الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 106، الدرس السادس بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب ... فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل قصة مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة في عهد الرسول، ويبرز رؤيا الرسول التي تنبأت بظهوره. كما يشير إلى دلائل نبوءة الرسول في كشف كذب مدعي النبوة.
يفصل هذا الفصل دلائل النبوة في حديثين رواهما الشيخ، حيث تنبأ النبي بظهور مسيلمة والأسود العنسي. كما يستخرج مسائل أخرى من الحديثين مثل إكرام الضيف والحذر من مظنة السوء.
يشرح هذا الفصل تفسير الرؤى في الإسلام، ويبين دلالات لبس الذهب في المنام وتفسير رؤية الأنبياء. كما يشير إلى دلالات الرؤى على أحداث مستقبلية مثل نزول عيسى بن مريم ومقاتلته مع المسلمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبي حسين قال: حدثنا نافع بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته. قال: وقدمها في بشر كثير من قومه -يعني ومعه جماعة من قومه- وتقدم معنا في كتاب السيرة أنه قعد عند رواحل القوم، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم حين أعطاهم بعض العطايا، قيل له: معنا رجل تركناه على رواحلنا، وثم قال ما قال. الحديث قد تقدم معنا، وسيأتي بعضه الآن. قال: فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد -يعني من نخل- حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعد أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريد فيك ما رأيت». قال: فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحى الله إلي في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي، فكان أحدهم العنسي والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة». أخرجه مسلم. وقال البخاري رحمه الله: حدثني إسحاق بن نصر قال: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا نائم أتيت بخزائن الأرض، فوضع في كفي سواران من ذهب، فكبر علي، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابين الذين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة». أخرجه مسلم. أورد شيخنا رحمه الله هذين الحديثين في سياق ذكره لدلائل نبوته وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك كشف كذب من ادعى النبوة بعده. وفي هذين الحديثين بالروايتين بيان هذا المعنى الذي أراد الشيخ رحمه الله أن يشير إليه، وقد ذكره قبله من ألف في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره. وجه الشاهد كون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بمسيلمة الكذاب والأسود العنسي الذين ادعيا النبوة، فظهر كذبهما، فدل ذلك على أنه رسول الله حقًا وصدقًا؛ أولًا: كونه أخبر بهما قبل أن يظهر، وثانيًا: كونه بيّن كذبهما، فظهر للناس كذب هذين الرجلين. ففي الحديث أو الحديثين مجموعة مسائل، من أهمها هذه المسألة التي هي من دلائل نبوته وعلامات صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل كذلك وجوب إكرام الضيف، ومنهم الوفود، ولو كان بعضهم مظنة الشر، فهذا حق مع الحذر منهم. وهذا الذي نراه في قصة قوم مسيلمة الكذاب، جاءوا فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإكرامهم، وكما جاء في بعض الروايات أعطيت لهم العطايا التي تُعطى للوفود تأليفًا، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أظهر لهم ما يخشاه من أمر مسيلمة الكذاب. وفيه كذلك من كان مظنة السوء وعليه قراء السوء، فإنه ينبغي الحذر منه والتحذير منه بغير صريح العبارة. وفي هذا مصالح؛ لأن صريح العبارة ربما يكون مدعاة للخصومة مع عدم وجود البينة. فإن الناس لا تعرفوا إلا ما عرفت، ولو كان المتكلم من كان، فالناس أتباع كل ناعق إلا من رحم الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام أشار إشارة، ولكنه لم يصرح بشيء -يعني للقوم-. وفيه من المسائل كذلك جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض، فقد أخبر خاصة أصحابه بخبر مسيلمة الكذاب والأسود العنسي، ولم يخبر بذلك كل الناس. وفيه من المسائل كذلك بيان أن رؤية الأنبياء حق وصدق، وأن ما رأوه في المنام فهو من وحي الله الذي يوحيه إليهم. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام من غير وجه أنه قال: «رؤية الأنبياء حق». وفيه من المسائل كذلك بيان شيء من أصول تفسير الرؤى وعلمه. فإن العلماء يستفيدون في تفسير الرؤى من أشياء، منها ما هو من الشرع، ومنها ما هو بالتجربة والخبرة والتكرار، ومنها ما هو بالقرائن التي تتعلق بصاحب الرؤية أو ما حوله وحياته. فهذه ثلاثة أمور يكون بها تفسير الرؤى، وليس كل أحد يحسن وضع الشيء في موضعه. فمما يستفاد منه في الشرع -مثلًا- في هذا الحديث أن سوار الذهب بالنسبة للرجل شر وليس بخير، ولهذا قال: «فأهمني شأنهما» -يعني أنه علم أن هذا شر- كونه يرى في المنام أن عليه سوارين من ذهب، ليس هذا مما يليق بالرجال، فهو يحرم على الرجال. فدل هذا -كما قال بعض أهل العلم- أن كل ما يراه الرجل في المنام وهو يحرم على الرجل، فهو من الشر الذي يكون فيه التحذير في الغالب، وليس دائمًا، ولا يقيس الإنسان عليه. فرق بين الأفعال وبين ما يكسى به. فهنا خاصة في الكساء -يعني إذا رؤي الرجل أنه يلبس ثوب حرير- فهو بمعنى لبس الذهب. وفيه من المسائل كذلك أن نفخ مثل ذلك -يعني زواله- فتفسيره أن نفخ زوال ذاك الشر، أنه سيكون شر وسيزول. فإذا رؤي في المنام مثل ذلك، فهذا تفسيره. وهكذا كذلك فيه جواز تفسير الرؤى لمن يحسنه والإخبار به عند المصلحة. فالنبي عليه الصلاة والسلام فسر الرؤية وأخبر بها للمصلحة. وأما قوله: «الذين أنا بينهما» -يعني في جهة المكان لا في جهة الزمان- لأن صاحب صنعاء في الجنوب، وصاحب اليمامة في الشمال، أي: الأسود العنسي في صنعاء، ومسيلمة الكذاب في اليمامة، واليمامة في نجد في الشمال، والمدينة وسط بين اليمن ونجد، وهذا قوله: «الذين أنا بينهما» فأراد بينية المكان. وفيه كذلك من دلائل نبوته كذلك أن الله عز وجل سيفتح على أهل الإسلام حتى يكون لهم خزائن الأرض. فرؤية الأنبياء حق، وقد وقع أوله في عهد خلفائه رضي الله عنهم أرضاهم، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، حتى بلغ ملك المسلمين ما لم تبلغه مملكة في الأرض إلى يومنا هذا. فلا يعرف في تاريخ البشرية دولة توسعت التوسع الذي كان للمسلمين على مدى تاريخ البشرية إلا ما كان للمسلمين. فقد بلغ ملك المسلمين إلى أقصى المشرق شرقًا حتى بلغ ما يسمى بالجزر الهندية، وهي ما تسمى اليوم بإندونيسيا وما حولها، وبلغ ملكهم كذلك إلى الشمال والغرب حتى بلغ أطراف أوروبا، واستوعب أكثر أفريقيا. ولا يعرف في تاريخ البشرية ملكًا كان لدولة من الدول إلا ما كان لأهل الإسلام. وهكذا سيكون في آخر الزمان، فإن الله عز وجل سيجعل العاقبة للمتقين، حتى ينزل المسيح عليه الصلاة والسلام، فيقاتل مع المسلمين، فيكسر الصليب، ويذبح الخنزير، ويقاتل النصارى واليهود ومن معهم، ومنهم المسيح الدجال. فينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، ويقاتل مع المسلمين، وتحت راية أهل الإسلام إمامهم في ذلك المهدي المنتظر الحق الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، اسمه كاسمه. فهذا الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام من دلائل نبوته، وقد وقع أوله، وسيقع كذلك إن شاء الله في آخر الزمان. نكتب بهذا القدر، والله تعالى أعلم.