الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 69، الدرس التاسع والستون:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا محمد بن مسكين أبو الحسن حدثنا يحيى ... قال شريك بن عبدالله قال سعيد بن المسيب فأولتها قبورهم أخرجه مسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي أبو موسى الأشعري قصة لقائه بالنبي وأبو بكر وعمر وعثمان عند بئر أريس وبشارتهم بالجنة. جاء كل منهم وجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم.
يشرح المقطع دلائل نبوءة النبي للصحابة الثلاثة ويبرز فضلهم ومكانتهم عنده. يشير إلى أهمية صحبة النبي وملازمته.
يتناول شروط تأويل الرؤى ويبرز أهمية العلم الموروث وملازمة أهل المعرفة. كما يشير إلى فضل الصحابة في ذلك.
يؤكد على أهمية الجمع بين العمل بالأسباب الحسية والشرعية والدعاء مع التوكل على الله لتحقيق المقصود. يجب عدم الاكتفاء بواحدة دون الأخرى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن قبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن مسكين أبو الحسن، قال: حدثنا يحيى بن حسان، قال: حدثنا سليمان، عن شريك بن أنجي نمر، عن سعيد بن المسيب، قال: أخبرني أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه، أنه توضأ في بيته، ثم خرج، فقلت: لألزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأكونن معه يومي هذا. قال: فجاء المسجد، فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: خرج، وجهه ها هنا -يعني إلى هذا الاتجاه-، قال: فخرجت على إثره، أسأل عنه، حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب، وبابها من جريد -يعني جريد النخل-، قال: حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته، فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس، وتوسط قفها -يعني فوهتها-، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، فسلمت عليه، ثم انصرفته، فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء أبو بكر، فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك -يعني انتظر-، ثم ذهبت، فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن، فقال: «أذن له، وبشره بالجنة». فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في القف، ودلا رجليه في البئر، كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم، وكشف عن ساقيه. ثم رجعت، فجلست، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا -يريد أخاه- يأتي به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلمت عليه، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال: «أذن له، وبشره بالجنة». فجئت، فقلت: أدخل، وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، فدخل، فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القف عن يساره، ودل رجليه في البئر. ثم رجعت، فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا يأتي به -يريد أخاه الذي يتوضأ في البيت-، فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: «أذن له، وبشره بالجنة على بلوى تصيبه». فجئته، فقلت له: ادخل، وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبه، فدخل، فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاهه من الشق الآخر -يعني مقابله من الجنب الآخر-. قال شريك بن عبد الله: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم. أخرجه مسلم. معناه: فسرت هذا الحدث بقبور من دخل، أو من وسعهم القف -أي فوهة البئر-، وهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، فقد دفنا -أي أبو بكر وعمر- بجانب النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في سياق ذكره للأدلة على دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الفصل: أن من دلائل النبوة إخباره عن جماعة أنهم من أهل الجنة، فما نقل عنهم أنهم غيروا أو بدلوا -أي توفاهم الله وهم على الخير الذي كانوا عليه مع النبي عليه الصلاة والسلام-. والشاهد في هذا الحديث ظاهر، وهو بشارة النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة لكل من أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم. وفي هذا الحديث كذلك مسائل أخرى، فمن هذه المسائل: فضل هؤلاء الصحابة الثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم، فإنهم كانوا من خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث دليل من أدلة كثيرة تدل على هذا المعنى، وأيضًا في صحيح البخاري وغيره، عن ابن عمر: أنهم كانوا يفضلون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفضلون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فهؤلاء الثلاثة كانوا أفضل الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ويدل ذلك كذلك على أنهم خاصة صحابته، فهم الذين يلازمونه عليه الصلاة والسلام في خواص مجالسه، فليس هم فقط من صحابته، بل هم من خاصة الصحابة. وهذا يدل كذلك على فضلهم، فإن خصوصية الصحبة وكثرة الملازمة من معاني المحبة والخلة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كنتم اتخذتم خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن» -أي أنه اتخذ الله عز وجل خليلًا-، ومعناه: أن قلبه فيه حب كثير لأبي بكر، ولولا أن قلبه متفرغ في الحب لله عز وجل لكان من الناس أولى الحب أبو بكر، ولكن كان ذلك كله لله عز وجل. وهذا من خصائص الأنبياء، حتى لا يقل قائل: هل هذا لكل أحد؟ الجواب: هذا من خصائص الأنبياء، أي أن يكون العبد خليل الرحمن. وهكذا كذلك فيه من المسائل معنى من معاني تفسير الرؤى أو الأحداث، فإن الصحابة والسلف الأمة من التابعين ومن بعدهم كانوا يتأولون بعض الأحداث الحاضرة أو في الرؤى بما يكون فيه تأويل بعض ما يقع في المستقبل. وليس هذا من التخرص بالغيب، ولكن له أصل دلت عليه دلة الكتاب والسنة، وهذا كذلك عمل السلف يدل عليه، وليس كل أحد يحسنه، ولذلك لا ينبغي لمن لا يحسنه أن يخوض فيه، بل جاءت الأدلة الكثيرة والوعيد الشديد بمن خاض في هذا الباب بغير علم؛ لأنه ربما كان سببًا في ترويع مسلم، أو كذلك الحكم على أحد بخير أو غيره، وهو ليس عنده في ذلك علم، وهذا لا يجوز. ومن كان عنده بذلك علم فإنه يجوز له، وعلم ذلك يكون بثلاثة أمور، أولها: كما قال أهل العلم: علم موروث عن الأنبياء -يعني أن يكون عند المؤول معرفة بأدلة الكتاب والسنة وما أثر عن الأنبياء في باب تأويل الرؤى-، حتى تكون عنده ملكة فيلحق الأشياء بنظائرها وأشباهها؛ لأنه علم، وكل علم له قواعد وأصول تقوم عليها أسس هذا العلم. والأمر الثاني كذلك: أن يكون عنده خبرة بمجالسة أهل المعرفة في هذا العلم أو الأخذ عنهم، وهذا مما يقوي ملكة تأويل الرؤى، وبه تعرف أنه ليس كل أحد يصلح لذلك ولا يحسن ذلك. والأمر الثالث: وهو حسن سريرة وفطرة هذا المؤول، ولهذا فالناس يتفاوتون في حسن الفطرة والسريرة، فبقدر ما يجعل الله عز وجل ويقذف في قلبي هذا المفسر يكون عنده توفيق في هذا الباب. ولهذا قال بعضهم: أنه إلهام، وهو في الحقيقة ليس إلهامًا مجردًا، ولكن إلهام مقترن بالأمرين السابقين، فإذا اجتمعت هذه الأمور وكملت، قوي أمر إدراك هذا العلم، والعكس بالعكس. وفيه كذلك من المسائل: ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من حرصهم على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أخذ العلم عنه، وحسن الصحبة، وهذا يدلك على فضلهم والخير الذي نالوه، فمن فضائلهم أنهم لازموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختارهم الله لصحبته، ونزل الوحي وهم معه، وهذه فضيلة تكفي في تميزهم عن غيرهم من الناس، كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في ذكر فضائل الصحابة رضي الله عنهم. وأخيرًا: من المسائل -ونقتصر على هذه المذكورات- فيه كذلك: أن فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء، فليس هو بحذر ولا كذلك بذكاء، بقدر ما يكون من توفيق من الله سبحانه وتعالى، مع ما يكون من العبد من الصدق والإخلاص. فانظر كيف وفق الله عز وجل هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم أرضاهم للاجتماع في هذا الموضع، وأن تكون لهم هذه البشارة معًا، وهذا إن دل على شيء دل على توفيق الله عز وجل لهم، وعلى حرصهم كذلك رضي الله عنهم أرضاهم على الخير. فلذلك الإنسان يحتاج للوصول إلى الخير الديني والدنيوي إلى شيئين: الشيء الأول: دعاء الله سبحانه وتعالى أن يوفقه، وأن يسدده، وأن يهديه، ويصلح له، ويوصله إلى ما يريد من خير الدين والدنيا؛ فالأمر أولًا وآخرًا لله سبحانه وتعالى. والأمر الثاني: أن يأخذ بالأسباب التي أمر بالأخذ بها من أسباب حسية أو شرعية يكون بها الوصول إلى المقصود، فالاعتماد على الأسباب والأخذ بها وحدها لا يكفي، وكذلك الأخذ بالدعاء مع عدم العمل بالسبب لا يكفي، ولابد من الأمرين اثنين: الدعاء، وحسن الاعتماد والتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب. نكتب بهذا القدر وإلى هنا، والله تعالى أعلم.