الصحيح المسند من دلائل النبوة  186

الصحيح المسند من دلائل النبوة 186

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 186، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أثر العلم في تغيير الأخلاق والعقائد

يبرز أهمية العلم الشرعي في تغيير الأخلاق والعقائد نحو الأفضل، ويستشهد بتغيير اسم عبد الكعبة إلى عبد الرحمن بعد إسلامه. كما يبين أن العمل بالعلم يغير العادات والعقائد.

فضل العلم والصبر والتعاون في الإسلام

يروي قصة بركة طعام أبي بكر الصديق ويستدل به على فضل الصبر على طلب العلم، ويبرز أهمية التعاون والصبر بين المسلمين في إطعام الفقراء وتحقيق الأعمال العظيمة.

أحكام الطلاق واعتباره

يناقش حكم الطلاق للشخص غير المعتبر، حيث لا يقع طلاقه لعدم الاعتداد برأيه أو أفعاله، ويستند هذا الحكم إلى شهادة الشهود.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو النعمان، هو محمد بن الفضل الملقب بعارم، أحد الحفاظ المشهورين من رجال الصحيحين، تغير في آخره فامتنع عن التحديث فلم يحدث. قال: حدثنا معتمر بن سليمان، وهو معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي مولاهم وليس منهم، وفيه رفعة العلم لأهله، من رجال الصحيحين، وكان رأسًا في العلم والعبادة. قال: حدثنا أبي، وهو سليمان بن طرخان، أحد الأئمة الكبار من أئمة العلم وحفظته، من رجال الصحيحين. ولنا عبرة بحرص علمائنا وأمتنا على إصلاح أنفسهم وإصلاح أبنائهم، حتى خرج من ذريتهم العلماء. قال: حدثنا أبو عثمان، وهو النهدي عبد الرحمن بن مل، ويقال مل، ومل يجوز التثليث، من رجال الصحيحين، ومن أئمة التابعين المعروفين. ويختلط به كثيرًا أبو عثمان آخر مجهول لا يصح حديثه، يختلط كثيرًا بأبي عثمان النهدي وسليمان بن طرخان، روى عن كلا الرجلين، عن أبي عثمان النهدي الثقة، وعن أبي عثمان المجهول الآخر. قال: عن عبد الرحمن بن أبي بكر، وهو ابن أبي بكر الصديق، كما سيأتي، أحد الصحابة، شقيق عائشة رضي الله عنها وأرضاها. كان اسمه في الجاهلية -قيل عبد الكعبة- فغير اسمه أبو بكر في الإسلام إلى عبد الرحمن. فهكذا يكون العمل بالدين يغير الأخلاق، يغير العقائد، يغير الأسماء، يغير العوائد. فكل شيء يوزن بميزان الكتاب والسنة. ولهذا نرى الفرق بين بعض الناس إذا وفقه الله لمعرفة طريق أهل السنة والجماعة، أحرص الناس على العمل بالعلم، فيتفقد نفسه في أخلاقه، في عوائده، في عقيدته، وحتى في اسمه إذا خالف الشرع غيره. لكن لو قارن الإنسان حال الكثير من المسلمين في الطوائف الأخرى، تجدهم على ما هم عليه لا يغيرون شيئًا، بسبب البعد عن العلم الشرعي الصحيح الذي يرد الناس إلى الصراط المستقيم. تجد في المسلمين من اسمه عبد النبي، وعبد الرسول، وهكذا عبد الحسين، وكله حرام لا يجوز، فلا يجوز التعبيد إلا لله سبحانه وتعالى. فالعمل بالعلم هو أصل عظيم من أصول الإسلام الحق الصاف النقي الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان عليه الصحابة الكرام رضي الله عنهم أرضاهم. قال: أن أصحاب الصفة كانوا أناسًا فقراء. وأصحاب الصفة -أي الذين يسكنون المسجد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم- أصحابه ممن يأتي فيريد أن يتعلم العلم من غير أهل المدينة، أو من بعض أبناء أهل المدينة ممن لم تسعهم بيوت أهاليهم. فكان عبد الله بن عمر أحيانًا يكون في أهل الصفة في شبابه رضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. وفيهم أبو بكر، وفيهم أبو هريرة، وجماعة ممن كانوا يسكنون المسجد، أحصاهم بعض العلماء وقالوا: هم قدر سبعين رجلًا كانوا يسكنون المسجد، هم أهل الصفة، يزيدون وينقصون بحسب ذهاب بعضهم، مؤتيان آخرين. قالوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث» -يعني من أهل الصفة- «فيبارك الله في طعام الاثنين فيكفي ثلاثة». وقد كان يقول ذلك عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخر: «طعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة». قال: «وإن أربع فخامس أو سادس» -يعني إن كان معك طعام أربعة فخذ من أهل الصفة واحد أو اثنين- «فسيبارك الله بهذا الطعام بإطعامك هؤلاء الفقراء». ولا يعني ذلك أنهم ما كانوا يتسببون، بل كانوا يتسببون، وإنما قد أحيانًا يصبرون على أنفسهم من أجل التفرغ للعلم، فيؤثرون الجوع على أن يضيع عليهم وقت فيكون فيه فوات بعض العلم. وإلا فكانوا يعملون، ومن رأى في سيرتهم وفي أحاديث أخر وجد أنهم أحيانًا هذا وأحيانًا هذا. قال: وأن أبا بكر جاء بثلاثة، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة. قال: فهو أنا وأبي وأمي -فلا أدري- قال: وامرأتي وخادم، بيننا وبين بيت أبي بكر. وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه ما كان عليه كيف يتنافسون في هذا الباب، والنبي صلى الله عليه وسلم قدوة الناس بقوله وعمله عليه الصلاة والسلام. قال: ثم لبث حيث صلى العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله. قالت له امرأته: وما حبسك عن أضيافك؟ أو قالت: ضيفك؟ أو قالت: ضيفك؟ قال: «أَوَمَا عَشَّيْتِيْهِمْ؟» -يعني استفهم هل ينتظرونني إلى الآن؟- لأنه ظن أن وجود عبد الرحمن ولده يكفي في أن يتعشى معهم ويسد مكان أبيه. قال: قالت: أبوا حتى تجيء -يعني امتنعوا من ذلك- قد عرضوا فأبوا. ومعنى قد كرر عليهم العرض ولم يقبلوا، يريدون أن تأتي فيتعشون معك. قال: فذهبت أنا فاختبأت، علم أن أباه سيغضب عليه. فقال: «يا غنفر!» فجدع وسب. ومعنى سب: يعني قال ما فيه التوبيخ، وليس المراد بالسب الوقوع فيما نهي عنه. فأبو بكر رضي الله عنه من خيرة الصحابة، ويدل عليه قوله: «يا غنفر!» وقوله: «فجدع!» -يعني وبخ-. فأنت إذا كان لك ولد كبير ولم يقم بما يجب عليه، قد تقول وقت الغضب: أين الطفل الذي لم يقم بهذا العمل؟ فهذا يكون فيه تجوز بتسميته سبًا ونحو ذلك مما يكون وقت الغضب. وجدع: يعني أنه قال ما فيه معنى التجديع، تجديع الأنف. قال: وقال: «كلوا لا هنيئًا» -يعني قال هذه الكلمة وقت الغضب- لأنه لا حق لهم أن ينتظروا إلى هذا الوقت، وقد أقام ولده مكانه، وخصوصًا أن هذا يتكرر كثيرًا، فليسوا بالضيف الغريب، بل هم من أهل الصفة الذين يكثر دعوتهم، فما كان عليهم أن يشقوا على أنفسهم، فهو من باب الإكرام، ولا يشقوا على أهل بيته. فقال: «والله لا أُطعِمُكُمْ أبدًا» -يعني ما سآكل معكم- لماذا أنتم صنعتم كذلك فأشققتم على أنفسكم وأشققتم على غيركم بغير حق؟ قال: «وأيم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر منها» -يعني بارك الله في الطعام-. قال: يعني حتى شبعوا، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك. فنظر إليها أبو بكر، فإذا هي كما هي أو أكثر منها. فقال لامرأته: «يا أخت بني فراس، ما هذا؟» قالت: «لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات» -يعني لم تنقص بل زادت إلى ثلاثة أضعاف-. قال: فأكل منها أبو بكر، وقال: «إنما كان ذلك من الشيطان» -يعني لأني غضبت فحلت في من لغو اليمين- من لغو اليمين. وقد قال الله عز وجل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: يعني يمينه. يعني يمينه. ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأصبحت عنده. يعني معنى لقمة: يعني أكل شيئًا يسيرًا، وليس لقمة بعينها، ولكن يطلق الواحد ويراد به التقليل، يقال: يراد به التقليل. قال: فأصبحت عنده. وكان بيننا وبين قوم عقد، فمضى الأجل. قال: ففرقنا إثني عشر رجلًا، مع كل رجل منهم أناس، الله أعلم كم كان مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون. أو كما قال. أخرجه مسلم. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث بطوله كما ترون، وقد تناول مسائل كثيرة وفوائد عديدة. وحسبنا نأخذ منه مع ما أشير إليه في ثناء القراءة إلى خمس فوائد من فوائد هذا الحديث. أولها: فيه كرامة لآل أبي بكر. وكما تقدم: كرامات الأولياء دلائل على صدق رسالة الأنبياء. وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث: بركة الطعام في بيت أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، حتى كفى هؤلاء جميعًا، اثني عشر رجلًا، وثلاث رجال زيادة على من أكل من أهل البيت، وزيادة على الآخرون الذين فرق لهم الطعام. وفيه من المسائل: كذلك فضل الصبر على طلب العلم، وكيف كان حال الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين حرصوا على تعلم العلم وصبروا لأجل ذلك. وهؤلاء هم أهل الصفة، ومن كان مثلهم. ومن أهل الصفة أبو هريرة، أكثر المكثرين من الصحابة في رواية الحديث. نفع الله به وبأمثاله ممن صبر وكذلك ضحى من أجل طلب العلم. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، ومن يريد أن يسلك طريق العلم أن يصبر. وعاقبة الصبر حميدة وجميلة، ولابد من الصبر، لأن الصبر هو السبب الأعظم للوصول إلى ما يريده المسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص. قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. قدم الصبر. قال بعض العلماء: في هذا دليل على أهمية الصبر وفضيلته، وأنه من أعظم الأسباب التي تكون بها الإمامة في الدين. فالإمامة بالدين تكون بالصبر واليقين. وتأمل تقديم الصبر على اليقين. وهكذا فيه من الفوائد كذلك ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من التناصر والتآزر والتآخي، وكذلك الموالاة وتحقيق معنى الأخوة بحق وصدر، فيستشعر بعضهم لبعض. فهذا مثل من أمثلة كثيرة تدل على حقيقة عملهم بمعنى الأخوة في الدين التي تعدت أخوة النسب. وهكذا ينبغي أن يكون أهل الإسلام بحق وصدر، يستشعر بعضهم لبعض كما يستشعر أهل الأخوة في النسب بعضهم لبعض. وأشد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار حين هاجر المهاجرون، وكانوا على ما كانوا عليه، فكان ما كان مما لا يخفى في كتب السيرة والحديث: أخوة لم يعرف التاريخ مثلها. وهكذا كذلك في هذا الحديث ينظرون إلى حال هؤلاء فيتقاسمون ما ينبغي أن يكون في هذا المقام، فيحصل المقصود. وفيه من المسائل كذلك فضيلة التعاون على الخير والاجتماع عليه، فبه تتحقق الأمور العظيمة، ويخف على أهل الحق ما يحتاجون القيام به. فتقسيم أهل الصفة أدى إلى إطعام هؤلاء جميعًا، مع أن بيوت الصحابة في ذاك الزمان بيوت حق أن توصف بأنها كذلك بيوت أهل فقر وفاقة. فالنبي عليه الصلاة والسلام الذي أخذ هؤلاء العشر أهل يطعمهم. تقول عائشة: «إن كان ليمر الهلال والهلال والهلال -ثلاثة أهلة- ولا يوقد في بيتي -أو بيت من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم- نار، يأكلون بغير إيقاد النار». حتى تعجب الراوي فقال لها: «فما كان طعامكم يومئذ؟» قالت: «الأسودان: التمر والماء». ومع ذلك يأخذون ويتعاونون، فأطعموا سبعين أو أكثر. واليوم لو تأمل أهل مسجد من المساجد أن في المسجد فقراء عشرة يطعمونهم كل يوم ما يتيسر، لشق ذلك عليهم وضاق بهم ذرعًا. وفي ذاك الزمان وعلى ذاك الفقر والوصف يطعمون أكثر من سبعين، فيتقاسمون ذلك. فينبغي أن نعلم أن الكثير من الأعمال إذا حصلت تعاون فيها خفت وسهلت وتيسرت. فهكذا ينبغي أن نصنع الأعمال الكبيرة نقسمها ونتعاون في القيام بها، فتخف وتسهل وتتيسر. وهذا مثال من أمثلة كثيرة تدل على ذلك، حتى لا يحصل التواكل، فتعطى الأبواب الخير. ولو تأملنا وقائع كثيرة، كان لنا مثالًا عظيمًا يحتدى به. انظروا إلى حفر الخندق: من ذهب إلى المدينة اليوم ورأى مكان حفر الخندق تعجب كيف استطاعوا أن يحفروا مثل هذا؟ رضي الله عنهم وأرضاهم. اليوم لو تقول للناس مثل هذا: قل: هات عمال. والمسجد نفس الشيء، مساجدهم يقاموا بها بالتعاون. مسجد نبي صلى الله عليه وسلم بني بالتعاون. اليوم لو طلب أداء عمل يسير في بعض المساجد، تقول: هات عمال. كل شيء هات عمال. مع أننا نستطيع أن نتعاون فنؤدي بعض ذلك، مع ما فيه من الأجر العظيم. مع ما فيه من الأجر العظيم. وأخيرًا: فيه من المسائل كذلك أنه لا ينافي فضلًا ذوي الفضل ما قد يكون من خطأ يطرأ عليهم أو غضب أو نحو ذلك. ففي هذا الحديث كما رأينا غضب أبي بكر رضي الله عنه، ولم ينقص هذا من فضله. وهذا حال البشر، ولكن مع ذلك هم رجاعون ويضبطون أنفسهم، ولا يتعدون الشرع. وقد تضمن ذلك كذلك أن ما يقال في الغضب يُعذر عنه. فكما عذر في اليمين إذا كان لغوًا، فكذلك إذا اشتد الغضب وقال ما لا يدركه الإنسان ولا يعقله، وهو ما يسمى بغضب الإغلاق. غضب الإغلاق: ينغلق بعض الناس غضبه فضيع، ينغلق عقله، فربما يقول كلمات لا يُؤاخذ عليها. ولا يعني ذلك أنه يسترسل في هذا الباب، لا، بل يذكر ويخوف بالله حتى لا يتعدى ما يجب أن يكون عليه المسلم. وعلى هذا تجري أحكام. فمثلًا: لو طلق وهو في غضب الإغلاق، ما ينفذ طلاقه ولا يقع. لكن لا يعني ذلك كل من طلق يقول: كنت غضبان وطلقت. لأن ما أحد يطلق في الغالب وهو يضحك ويفرح، لا، الغضب. الطلاق يكون في وقت الغضب. لأن بعض الناس يسمع مثل هذا يقول: طلاء وأنا غضبان. فلا تحسب علي. الجواب: ما أحد يطلق وهو يضحك، الذي يطلق. وطلق وهو غضبان. لكن ما نوع هذا الغضب؟ هل الغضب لا تعقل معه ولا تدرك ما تقول؟ فإن كنت من هذا النوع ويشهد لك الشهود بذلك، فطلاقك لا يقع ولا ينفذ. طيب هذا خلاصة ما يذكر. والله تعالى أعلم.