الدرس الثالث والثلاثون بعد المائة:من( قال البخاري رحمه الله:حدثنا إسحاق حدثنا يعقوب بن إبراهيم ... قال:فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق ).
يُبرز أهمية العلم في إصلاح الأبناء من خلال مثال أسرة عبد الرحمن بن عوف. يُظهر كيف أن طلب العلم هو السبيل لإصلاح الذرية.
يتناول إرسال النبي رسائل إلى الملوك لدعوتهم إلى الإسلام، ويذكر قصة كسرى وتأثير خبر مقتله على إسلام أهل اليمن. يُظهر أهمية الدعوة إلى الإسلام.
يروي قصة كسرى وتمزيق كتاب النبي، ودعاء النبي على كسرى، ويُعد هذا دليلًا على نبوته. يُظهر كيف تحقق ما دعا به النبي على كسرى.
يشرح معنى قول "فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليه" ويبين أهمية مراجعة طرق الحديث. يُظهر الفرق بين الرواية المسندة والمرسلة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابي «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري، رحمه الله تعالى، حدثنا إسحاق، وهو ابن راهويه. والبخاري يروي عن إسحاق بن منصور وإسحاق بن راهويه، لكنه غالبًا إذا أطلق، فهو يريد إسحاق بن راهويه، رحمه الله تعالى. قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، وهو ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي، رحمه الله تعالى. بيت علم تناسل فيه أبناء عن آباء، وفي هذا عظة لكل من أراد أن يصلح ذريته أن يعتني بهم، فكما حرص سلفنا، رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله، فتتابع الذرية بعضها من بعض، وجيل بعد جيل، فكذلك ليس على الله ببعيد لمن صدق مع الله جل وعلا، وحرص أن يصلح الله عز وجل له أبناءه، بل وأبناء أبنائه. فهؤلاء مثال في تتابع الذرية بعضها من بعض، وحرصهم على الخير وملازمتهم له. فهذا الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، تناسل من ذريته من هم من أهل العلم وأهل الفضل، ومنهم يعقوب بن إبراهيم. يعقوب بن إبراهيم، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وله آخر كذلك، هو من أهل العلم، وكلاهما من الثقات المعروفين المشهورين عند أهل العلم. وقد أخرج البخاري ومسلم ليعقوب بن إبراهيم بن سعد، رحمه الله تعالى، وكان مشهورًا برواية الأخبار. قال: حدثنا أبي، وأبوه كذلك من أهل العلم. وانظروا إلى فضل العلم على أهله، لو لم يكن يا طالب العلم من ثمرة العلم إلا أن يصلح الله عز وجل لك ذريتك، لكان هذا أكبر غنيمة، كان هذا أكبر غنيمة تغتنمها في هذه الدنيا وتنتفع بها في الآخرة. كم من الناس من يريد أن يصلح الله عز وجل لهم ذريتهم، وربما بذلوا الوسائل الكثيرة، وما علموا أن أعظم طريق وأسهل طريق أن توجه نفسك وأبنائك إلى طريق العلم، فإن ذلك من أعظم ما يعينك ويعين ذريتك على الاستقامة وعلى الخير. فهذا أب، وهذا ابن، كلهم أهل علم، فإبراهيم بن سعد كذلك أحد الأثبات الذين روى لهم البخاري ومسلم، وهو كذلك مشهور برواية السيرة، فهو من أثبت الناس عن ابن إسحاق في رواية السيرة. قال: عن صالح، وهو ابن كيسان الدوسي المدني، رحمه الله تعالى، كذلك ممن أخرج له في الصحيحين، وهو أحد الثقات الأثبات الفقهاء. قال: عن ابن شهاب، الإمام الجليل صاحب المرويات العظيمة، محمد بن مسلم الزهري بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري. قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، وهو ابن عتبة بن مسعود المسعودي. وقد روى ابن شهاب عن رجلين يقال لهما عبيد الله بن عبد الله، ولكنه إذا أطلق، فالمراد به المسعودي، لأنه روى عن أكثر الصحابة، ومنهم ابن عباس، وهو أحد الثقات الفقهاء الأثبات، كان بحرًا من بحور العلم، رحمه الله. أخرج له في الصحيح، وأسرته أسرة علم، له أخ ثقة كذلك اسمه عتيبة. قال: أن ابن عباس، حبر هذه الأمة، رضي الله عنه أرضاه، برز في العلم حتى أدناه عمر، رضي الله عنه، فأجلسه في مجلس مشورته على صغر سنه، رضي الله عنه أرضاه. قال: أخبره أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه. فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يمزق كل ممزق. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوة نبينا، عليه الصلاة والسلام، ومواضع صدق رسالته، ومن ذلك إجابة دعائه، عليه الصلاة والسلام. ووجه الشاهد من الحديث أنه دعا على كسرى أن يمزق كل ممزق، فمزق الله مملكته، وسيطر عليه ابنه فقتله، وحصل ما حصل من زوال وضعف وتفرق وتمزق مملكة كسرى. فاستجاب الله عز وجل دعاء نبيه، عليه الصلاة والسلام، حتى وقع بكسرى ما وقع، وهذا هو الشاهد. فهذا الحديث علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالته، عليه الصلاة والسلام. وقد أخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، بأشياء كثيرة عن أمر كسرى، ومن ذلك أمر مقتله، قبل أن يعلمه الناس، في قصة الرجلين الذين أتياه من قبل ملك أهل اليمن، وكانا تابعين لكسرى يطلبانه، وأن كسرى أرسل إلى ملكهما أن يأتي بالنبي، صلى الله عليه وسلم. فلما جاءاه أخبرهما النبي، صلى الله عليه وسلم، أن كسرى قد قتل، ليس هناك من ينقل الأخبار، ولا وسائل، ولا شيء، ولكن الله عز وجل أعلمه بذلك. فلما رجعا إلى بلادهما، فبلغهم خبر مقتل كسرى، كان ذلك من أعظم أسباب إسلام أهل اليمن، إذ فيه علم من أعلام نبوته وصدق رسالته، علموا أنه رسول الله حقًا وصدقًا. فمثل ذلك لا يقال بالرأي، ولا يمكن الوصول إليه لبشر، فعلموا أنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأسلموا. وهذا الموضع كذلك دعا على كسرى، فاستجاب الله عز وجل دعاءه. وفي الحديث كذلك ما كان عليه نبينا، عليه الصلاة والسلام، من بعث البعوث وكتابة الرسائل وإرسالها إلى أطراف الأرض في الدعوة إلى دين الإسلام، فإن هذا فيه إقامة الحج على الخلق، وهو كذلك فيه ما يجب على ولي الأمر ممن ولاه الله عز وجل أمر المسلمين من أمر الدعوة إلى دين الإسلام بكل وسيلة يستطيعها. فإن كان يضعف عن أن يقيم الدعوة إلى الإسلام بالسيف والسنان، فإنه يقيم الدعوة بالحجة والبرهان، وإقامتها بالحجة والبرهان هي الأصل، وهو واجب من واجبات أئمة المسلمين وعامتهم أن ينشروا دين الإسلام ويدعوا الناس إليه ويقيموا الحج على الخلق. وهذا لا ينحصر في زمان دون زمان، بل لا يزال هذا الواجب متعلقًا بجميع من ولاه الله عز وجل أمر المسلمين، فقد أمر ربنا جل وعلا رسوله، عليه الصلاة والسلام، والأمر لأمته من بعده. وهكذا كذلك في هذا الحديث شيء من ذكر قصة عبد الله بن حذافة، وهي قصة عظيمة ذكرت في سيرته في رحلته إلى كسرى، وما وقع له، يعني في رحلته بتبليغ رسالة كسرى. وهكذا كذلك في هذه القصة ما كان عليه كذلك صبر الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، في تبليغ هذا الدين، وفي بذل أنفسهم. وبهذا كان لهم الفضل، وهذا قليل من كثير مما بذلوه وقدموه، ليس من السهل أن يذهب الفرد بين أيدي الكفار يبلغ دين الله جل وعلا، وهم الكفار الذين لا يؤمنون، ولا كذلك يظن أنهم يوفون بعهد، لا يؤمنون من غدر، ولا يظن أنهم يوفون بعهد أو ميثاق. فكونهم قدموا أنفسهم وبذلوا هذا يدل على عظيم بذلهم ونصرتهم لدين الله جل وعلا، بل بعضهم ربما قتل، يرسل لتبليغ بعض ما أمر أهل الإسلام بتبليغه فيقتل، فقتله في سبيل الله سبحانه وتعالى. وقوله: «فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليه» معنى: جاء في رواية، وليس هذا من باب التشكيك، ولكن من باب الإشارة إلى الرواية، وهي صيغة من الصيغ التي يقصد بها إثبات العلم. إلى هنا، إن شاء الله. تنبيه: موطن الشاهد من الحديث من مراسيل ابن المسيب، ينظر: أنا ما أعرف أنه من مراسيل المسيب، ينظر هل ابن المسيب كان له رواية لهذا الحديث في طريق آخر أم يرويه مرسلًا، فيراجع إن شاء الله في طرق الحديث.