليل من كثير مر معنا شيء من نظائره مما يدل على صدق رسالته ونبوته عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى من مسائله: كذلك جواز تسمية المخلوق ربًا على أحد معنيين اثنين. أحدها: بمعنى المالك، ولو كان ملكًا خاصًا، ومنه رب هذه الدار، ورب الدابة. ومع ذلك فتركه لا شك أفضل وأحوط. والثاني: أن يذكر على وجه الحكاية، خصوصًا إذا كان في سياق ذكر ما يدل على منقصته في وصف الربوبية، مثل هذا السياق -يعني لو كان هو ربًا حقيقيًا ما قتل- فلهذا قال: «إن ربي تبارك وتعالى قد قتل ربك». وهذا معناه أن رب هذا الرجل من أهل فارس ليس برب حقيقي. وهذا المعنى الثاني في هذا السياق لعله أقرب. وعلى هذا، ما أتى في بعض نصوص كتب أهل الكتاب من تسمية بعض الأنبياء ربًا أو أبًا أو نحو ذلك، فهو من هذا الباب -يعني من الباب الأول-. وفيه من المسائل كذلك تحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفلح قوم تملكهم امرأة»، وفي رواية: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وهو حق وصدق نؤمن به ونقر، ولا ينافي ذلك كون بعض النساء يتولون بعض الولايات، فيكون لهم بعض النجاح. فذاك نجاح نسبي، وهو مع ذلك لو قدر وفحص وحقق، لو يجد أن تولية الرجل في مثل هذا المقام لا شك هو الأكمل والأفضل. لأن بعض الناس ربما يجادل بولايات بعض النساء، فيسمون نساء قديمًا وحديثًا، وشرقًا وغربًا، تولوا أمورًا، فظنوا أنهن قد نجحن. وليس الأمر كذلك. أولًا: لأن النجاح ليس هو بالدنيا، وإنما هو بالدين، وإلا فالكافر قد يكون عنده من الدنيا ما عنده، ولكن ليس هذا هو مقتضى الفلاح. والأمر الثاني: أن هذا أمر نسبي. لكن بالجملة: «لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة». ولو قد يحصل فهو على وجه الامتحان والابتلاء، كما أن الله ناصر المؤمنين على الكافرين، وقد يحصل أن بعض الكفار يكون لهم الغلب على المسلمين أو المؤمنين امتحانًا وابتلاء، ويكون فيه كذلك معنى خاص لله عز وجل حكمة فيه. وإلا فالأصل هو هذا: «لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة»، لما يحتف بالمرأة من معاني الضعف، وتجتمع عليها المطامع، وغير ذلك مما يكون سببًا لفساد هذه الولاية. ولا يعرف التاريخ ولاية فيها ولاية امرأة إلا واحتف بها ما يحتف من معاني النقص وعدم الفلاح، ما يدركه العقلاء والعارفون. وإن كان بعض من لا معرفة عنده أو جهل -يعني بحقيقة حال تلك القضية- قد يقول قولًا يظن أن معناه حصول الفلاح، وليس الأمر كذلك. وأخيرًا، فيه من المسائل كذلك إرشاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعليمه أمته إلى ما ينبغي من عدم التشبه بالكفار، فلا يجوز التشبه بالكفار عمومًا، وفي هذه القضية خصوصًا. وهذا كثير في نصوص السنة عنه عليه الصلاة والسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن نتشبه بالكفار، وأن نأخذ بطريقتهم، ومن طريقتهم تولية النساء المسئوليات. وأما الإسلام فقد أعطى المرأة حقوقها على أكمل وجوهها، وهذا هو العدل، وضع الشيء في موضعه. وليس العدل مساواة المرأة للرجل. ومن ظن أن هذا العدل فقد ظلم المرأة؛ لأن المرأة خلقت بخلقة ليست كالرجل. ومن أراد أن يسوي بين المرأة والرجل فقد خالف الشرع والحس والعقل والفطرة. فالمرأة ليست رجلًا كما قال الله عز وجل، وليست ذكرًا كالأنثى، شيء ما يجحده إلا مكابر. وإلا فإذن من المساواة ألا تحمل المرأة أو يحمل الرجل، واحد من الاثنين إما أن يجعل الرجل يحمل وإما أن يجعل المرأة لا تحمل. وبهذا يكون مخاصمة هؤلاء، وبنظائر له كثيرة. وكم يرى العاقل فضلًا عن المسلم المؤمن كيف أن المرأة ممتهنة في بلاد الكفار، وهم زعموا أنهم قد أعطوها حقوقها، وهي ممتهنة غاية الامتهان، ممتهنة فأصبحت سلعة رخيصة يصل إليها كل مفسد. ولهذا تجدها من أعظم ما يتجر به في بلاد الكافرين، ثم بعد ذلك لا تسأل كيف تعاني المرأة، ولا تحفظ كيف تعيش معاناة عظيمة حين تؤمر بالخروج لتكتسب الرزق، ولا تسأل عن امرأة ضعيفة هي محل مطامع الرجال، ولا يستوي الرجال في الإنصاف والعدل والرحمة والشفقة، وكذلك عدم الاعتداء وغير ذلك من المعاني الأخرى. فعند ذلك تكون محل فساد عظيم في المجتمع، مع ما فيه كذلك من إضاعة لأنوثتها، وكذلك حصول الفساد كذلك لما ينافي فطرتها. ربما تجد امرأة تعمل في محل تغيير الزيوت؟ هل بالله عليكم مثل هذا إنصاف لهذه المرأة؟ هذا جور مع المرأة، امرأة بأنوثتها تعمل في محل تغيير الزيوت. وقد رأيت مثل هذا في اندونيسيا، ويوجد أشد منه امرأة تعمل في الأسفلت تضرب الكمبريشن، تعرفون هذا الذي يقطع به الأسفلت، الواحد منه ما يستطيع يمسكه. وقد رأيت في الصين مثل هذا، امرأة تدق الأسفلت بالكمبريشن لأجل أن تأكل، ومن لا يعمل لا يأكل هكذا عندهم، من لا يعمل لا يأكل. وهل هذا من الإنصاف للمرأة؟ هذا من الجور والظلم للمرأة. لكن انظر إلى المرأة في بلاد الإسلام معززة مكرمة، هي أم وهي أخت وهي بنت ومكرمة ومصونة كما تصان الجواهر، ومع ذلك هي تخوض فيما تخوض فيه أو فيما يخوض فيه الرجل من المنافع، إن كان العلم فهي تتعلم، وإن كان كذلك المهنة في حدود ما يحتاج إليه منها كذلك ممكن تكون طبيبة خاصة بالنساء بغير اختلاط ولا شيء من ذلك، وممكن تكون مدرسة للبنات وهكذا مما هو من خصائص النساء، فينتفع بها المجتمع وتنفع المجتمع ونفسها، وفي نفس الوقت هي مصونة. فأخطأ وظلم ظلمًا عظيمًا من ظن أن المرأة مهضومة في بلاد الإسلام، بل على العكس هي مظلومة غاية الظلم في بلاد الكفر، ومن يتشبه بهم. إلى هنا والله تعالى أعلم.