الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 47، الحديث المعلل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تعريف الحديث المعلل الذي يحتوي على علة خفية في سنده أو متنه، وكذلك تعريف الإرسال الخفي الذي يروي فيه الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه. يشرح الفرق بين الإرسال الخفي والحديث المدلس.
يناقش هذا الفصل تقسيم العلة في الحديث النبوي إلى قادحة وغير قادحة، مع تقديم أمثلة على ذلك مثل رفع الموقوف وإبدال ثقة بثقة، ويتناول العلة في السند والمتن.
يتناول هذا الفصل تخريج الإمام مسلم لبعض الأحاديث المعلولة وآراء أهل العلم في سبب إخراجها، ويشرح أن الإمام مسلم قد يخرج حديثا معينا لبيان علته أو لكون معناه صحيحا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الناظم رحمه الله تعالى: وَمَا بِعِلَّةِ غُمُوضٍ أَوْ خَفَا مُعَلَّلٌ عِنْدَهُمْ قَدْ عُرِفَا قال الشارح رحمه الله: الحديث المعلل، قوله: «وما» أي والحديث الذي تلبس، قوله: «بعلة» أي ذات، وقوله: «غموض وخفا» أي في سنده أو في متنه، مع أن الظاهر السلام منها، وقوله: «أو خفا» بمعنى الواو؛ لأنه تفسير للغموض، فذلك الحديث معلل عندهم قد عرفا، ويقال له: المعلول أيضا. يجير الشارح رحمه الله إلى تفسير هذه الألفاظ في هذا النظم، فقوله: «ما» أي بمعنى أي، أي والحديث الذي وصفه ما سيأتي، فهو الذي يسمى بكذا وكذا كما سيأتي، أي ما فيه علة، وهذه العلة غامضة، فهذا يسمى الحديث المعل، وقيدها بالغامضة؛ لأن العلة إذا كانت ليس فيها غموض أو خفاء، فإن ذلك يوصف بحسب ما فيه من علة. فمثلا إن ظهر الانقطاع فهو حديث منقطع، أو ظهر الإعضال فهو حديث معضل، أو ظهر التدليس فهو حديث مدلس، أو ظهر وجود الرجل الضعيف فهو حديث ضعيف، أو ظهر كذلك القلب فهو حديث مقلوب، أو غير ذلك مما مر معنا من أقسام الحديث. فما ظهر من تلك الأقسام فيحكم عليه بحسبه، وأما إذا كانت العلة خفية وغامضة فإنه عند ذلك يسمى الحديث بهذا الوصف حديث معل أو معلل أو يقال معلول، ثلاثة ألفاظ كلها تدور حول معنى واحد، وهو الحديث الذي فيه علة خفية. فإن قال قائل: كيف تعلمت هذه العلة وهي خفية؟ الجواب: علمها الحذاق من أهل هذا العلم الذين يدركون ما لا يدرك غيرهم، فهم بمعرفتهم لمباحث هذا العلم دقائقه استطاعوا أن يعرفوا هذه العلة بما لم يستطع أن يعرفها غيرهم. ثم قال الشارح رحمه الله تعالى: وحاصله أنه حديث فيه أمر خفي قادح يظهر للنقاد بعد البحث عن طرق الحديث، وهذا الأمر الخفي يسمى علة، كالإرسال الخفي والإرسال الظاهر للحديث الموصول، فإنه لا يعرف عند سماع الحديث الموصول إلا بالبحث. والإرسال الخفي هو ما يرويه الراوي عن من لقيه وعاصره وهو لم يسمع منه، ويرويه بلفظ يحتمل السمع، فما كان كذلك سمي إرسالا خفيا؛ لأن المرسل كما تقدم معنا، أي الظاهر يطلق باعتبارين، قد يكون في قول التابع: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فهذا مرسل، وقد يكون كذلك في قول أحد رجال السند عن من لم يسمع منه، قال فلان، فيقال: هذا حديث فيه انقطاع وإرسال؛ لأن هذا فلان أرسل الحديث عن من لم يسمع منه. والأول هو الأشهر في معنى المرسل، ومع هذا قد يكون هناك إرسالا خفيا، ومن الإرسال الخفي رواية من سمع عن من سمع منه ما لم يسمع منه، وهو قريب من معنى الحديث المدلس. وما هو تعريف الحديث المدلس؟ أن يروي الراوي عن من سمع منه ما لم يسمع منه، موهما أنه سمع منه، والمرسل الخفي كذلك، لكنه أوسع؛ لأنه قد لا يكون سمع منه ولكن لقيه أو عصره، فيكون فيه إرسال خفي، ومثل هذا لا يعرفه إلا الحذاق من أهل هذا العلم؛ لأنهم هم الذين يتتبعون مسألة السماع، فلان عصر فلان، فلان لقي فلان، لكن هل سمع منه؟ وربما سمع منه لكن كم سمع منه أحاديث؟ فيوجد بعض الرواة ربما ما سمع بعضهم من بعض إلا حديثا أو حديثين. مثل رواية الحسن عن سمرة، فرواية الحسن عن سمرة فيها من الإرسال الخفي ما لا يعلمه إلا الحذاق من أهل هذا العلم، فرواية الحسن عن سمرة كثيرة، لكن الحفاظ ذكروا أن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديثين فقط، كيف عرفوا هذا؟ عرفوا هذا بتتبع وباستقراء وبحث دقيق، بينما غيرهم لا يعرف هذا بمجرد أن الحسن سمع من سمرة. وصحح بعض أهل العلم رواية للحسن عن سمرة، فصححوا كذلك كل حديث فيه الحسن عن سمرة، وليس الأمر كذلك، ولكنه عند العارفين إنما ذلك في أحاديث معدودة، أي ما يصحح من رواية الحسن عن سمرة. ومثله كذلك يقال في أشياء كثيرة خفية، سيأتي معنا إن شاء الله في التعليق ذكر بعض هذه العلل وبيان بعضا منها. ثم قال رحمه الله: وتدرك العلة بعد جمع الطرق والفحص عنها بتفرد الراوي أو بمخالفة غيره ممن هو أحفظ وأضبط أو أكثر عددا، مع قرائن تضم إلى ذلك، يهتد الناقد بذلك إلى اطلاعه على تصويب إرسال في الموصول، أو تصويب وقف في المرفوع، أو إدراج حديث في حديث، ونحو ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم، أو يتردد فيتوقف. والعلة القادحة تكون في الإسناد فتقدح في صحة المتن، كالوقف للمرفوع، وتكون في المتن، كحديث نفي قراءة البسملة المروية عن أنس؛ فإنه لما سمع قتادة قول أنس: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين»، ظن نفي البسملة بذلك الحديث، فنقله مصرحا بما ظنه، فقال عقب ذلك: «فلم يكونوا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم»، فصار النفي حينئذ مرفوعا. أشار بهذا إلى مجموعة من المسائل سيأتي إن شاء الله زيادة التفصيل فيها، أولها أن العلة تنقسم لقسمين: علة قادحة، وعلة غير قادحة، ومن العلة القادحة ما أشار إليه كرفع الموقوف؛ لأن الحديث الموقوف ليس هو قول النبي عليه الصلاة والسلام، وكونه رواية خطأ مرفوعا هذا من العلة القادحة؛ لأنه فيه نسبة شيء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يصح. على أنه ينبه في مثل هذا الموضع أنه قد يكون الصواب فيه الموقوف، لكن الموقوف له حكم الرفع، مثل حديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان»، رواية مرفوعا موقوفا، والصحيح فيه الموقوف وله حكم الرفع، فإذن الأمر ليس على إطلاقه؛ لأن بعضه وإن كان موقوفا لكن له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي. وقد تكون العلة غير قادحة، مثل إبدال ثقة بثقة، وهكذا كذلك مثل أن يروى بالوجهين يصح مرفوعا وجاء موقوفا، فمثل هذا لا يقدح بالحديث ولو كان قد ثبت؛ لأنه ثبت من جهة أخرى ما يصحح به الحديث. وهكذا كذلك أشار هنا إلى أن الحديث المعل كذلك ينقسم باعتبار آخر إلى قسمين، فمنه ما يكون في السند، ومنه ما يكون في المتن، أي علة في السند أو علة في المتن، والعلة في المتن ما يتعلق بألفاظ المتن من إدراج ونحو ذلك، والعلة في السند كما سيأتي إن شاء الله زيادة تفصيل له في التعليق، ومنه ما يتعلق بالمتن بالسند كالوصل والإرسال وغير ذلك من مباحث السند. وهكذا كذلك سيأتي إن شاء الله تفصيل وأمثلة له في التعليق، ثم أشار رحمه الله إلى هذا المثال، وسيأتي إن شاء الله مذكورا مفصلا في حديث أنس، وهو في الصحيح مسلم. فقد جاء في الصحيحين أن أنسا قال: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين»، وهذه هي رواية البخاري ومسلم، وجاء في لفظ للإمام مسلم بزيادة: «لا يستفتحون ببسم الله الرحمن الرحيم»، ونص بعض الحفاظ أن هذه اللفظة خطأ؛ لأنها مدرجة زادها بعض الرواة، فهي من قوله: «يستفتحون بالحمد لله رب العالمين»، فزاد أنهم لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، فصار مثل هذا اللفظ مدرج معل، وإن كان معناه صحيح، معناه صحيح لكن نسبته إلى الصحابي غير صحيح. وهذا أمر دقيق ينبغي أن ينتبه له، ولهذا كما قال بعض أهل العلم: يعرف به شفوف الإمام البخاري؛ حيث إنه لم يخرج هذه اللفظة، وتفرد بإخراجها الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وهذا يدل على عمق علم الإمام البخاري رحمه الله، وكلاهما أهل علم ومعرفة، لكنهم يتفاوتون في هذا الباب. وقد يكون هو محل اجتهاد، فيكون الإمام مسلم رحمه الله أخرجها لكون هذه الرواية معناها صحيح، وإن كانت من جهة السند فيها شيء، وعلى هذا خرج بعض أهل العلم تخريج الإمام مسلم لهذه الرواية، وبعضهم قال شيئا آخر، فقال: إنما أخرجها الإمام مسلم ليبين علتها، أخرجها ليبين علتها، خصوصا وأنه أخرجها بعد ذكر الرواية المستقيمة الصحيحة التي حصل فيها الموافقة منه لما أخرجه الإمام البخاري، فأراد أن ينبه إلى أن هذه الزيادة زيادة معلة، هكذا قال بعض أهل العلم، وليس هو صريحا. فالحاصل: هذا مثال لبيان بعض الأحاديث التي يكون فيها علة في المتن، وسيأتي معنا إن شاء الله زيادة بيان في التعليق.