الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 90، الدرس التسعون:من ( قال مسلم رحمه الله:حدثنا عبيد الله بن معاذ ... قال ابن عباس:والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله.هذا حديث حسن غريب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يروي المقطع قصة تهديد أبي جهل للنبي صلى الله عليه وسلم أثناء صلاته، ونزول الآيات القرآنية في سورة العلق ردًا على تهديداته. الآيات نزلت في أبي جهل وتتحدث عن التهديد الإلهي لمن ينهى عن الصلاة ويتكبر.
يتناول المقطع عصمة الله لنبيه وحمايته من أذى الكافرين، ويبرز دلائل نبوته وصدق رسالته. يظهر ذلك من خلال قصة أبي جهل مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله الآيات القرآنية ليعصم نبيه.
يشرح المقطع حديث النبي عن ابتلاء المؤمنين يوم القيامة وتفسير الآيات التي نزلت في حق الكفار. يوضح معاني بعض الكلمات وتفسير سبب نزول الآيات وعدم وجود إشكال بين الأحاديث المختلفة.
المقطع يوضح الاختلاف في روايات الحديث بين الإمام مسلم وأبي حازم، ويبين احتمال أن تكون الرواية عن أبي هريرة في قصة مختلفة. يشرح أن هناك روايات متعددة للحديث ويفصل في معانيها ومصادرها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقويل بن هاد الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتاب الصحيح المسند من دلائل النبوة: قال مسلم، رحمه الله: حدثنا عبيد الله بن معاذ ومحمد بن عبد الأعلى القيسي، قالا: حدثنا المعتمر عن أبيه -وهو ابن سليمان، أبوه سليمان بن طرخان- قال: حدثني نعيم بن أبي هند. ونعيم بن أبي هند ثقة، رمي بالنصب، قال: عن أبي حازم. وأبو حازم كما مر معنا إذا روى عن أبي هريرة، فهو سلمان الأشجعي، مولى عز الأشجعية، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لو عفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه -يعني ما دروا إلا وهو يهرب وبقوة ويتقي بيديه، أي عن وجهه، كأن شيء يلاحقه أو يخاف منه- قال: فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة -يعني أرى خندقًا من نار وأشياء مخيفة وأجنحة- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا». قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن إلى ربك الرجعى * أرأيت الذي ينهى * عبدًا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرأيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعًا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع ناديه * سندعو الزبانية * كلا لا تطعه﴾، قال: يعني أبا جهل، نزلت الآيات فيه. قال: زاد عبيد الله في حديثه: قال: وأمره بما أمره به. قال: وزاد ابن عبد الأعلى: ﴿فليدع ناديه﴾ يعني قومه، تفسير لهذه اللفظة. وأشار شيخنا، رحمه الله، أن هذا التردد في سبب النزول لا يقدح؛ لأنه جاء من أوجه أخرى. قال: قال الإمام الترمذي، رحمه الله: حدثنا عبد الله بن سعيد الأشج، قال: أخبرنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني -يعني لأتباع كثير في هذه البلدة- فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿فليدع ناديه * سندعو الزبانية﴾، قال ابن عباس: أسوالله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله، قال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وهو يؤيد الرواية التي جاءت في حديث أبي هريرة. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في سياق ذكره لعصمة الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، وهو من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. ووجه الدلالة في الحديث بالروايتين ظاهرة؛ فإن الله عز وجل عصم نبيه أن يؤذيه هذا الكافر أبو جهل، حتى إنه رأى أن شيئًا سيحرقه وأجنحة تضربه، ففر ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، وهذا من حفظ الله لنبيه عليه الصلاة والسلام. وإن دل على شيء، دل على ما أشار إليه الشيخ وقبله من كتب في دلائل النبوة: أن من دلائل نبوته وصدق رسالته عصمة الله عز وجل؛ فالله عصمه من الناس أن يؤذيه أحد أو يتطاول عليه أحد. وفي الحديث مسائل أخرى، من هذه المسائل: سنة الله عز وجل في الكافرين؛ فإن الله عز وجل يذلهم ويخزيهم في الدنيا قبل الآخرة. وفيه من المسائل: سنة الله عز وجل في الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل؛ فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام ابتلي بما ابتلي به، فمن دونه من باب أولى. ولهذا كان من سنة الله عز وجل لأهل الحق الامتحان والابتلاء: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾. وهكذا كذلك ما أخبر الله عز وجل به: أن من سنته في من أنزل عليه الحق وأخذ به أن يبتلى. ولهذا أوصى بالصبر مع نزول القرآن، فقال: ﴿إننا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلًا فاصبر لحكم ربك﴾. قال العلماء: فيه دليل على أن من نزل عليه الحق وحمل الحق المنزل، فإنه لا بد أن يوطن نفسه للصبر لما قد يلاقي من ابتلاء مع أهل الباطل. وكيف لا يوطن صاحب الحق نفسه على ذلك؟ وقد أخبر بأن أكثر من في الأرض هم من أهل الباطل، قال سبحانه: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾، وقال جل وعلا: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يقول الله عز وجل يوم القيامة لآدم: أخرج بعث النار، قال: فيقول: وما بعث النار يا رب؟ قال: فيقال له: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، يخرج هذا العدد في النار، فلا ينج من الألف إلا واحد». فإذا كان كذلك، فكيف لا يوطن صاحب الحق نفسه على الامتحان والابتلاء؟ فهي سنة الله سبحانه وتعالى. وفيه من المسائل كذلك ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله عنهم من صبرهم، ومن إقامتهم لدين الله عز وجل مع ما فيه من ابتلاء. وهكذا كذلك من دون هذه المرتبة من باب أولى أن يوطن نفسه على الصبر، وأن يربي نفسه على الصبر بجميع أنواع الصبر: الصبر على طاعة الله أن يعملها، وعن معصية الله أن يبتعد عنها، وعلى أقدار الله التي قد يبتلى بها. فلم يمنعهم تسلط الكفار وأذى الكفار أن يقوموا بما أمرهم الله عز وجل به من عبادته، فقاموا بعبادة الله مع هذا التسلط. وفيه سبب نزول هذه الآيات التي فيها بيان حال هذا الكافر، وكذلك هي تصح في كل من كان بمعناه؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ما معنى كلمة غير واضحة من صاحب السؤال؟ ما معنى ماذا؟ فزبره: الزبر مأخوذ من معنى الزجر، ومعناه -والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وسلم رد قول هذا الكافر حين قال: «ألم أنهك عن هذا؟» بما يكون به إبعاده عن التسلط عليه؛ فلهذا قال أبو جهل بعد ذلك: «إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني» -يعني كأنه يقول: أنت تعرف أني أقوى منك وعندي أتباع كثير- فيكون معنى زبره: أي رده وصد تسلطه. كيف نجمع بين الحديثين؟ سبب النزول الآيات، أو ما هو الأصح؟ ما في إشكال بين الحديث الأول والثاني؛ لأن الحديث الثاني هو زيادة التفصيل لما وقع، فيكون معناه أنه وقع هذا ووقع هذا. على أن بعض أهل العلم ذكر أنه لا مانع أن يكون النازل واحد والسبب أكثر من واحد؛ يعني تنزل الآيات أكثر من مرة. ولهذا أمثلة مرت معنا في درس الصحيح المسند من أسباب النزول، وذكر له شيخنا في أول الكتاب فصل خاص بهذا. قال: «فأنزل الله»، لا ندري من القائل: «فأنزل الله»، لا ندري من القائل؟ الظاهر أن القائل هو أحد الرواة في السند المتقدم، إما عبيد الله وإما ابن عبد الأعلى -يعني محمد بن عبد الأعلى القيسي- أحدهما، فيكون الشك من أحدهما. لكن بين في الرواية الأخرى، وقد ذكر له -أي الإمام مسلم- روايات لهذا الحديث، فبين هناك مع حديث ابن عباس أن الآيات نزلت في هذا أو في هذه القصة؛ فكأنهم يقولون: لا يدرون أبو حازم روى هذا عن أبي هريرة في نفس القصة، أو شيء بلغه من غير طريق أبي هريرة، ولكن علم بالطرق الأخرى أنه شيء بلغه، أنه شيء رواه أبو هريرة نفسه.