القواعد والأصول الجامعة 80

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 80، الدرس الثمانون : من : ( القاعدة الثانية والأربعون ... مع أن مدة الحياة مجهولة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ضابط الاستثناء في المنافع والمعاوضة

يناقش هذا الفصل ضابط الاستثناء في المنافع بمعاوضة وتبرع، حيث يُشرح جواز استثناء المنافع المعلومة في العين المنتقلة بمعاوضة، وجواز استثناء المدة المعلومة في التبرعات. يُبرز الفرق بين المعاوضة والتبرع من حيث المشاحة وقيام حقوق الناس.

التمييز بين المعاوضات والتبرعات شرعاً

يتناول هذا الفصل الفرق بين المعاوضات والتبرعات في الشريعة الإسلامية من حيث الشروط والضوابط، مشيراً إلى اشتراط العلم بالمعقود عليه في المعاوضات، بينما تكون التبرعات أوسع. يُستشهد بأحاديث نبوية وأحكام فقهية لتدعيم هذا التمييز.

أحكام وشروط التبرعات والمعاوضات فقهياً

يناقش هذا الفصل شروط التبرعات والمعاوضات في الفقه الإسلامي، موضحاً أن الشروط في المعاوضات يجب أن تكون معلومة، بينما يمكن أن تكون الشروط في التبرعات مجهولة الأجل وتكون جائزة. يُقدم أمثلة من السنة النبوية لتدعيم هذه الأحكام.

أصل التبرعات في الإسلام وتطبيقاتها

يشرح هذا الفصل أصل باب التبرعات في الإسلام، وهو الحل والتوسع إلا ما ورد فيه دليل يقيده أو يمنعه. يُبين كيفية العمل بالدليل في تقييد أو تخصيص أو منع ما يتعارض مع الأصل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى- «القاعدة الثانية والأربعون: استثناء المنافع المعلومة في العين المنتقلة بمعاوضة جائز، وفي التبرعات يجوز استثناء المدة المعلومة». هذه القاعدة أشبه ما تكون بالتقاسيم والفروق، وسيأتي معنى التقاسيم والفروق، وهو المراد التمييز بين المسائل المتشابهة من وجه والمفترقة من وجه آخر. لكن لما كان فيها ضابط، ذكرت في ضمن القواعد، ولهذا فهي أقرب ما تكون بضابط أو قاعدة صغرى. ومعنى أن نعرف ضابط الاستثناء في المنافع التي تكون بمعاوضة، والمنافع التي تكون بتبرع. فإن الاستثناء في المنافع التي تكون بمعاوضة -يعني مثل البيع والإيجارة وما كان بمعناه مما فيه معاوضة مال وانتفاع أو بدل من المال شيء آخر- وهكذا كذلك التبرعات والاستثناء فيها. فبين أن المنافع التي تكون بمعاوضة، الاستثناء لا بد أن يكون معلوما، وأما في التبرعات فالاستثناء لا يشترط أن يكون معلوما، فإن كان معلوما أو كان مجهولا فلا يضر. وقد جاءت أدلة تدل على هذا المعنى، ويدل عليه أصل عام. أولا: هذا الأصل أن حقوق الناس قائمة على المشاحة، بخلاف باب التبرعات، حقوق الناس قائمة على المشاحة، فلهذا اشترط فيه الاستثناء المعلوم. ولأنه قد نهينا في باب المعاوضات، نهينا عن معنى الغرر. ففي حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم وغيره: «نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر». وأما باب التبرعات فيختلف، فهو تبرع، إن شاء تبرع به كاملا أو تبرع به ناقصا، تبرع به بشرط معلوم أو تبرع به بشرط مجهول لا يضر؛ لأنه تبرع، ﴿وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. هذا بالنسبة للعموم، وقد وردت أدلة خاصة تدل على هاتين القاعدتين أو الضابطين. فمن الأول حديث جابر بن عبد الله الذي رواه الإمام مسلم، قال: «نهى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن الثنية»، وعند الترمذي: «نهى عن الثنية إلا أن تعلم». فعلم أن الاستثناء المنهي عنه هو الاستثناء المجهول، وأن الاستثناء المرخص به في المعاوضات هو الاستثناء المعلوم. وأما باب التبرعات، فدليله الخاص ما رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود بإسناد حسن، وحسنه الشيخ العلامة الألباني -رحمه الله- في «الإرواء» عن سفينة مولى أم سلمة -رضي الله تعالى عنها وعنه- أن أم سلمة أعتقته، واشترطت عليه أن يخدم النبي -صلى الله عليه وسلم- ما عاش. هذه مدة معلومة أو مجهولة؟ مجهولة، مدة مجهولة، وصحت شرعا، صح هذا العتق بهذا الأجل المجهول؛ لأنه تبرع من التبرعات، والله يقول: ﴿وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، فهي أحسنت إليه، تبرعت. قال -رحمه الله تعالى-: «والفرق بين البابين...». انظر، وهذا يدل أنه أقرب ما يكون -كما قلنا- إلى الفروق والتقاسيم من القواعد، ولكن ذكره؛ لأنه فيه ضابط. وكما قلنا: القواعد تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قاعدة كبرى، وصغرى، وضابط. قال -رحمه الله-: «والفرق بين البابين: أن المعاوضات يشترط فيها تحرير المبيع والعلم به وبمنافعه وصفاته من كل وجه؛ لأنه لا بد أن يكون بشيء معلوم، نهى عن بيع الغرر، لا بد أن يكون بشيء معلوم». قال -رحمه الله تعالى-: «وباب التبرعات أوسع منه، لا يشترط فيه التحرير -يعني لا يشترط فيه التدقيق في باب الصفات- ولا معرفة المنافع، ولا الأجل، ولا غير ذلك؛ لأنه ينتقل إلى المتبرع إليه مجانا، أو المتبرع إليه مجانا، فلا يضر جهالة بعض المنافع، لا يضر جهالة بعض المنافع، لا تضر، فهو إحسان، والله يقول: ﴿وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، تبرع بكثير أو بقليل، عاجلا أو آجلا لا يضر». قال: «مثال الأول: من باع دارا أو دكانا واستثنى سكناها مدة معلومة، أو باع بهيمة واستثنى ركوبها إلى محل معين، أو باع سلاحا أو آنية واستثنى الانتفاع بها مدة معلومة، أو باع كتابا وشرط أن ينتفع به مدة معلومة، فكل ذلك جائز؛ باع الدار والدكان والبهيمة والسلاح والآنية والكتاب، كل ذلك جائز إذا كان الانتفاع لمدة معلومة؛ لأنه من الثنية التي علمت». وقد وردت في بعض هذه الأدلة في بعض هذه المسائل أدلة خاصة، مثل ما روى الإمام مسلم في حديث جابر بن عبد الله في قصة بيع الجمل، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- اشترى من جابر بن عبد الله جمله، واشترط جابر: «حملانه إلى المدينة». اشترط حملانه إلى المدينة، أن يحمل إلى المدينة، فهذا الشرط: شرط صحيح أو غير صحيح؟ صحيح؛ لأنه معلوم، لو كان مجهولا لا يجوز. لو كان مجهولا لا يجوز، لو اشترط حملانه إلى أن يموت أحد أولاده فلان من ولده، هل هذا يجوز؟ لا يجوز، ولو كان معلوم المسمى، لكنه ليس معلوم الأجل، معلوم المسمى، لكنه غير معلوم الأجل. قال -رحمه الله تعالى-: «فإن كانت مجهولة لم يجز؛ لما فيه من الغرر». إن كانت هذه المدة في هذه الأمثلة والمسائل المذكورة مجهولة لم يجز؛ لما فيه من الغرر. قال: «ومثال الثاني: لو وقف عقارا واستثنى الانتفاع به مدة معلومة أو مدة حياته، أو أعتق رقيقا واستثنى خدمته له أو لغيره مدة معلومة أو مدة حياته، فهو جائز، مع أن مدة الحياة مجهولة». المثال الثاني في التبرعات، لاحظوا جعل المسألة بوجهين: بمدة معلومة، ومدة مجهولة. مدة معلومة -ما ذكرها؟- يعني تكون شهرا، أسبوعا، سنة. ومدة حياته، ومدة حياته هذه مدة مجهولة، ما يدري كم يعيش، الله أعلم كم يبقى حيا، ربما يموت قبل أن يموت صاحب المدة، أليس كذلك؟ لكن لأنه تبرع جازا، والدليل ما سمعنا، والدليل ما سمعنا من حديث من؟ من حديث سفينة: «أن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها وعنه- أعتقته واشترطت أن يخدم النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما عاش». طيب، في شيء في هذا هنا: تنبيه خطر في بالي الآن، وهو أن بعض التبرعات قد حد الشرع فيها حدا، فما حد فيه الشرع حدا فإنه ينبغي أن يتوقف عند ذلك الحد، مثل ماذا؟ من يستحضر؟ «الوصية» نعم، مثل الوصية، الوصية تبرع من التبرعات، لكن الشرع حد فيه حدا، فما دام كذلك فإنه يتوقف عند الحد، فلا وصية لوارث، وما كان بمعنى «لا وصية لوارث»، ولقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «الثلث والثلث كثير». وهكذا كذلك، باب التبرعات الأصل فيه الحل والتوسع والرخصة، إلا ما دل الدليل على التقييد والتخصيص والمنع، فإنه يتقيد بما ورد به الدليل. طيب إلى هنا، والله أعلم، وينتقل إلى الدرس الآخر.