الصحيح المسند من دلائل النبوة 164

الصحيح المسند من دلائل النبوة 164

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 164، الدرس الرابع والستون بعد المائة:(ومنها قصة أبي ذر وما فيها من العبر ... فقال منذ كم أنت ها هنا؟ قال قلت منذ خمس عشرة وفيه فقال أبو بكر:أتحفني بضافته الليلة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

قصة إسلام أبي ذر الغفاري وبداية تعرفه على النبي

يروي أبو ذر وابن عباس قصة إسلام أبي ذر بعد سماعه عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أرسل أخاه لاستكشاف أمر النبي ثم ذهب بنفسه إلى مكة والتقى بعلي بن أبي طالب الذي دلّه على النبي.

تفاصيل إسلام أبي ذر وتعرضه للضرب من قريش

يصف أبو ذر كيف أسلم سرًا ثم أعلن إسلامه في المسجد الحرام وتعرض للضرب من أهل مكة حتى كاد أن يُقتل، لكن العباس حماه وأوقف العدوان عليه، وكان ماء زمزم كافياً له طوال ثلاثين يوماً ببركة من الله.

دلائل نبوة النبي من قصة أبي ذر وسياق الجاهلية

تظهر قصة إسلام أبي ذر دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وحرص أبي ذر على البحث عن الحق، وتدل على توفيق الله للعباد الذين يبحثون عن الحق، كما تذكر بعض مظاهر الجاهلية مثل ذكر المرأتين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه "الصحيح المسند من دلائل النبوة": قال، ومنها قصة أبي ذر، وما فيها من العبر -يعني من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام-. قال الإمام البخاري، رحمه الله تعالى: حدثنا زيد بن أخزم، وزيد بن أخزم هو النبهاني، كما قلنا، روى له البخاري وغيره، أحد الحفاظ الثقات المشهورين. قال: حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة، وهو الخرساني، روى له في الصحيحين، أو روى له مسلم فقط، روى له البخاري فقط، وهو ثقة، وقيل: صدوق، وعنده بعض الأوهام. قال: حدثني مثنى بن سعيد القصير، وهو الضبعي، ليس منهم، لكنه نزل عندهم، أحد الثقات كذلك، روى له في الصحيحين. قال: حدثني أبو جمرة، وهو نصر بن عمران، كذلك أحد الثقات الأثبات، روى له في الصحيحين. قال: قال لنا ابن عباس: ألا أخبركم بإسلام أبي ذر؟ قال: قلنا: بلى. قال: قال أبو ذر -فابن عباس رضي الله عنه يروي عن أبي ذر-. قال: كنت رجلا من غفار، وهي قبيلة من قبائل العرب المعروفة المشهورة. قال: فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، فقلت لأخي: انطلق إلى هذا الرجل، كلمه، وأتني بخبره. قال: فانطلق، فلقيه، ثم رجع. فقلت: ما عندك؟ فقال: والله لقد رأيت رجلا يأمر بالخير وينهى عن الشر. قال: فقلت له: لم تشفني من الخبر؟ قال: فأخذت جرابا وعصى، ثم أقبلت إلى مكة. وفي حرص أبي ذر رضي الله عنه على الخير، وهكذا كل من فيه خير، فإنه سيحرص على طريق الخير ولو كان في جاهلية. فإن الفطرة إذا صلحت واستقامت، أعين العبد على ذلك بسعيه وجدّه وبحثه عن الحق. وهذا يؤكد قول النبي عليه الصلاة والسلام: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام". قال: فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه. قال: فأخذت جرابا وعصى، ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، أكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد -يعني يبحث عن النبي عليه الصلاة والسلام، يحاول أن يعرفه بصفته، بما يغلب على الظن، وكره أن يسأل خشية أن يلحقه شيء لعلمه ما يفعله قريش بمن اتبع طريقه-. قال: فمر بي علي، فقال: كأن الرجل غريب. قال: قلت: نعم. وفيه تفقد الغرباء، وأنه من شيء أهل الخير، ومن صفاتهم، فإذا كان هذا في عرف أهل الجاهلية، فكيف في الإسلام؟ فإنه من باب أولى. وعلي مسلم رضي الله عنه. قال: قلت: نعم. قال: فانطلق إلى المنزل. قال: فانطلقت معه، لا يسألني عن شيء، ولا أخبره. قال: فلما أصبحت، غدوت إلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحد يخبرني عنه بشيء. قال: فمر بي علي، فقال: أما نال للرجل يعرف منزله بعد؟ قال: قلت: لا. قال: انطلق معي. قال: فقال: ما أمرك، وما أقدمك هذه البلدة؟ قال: قلت له: إن كتمت علي أخبرتك. قال: فإني أفعل. قال: قلت له: بلغنا أنه قد خرج هنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه. فقال له: أما إنك قد رشدت، هذا وجهي إليه، فاتبعني -يعني أنا متجه إليه، فامشي معي-. قال: أدخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك، قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض أنت. وفيه ما كان من تسلط الكفار على المسلمين في مكة، حتى خاف علي رضي الله عنه أن يلحق أبا ذر مكروه. وفيه استعمال الحيلة في الخير. قال: فمضى، ومضيت معه، حتى دخل، ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: اعرض علي الإسلام. فعرضه، فأسلمت مكاني. فقال لي: "يا أبا ذر، أكتم هذا الأمر". ومعناه استحسن الإسلام حين عرضه عليه، فأسلم. وهكذا الفطرة إذا صلحت، وأنصف الإنسان نفسه، لا يرضى عن الإسلام بديلا. قال: فقال لي: "يا أبا ذر، أكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا، فأقبل". ومعنى ظهورنا -يعني أن صرنا نجهر بهذا الدين، ونظهره-، وهي علامة من علامات التوفيق والنصر، لأنهم في مكة في ضعف وتسلط من قبل الأعداء. قال: فقلت: والذي بعثك بالحق، لأصرخن بها بين أظهرهم. فجاء إلى المسجد، وقريش فيه، فقال: "يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". فقالوا: "قوموا إلى هذا الصابئ". فقاموا، فضربت لأموت -يعني ضربوه ضربا شديدا حتى كادوا أن يقتلوه-. وفي هذا شجاعة أبي ذر رضي الله عنه، وجرأته، وشدته في الحق. وهكذا كذلك فيه تسلط الأعداء المشركين على المسلمين، وهذه سنة الله في ابتلاء أهل الإيمان بالكفار. قال: فأدركني العباس، فأكب علي، ثم أقبل عليهم، فقال: "ويلكم، تقتلون رجلا من غفار، ومسجدكم وممركم على غفار". والعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك له معرفة بقبائل العرب، فكان مقامه ذلك رضي الله عنه أرضاه بين أمرين: بين الاستعطاف للنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فإنه واحد من أهل بيته، وقد ناله ما نالهم في يوم أن حاصرهم وقاطعهم أهل مكة -أي المشركون-. وكذلك هذا الأمر الذي ذكره -يعني أن غفار ستنتقم لصاحبهم، فيمنعونكم تجارتكم-. قال: فأقلعوا عني. فلما أن أصبحت الغد، رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس. فقالوا: "قوموا إلى هذا الصابئ". فصنع بي مثل ما صنع بي بالأمس. وأدركني العباس، فأكب علي، وقال مثل مقالته بالأمس. قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر. وفي هذا إشارة إلى ما كان عليه رضي الله عنه أرضاه من قوته وصدعه بالحق. قال مسلم رحمه الله: حدثنا هداب بن خالد الأزدي، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، قال: أخبرنا حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال: قال أبو ذر رضي الله عنه: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون شهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه. قال: فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك، خالف إليهم أنيس. فجاء خالنا، فنثى علينا الذي قيل له -يعني وضعه عليه-. فقلت: أما ما مضى من معروفك، فقد كدرته، ولا جماعة لك فيما بعد -يعني لا نجامعك في مجلس-. قال: فقربنا صرمتنا، فاحتملنا عليها، وتغطى خالنا ثوبه، فجعل يبكي. فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتى الكاهن، فخير أنيسا، فآتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها. قال: وقد صليت -يا ابن أخي- قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة سنين. قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث وجهني ربي، أصلي عشاء، حتى إذا كان من آخر الليل، ألقيت كأني خفاء، حتى تعلوني الشمس. قال: فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة، فاكفني. قال: فانطلق أنيس حتى أتى مكة، فراث علي، ثم جاء. فقلت: ما صنعت؟ فراث علي -يعني تأخر-. قال: لقيت رجلا بمكة على دينك، يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر -يعني أنهم يرمونه بالتهم-. قال: وكان أنيس أحد الشعراء. قال: أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم. ولقد وعت قوله على أقراء الشعر -ومعنى أقراء الشعر أي وزنه وقوافيه-. وفيه أن أوزان الشعر كانت معروفة عند العرب، وإن لم تدون بعلم، لأنهم يتذوقونه تذوقا، ويدركونه معرفة وخبرة. قال: ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعد أنه شعر. وهذا كلام خبير بالشعر، أنه ليس بالشعر ولا كهانة. والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون. وعرف هذا مما سمع، ومما رأى من حاله. وهذه مواضع من مواضع وعلامات دلائل صدق رسالة عليه الصلاة والسلام، كما قال في الحديث الذي قبله: أنه يأمر بالخير وينهى عن الشر، وهذه علامة داع الخير لا غيره. قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر. قال: فأتيت مكة، فتضعفت رجلا منهم، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلي، فقال: الصابئ. فما لقيت من أهل الوادي بكل مدرة وعظم، حتى خررت مغشيا علي -يعني أنه اتهم بتهمة المسلمين، فضربوه-. قال: وفيه تسلط هؤلاء أهل الشرك في ذاك الزمان على ضعفة المسلمين. قال: فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر -يعني من شدة الضرب-. قال: فأتيت زمزم، فغسلت عني الدماء، وشربت من مائها. ولقد لبثت بين أخي ثلاثين بين ليلة ويوم، ما كان إلي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني -ومعناه أنه وجدة في كون ماء زمزم طعام طعم-. قال: وما وجدت على كبدي سخفة جوع -يعني ما شعر بالجوع-، بركة من الله سبحانه. قال: فبينما أهل مكة في ليلة قمراء إضحيانا -يعني في تلك الليلة هم منشغلون-، إذ ضرب على أسمختهم، فما يطير بالبيت أحد، وامرأتان منهم تدعوان إسافا ونائلة. قال: فأتتا علي في طوافهما، فقلت: أنكحا أحدهم الأخرى. قال: فما تناهتا عن قولهما. قال: فأتتا علي، فقلت: هن مثل الخشبة، غير أني لا أكني. قال: فانطلقتا تولولان، وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا. قال: فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وهما هابطان. قال: "ما لكما؟" قالت: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: "ما قال لكما؟" قالت: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم". وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى. فلما قضى صلاته، قال أبو ذر: فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام. قال: فلما قضى صلاته، قال أبو ذر: فكنت أول من حياه بتحية الإسلام. قال: قلت: "السلام عليك يا رسول الله". قال: "وعليك ورحمة الله". ثم قال: "من أنت؟" قال: قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده، فوضع سبابته على جبهته. فقلت في نفسي: كرهت أن انتميت إلى غفار. فذهبت آخذ بيده، فقدعني صاحبه، وكان أعلم به مني. ثم رفع رأسه، ثم قال: "متى كنت هاهنا؟" قال: قلت: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: "فمن كان يطعمك؟" قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني. قال: "وما أجد على كبدي سخفة جوع". قال: "إنها مباركة، إنها طعام طعم". فقال أبو بكر: "يا رسول الله، إذا لي في طعامه الليلة". فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وانطلقت معهما. ففتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. وكان ذلك أول طعام أكلته بها -يعني بمكة-. قال: ثم غبرت ما غبرت، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنه قد وجهت إلي -أو قال: إنه قد وجهت لي- أرض ذات نخل، لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم؟" قال: فأتيت أنيسا، فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال: ما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت. فأتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدقت. فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم. وكان يأمهم -أي ماء بن رحضة الغفاري- يعني شيخ قبيلتهم وسيدهم. قال: وكان سيدهم. وقال: نصفهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أسلموا. قال: فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأسلم نصفهم الباقي. وجاءت أسلم، فقالوا: "يا رسول الله، إخوتنا، نسلم على الذي أسلم عليه". فأسلموا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله". قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أخبرنا النظر بن شميل، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا حميد بن هلال بهذا الإسناد، وزاد بعد قوله: "قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر". قال: "نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا" -ومعنى: يعني بالغوا في العداوة والغلظة له، ولكل من يتبعه-. قال: حدثنا محمد بن المثنى العنزي، قال: حدثني ابن أبي عدي، قال: أنبانا ابن عون، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، قال: قال أبو ذر: "يا ابن أخي، صليت سنتين قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم". قال: قلت: فأين كنت توجه؟ قال: حيث وجهني الله. واقتص الحديث بنحو حديث سليمان بن المغيرة. وقال في الحديث: "فتنافر إلى رجل من الكهان". قال: فلم يزل أخي أنيس يمدحه حتى غلبه. قال: فأخذنا صرمتنا، فضممناها إلى صرمتنا. وقال أيضا في حديثه: قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فطاف بالبيت، وصلى ركعتين خلف المقام. قال: فأتيته، فإني لأول الناس حياه بتحية الإسلام. قال: قلت: "السلام عليك يا رسول الله". قال: "وعليك السلام، من أنت؟". وبحديث أيضا: فقال: "منذ كم أنت هاهنا؟" قال: قلت: "منذ خمس عشرة". وفيه: فقال أبو بكر: "أتحفني بضيافته الليلة". وهذا الحديث، وما قبله، في هذه الروايات التي رواها الإمام مسلم، بيان قصة أبي ذر رضي الله عنه. والشاهد منها الآيات التي تدل على صدق رسالته ونبوة عليه الصلاة والسلام، وذلك بما كان من حاله، وكذلك دعوته، وكذلك القرآن الذي بُعث به عليه الصلاة والسلام. فهذه آيات تدل على أنه رسول الله حقا وصدقا. خصوصا وأن أبا ذر -كما ظهر في روايات حديث مسلم- قد كان يحرص في البحث عن الحق، وأنه لم يرتض دين المشركين في وقته، حتى أنه كان يصلي قبل أن تفرض الصلاة. ولم يذكر كيفية الصلاة، فهو يصلي بما علم. وذلك يحمل أنه علم من أهل الكتاب أن هناك صلاة تصلى لله عز وجل، فصلى. وكل ما جاء من ألفاظ في هذه الأحاديث، أو في هذه الروايات، تخالف رواية البخاري المتقدمة، أو بعض الروايات الأخرى، نبه بعض الحفاظ أن بعض ذلك مما قد يحكم عليه بالشذوذ لتفرد بعض الرواة في هذه الألفاظ، خصوصا ما لم يمكن فيها الجمع. وما أمكن فيه الجمع، فإنه يجمع. ولا مانع أن تكون القصة وقعت مرتين، كان يكون دخل مرة، ثم دخل مرة أخرى. وفي أحد المرتين لم يخبر بحال نفسه، وفي المرة الأخرى أخبر بحال نفسه. فكان من بعض الرواة أن رووا بعض ذلك، فظن بعضهم أن فيه شيء من الخلاف. والله تعالى أعلم. وهذا الحديث -كما ترون- طويل برواياته، وفيه مسائل كثيرة. من أهم هذه المسائل فيما يذكر في هذا المقام ثلاث مسائل: أولها فضل أبي ذر رضي الله عنه أرضاه. وثانيها كذلك توفيق الله عز وجل لكل عبد حرص واجتهد في البحث عن الحق. فمن بحث عن الحق أعانه الله ووفقه. وهكذا هذا مثال من أمثلة كثيرة تدل على أن الكثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم حرصوا على البحث عن الحق، فوفقهم الله. ولو كانوا في غير مبعث نبي ولا رسول، فإنهم إذا اجتهدوا سيوفقهم الله سبحانه وتعالى، لو لم يكن إلا أن يعتزل مجتمعاتهم الجاهلية ويخالفوها. وقصة ورقة بن نوفل، وجماعة ممن كان من أهل الفترة، تؤكد هذا المعنى. والمسألة الثالثة من مسائل هذه الحديث برواياته، ومما يستفاد منه، أو من أهم ما يستفاد منه، مما يذكر في هذا المقام: الحكمة في الدعوة إلى الله، والتدرج في نصرتها والإعلان بها. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره أن يأتي، ولا أن يظهر إسلامه، حتى يظهر وينصره الله عز وجل. فهذا يدل على هذا الأصل، وهو يتضمن تأخير بعض الحق بما تقتضيه المصلحة. فتأخير الحق وإظهاره ليس مما ينافي الشرع إذا كان بالشرع. ومر معنا في دروس سابقة ما ذكره العلماء: أن من العلم ما يكون منع العلم وحفظ العلم إذا كان ذلك أدعى للعمل بالعلم. وغير ذلك مما هو بمعنى هذا كثير في الشرع. وهذا مع ما تقدم من أن الحديث من مواضع دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم. أما ذكر المرأتين، فهذا قليل من كثير من حال أهل الجاهلية، ولا يستبعد معنا ذلك. والله تعالى أعلم.