القواعد والأصول الجامعة 21

الدرس الحادي والعشرون : فيه من قوله ( القاعدة السادسة الأصل في العبادات الحظر فلا يشرع منها إلا ماشرعه ... فمن لزمهما فقد استقام على السبيل ومن أدعى خلاف أصل منهما فعليه الدليل ).

الأصل في العبادات الحظر

الأصل في العبادات هو الحظر، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، بينما الأصل في العادات هو الإباحة. هذه القاعدة تستند إلى أدلة من الكتاب والسنة.

ضوابط العبادات والعادات

لا يجوز ابتداع عبادات لم يشرعها الله ورسوله، وتحريم ما أحل الله يعتبر من البدع. الأصل في العبادات الإلزام، وفي العادات الإباحة والإطلاق.

أهمية الدليل الشرعي في التحريم

التحريم يجب أن يستند إلى دليل شرعي، ولا يجوز تحريم أشياء بغير دليل. يجب على من يخالف الأصول الشرعية أن يأتي بالدليل من الكتاب أو السنة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في العادات الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله. طيب، هذه القاعدة السادسة ذكرها رحمه الله تعالى ضمن هذه القواعد، وهذه القاعدة في معرفة أصول الأشياء هي في الحقيقة قاعدة ضمنية تدخل ضمن قواعد كلية أخرى. وأدلتها كثيرة من الكتاب ومن السنة، فمن الكتاب قوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾، متاع قليل ولهم عذاب أليم. وهكذا مثل قوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وهكذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». ومناسبة ذكر هذه القاعدة هنا أنه لما ذكر شرطي العمل في القاعدة التي قبله، وهو الإخلاص والمتابعة، ناسب أن يذكر الأصل في العبادات والأصل في العادة. قال رحمه الله تعالى: وهذه القاعدة تضمنت أصلين عظيمين دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وهذا أصل على أن الأصل بالعبادات الحظر، أي المنع، فلا يجوز التشريع إلا بتشريع الله. قال: ومثل الأمر بعبادته وحده لا شريك له في مواضع، يعني معناه: إذا اعتقدت أن تعبده جل وعلا وحده لا شريك له، فهذا يستلزم أن تمتثل ما أمرت به وحده، لا تشرع لنفسك أمرا من عندك ولا من عند غير الله. قال: والعلماء مجمعون على أن العبادة ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، يعني كل ما أمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب فهو من العبادة. والعبادة مرتعريفه: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. قوله بالأصل الثاني: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، أي تنتفعون به. قال: أي تنتفعون بها بجميع الانتفاعات إلا ما نص على المنع منه. فمثلا مما نص على المنع منه الآية التي بعدها، فمثلا توجد استثناءات خاصة واستثناءات عامة. فالاستثناءات الخاصة تحريم الخمر والخنزير والميتة ونحوها من الأشياء التي حرمت. واستثناءات عامة مثل هذه الآية، قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، وقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ فيه دليل على تحريم الخبائث، وضد الطيب الخبيث. قال: فأنكر تعالى على من حرم ما خلق الله لعباده من المآكل والمشارب والملابس ونحوها، يعني من الطيبات. لا يجوز للإنسان أن يحرم الطيبات مآكل مشارب ملابس. قال: فكل واجب أوجبه الله ورسوله أو مستحب فهو عبادة يعبد الله به وحده. فما أوجب أو استحب شيئا لم يدل عليه الكتاب والسنة فقد ابتدع دينا لم يأذن به الله، وهو مردود على صاحبه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، متفق عليه. والصواب أنه رواه مسلم والبخاري معلقا. وأما المتفق عليه فهو: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». قال: وتقدم أن من شروط كل عبادة الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله. واعلم أن البدع من العبادات على قسمين: إما أن يبتدع عبادة لم يشرع الله ورسوله جنسها أصلا، مثل المولد جنسه غير موجود. وإما أن يبتدعها على وجه يغير به ما شرعها الله ورسوله، مثل بدع الأذان. بدع الأذان فيه تغيير للشيء الذي كان موجودا، ناس يضيفون أذكارا قبلها، وناس يضيفون أذكارا بعد الأذان، وناس يدخلون بأذكار وسط الأذان، هذه كلها من بدع الأذان، وهي من نوع ثاني من البدع الذي ذكره هنا. قال: وأما العادات كلها كالمآكل والمشارب والملابس والأعمال العادية والمعاملات والصنائع، فالأصل فيها الإباحة والإطلاق. وهو ذكر بعض أنواع البدع، وإلا فمن البدع كما سيأتي إليه هو تحريم الحلال كذلك، سواء تحريما كليا أو تحريما مؤقتا. قال: فالأصل فيها الإباحة والإطلاق، معنى الإباحة يعني الحل بالنسبة للمآكل والمشارب والملابس، كالطيب منها والنافع. ومعنى الإطلاق: فالأصل فيها الإباحة والإطلاق الإطلاق يعني تشمل كل ما يصح دخوله في هذا المعنى، يعني في العادات، يعني عام يشمل أشياء كثيرة. قال: فمن حرم شيئا منها لم يحرمه الله ولا رسوله فهو متدع، كما حرم المشركون بعض الأنعام التي أباحها الله ورسوله، حرموا أنواعا من الأنعام، فأحلوا أشياء للذكور وأشياء للإناث، وأحلوا أشياء لأهل الحرم وأشياء لغير أهل الحرم، وحرموا أشياء على الجميع، وكل هذا من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان. قال: وكمن يريد بجهله أن يحرم بعض أنواع اللباس أو الصنائع، يعني تحريما من دون دليل شرعي. أما تحريما بدليل شرعي فلا، إذا حرم الثوب الذي فيه صور أو حرم الثوب الذي فيه تشبه بالكفار أو حرم كذلك الثوب الضيق أو العاري، فهذا تحريم صحيح دل عليه الدليل الشرعي. أما إذا كان تحريما على وجه التنطع فهذا لا يجوز. قال: أو الصنائع والمخترعات الحادثة بغير دليل شرعي يحرمها، مثلا جاء يحرم الكهرباء أو يحرم الإذاعة مطلقا، ليس يحرم الحرام منها، لكن يقول: لا يجوز استخدام المسجلة مثلا، هذا من التنطع. ليس كل المخترعات الحادثة حلالا، لا، الحلال منها ما لم يخالف الشرع، فإن خالف الشرع فهو حرام. فمثلا الدشوش توجد فيها مخالفات كثيرة، فلأجل هذه المخالفات حرمها العلماء لأن أضرارها أكثر من مصالحها. قال: والمحرم من هذه الأمور الأشياء الخبيثة أو الضارة، يعني من اللباس أو كذلك الصناع والمخترعات الحادثة، مثلا أسلحة الدمار الشامل وما كان بمعناها مما فيه خطر، فهو من الأمور المحرمة، لا ضرر ولا ضرار. وهذا الأشياء التي تخالف الشرع، فالخبيث خطر حسي أو خطر شرعي، الخطر الحسي كأن يكون مثلا من أشياء نجسة مثل الخنزير، تصنع منه أشياء ملابس أو أشياء، فهو لا يجوز لأنه خبيث. قال: وقد فصلت في الكتاب والسنة، يعني هذه الخبائث والأشياء الضارة. ومن تتبع المحرمات وجدها تستند إلى المفاسد المتنوعة، ما من شيء حرمه الله حرمه رسوله صلى الله عليه وسلم بوحي من الله، وكل ما حرمه رسوله فهو بوحي من الله، إلا وتجد أنه ليس به مصلحة للخلق أبدا، بل لا يحرمه الله إلا لأن في تحريمه مصلحة للخلق. قال: هذان الأصلان نفعهما كبير، وبهما تعرف البدع من العبادات والبدع من العادات. فمن لزمهما فقد استقام على السبيل، ومن ادعى خلاف أصل منهما فعليه الدليل، يعني الذي يلزم هذين الأصلين فهو على الاستقامة وعلى الصراط المستقيم. ومن ادعى خلاف هذين الأصلين في العبادات أو في العادات فعليه الدليل، يأتي بالدليل من الكتاب أو من السنة.