الدرس في كتاب الطهارة 27، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الغسل الواجب يكون بإفاضة الماء على جميع البدن مع النية، ويشترط المضمضة والاستنشاق ودلك ما يمكن دلكه. يُندب تقديم غسل أعضاء الوضوء قبل الغسل.
الغسل يحتاج إلى نية ليميز بين العبادة والعادة، ويجب إرواء البشرة بالماء مع الدلك عند الحاجة. يسن تقديم غسل أعضاء الوضوء وتأخير غسل القدمين.
إذا كان الغسل للعبادة فإنه يجزئ عن الوضوء، وهناك خلاف بين أهل العلم حول الإجزاء في حالة الغسل غير العبادي. الأدلة الواردة تحتاج إلى دليل إضافي لتأكيد الإجزاء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: الغسل الواجب هو أن يفيض الماء على جميع بدنه، أو أن ينغمس فيه مع المضمضة والاستنشاق والدلك لما يمكن دلكه، ولا يكون شرعيًا إلا بالنية لرفع موجب الغسل، ويندب تقديم غسل أعضاء الوضوء إلا القدمين، ثم التيام. أورد رحمه الله تعالى هذا الفصل، وهو الآن في سياق كلامه على أحكام الغسل؛ لأنه قال: «باب الغسل». وقلنا: إن العلماء يقسمون كتبهم إلى كتب وأبواب وفصول؛ ذلك لفائدة كما مرت معنا في أوائل هذا الكتاب. والفصل هو كالاستثناء، وكالمبحث الخاص الذي له تعلق بالباب بالجملة، وله انفراج بأحكام خاصة من وجه آخر، ولهذا يجعل في فصل خاص. قال رحمه الله: «والغسل الواجب». ومراد بالواجب الذي يسكف الوجوب، ومعناه: ما دون هذا المذكور لا يجزئ الغسل؛ أي: لا يسكف الوجوب إلا بهذا المذكور. قال: «هو أن يفيض الماء على جميع بدنه»، أي: يصب الماء على جميع بدنه، كما وردت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ في صفة غسله. وقد أشار إلى هذه الأحاديث في الشرح، منها ما جاء في حديث عائشة في الصحيحين، وحديث ميمونة رضي الله تعالى عنها، وغيرها من الأحاديث الأخرى التي أشار إليها في الشرح، رحمه الله تعالى. قال: «أو أن ينغمس فيه مع المضمضة والاستنشاق». ودليل الاكتفاء والإجزاء بالانغماس الحادثة التي مرت معنا في أوائل كتاب الطهارة؛ كقول النبي ﷺ: «لا يقولن أحدكم: إني في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه». فدل على أن الانغماس في الماء مما يجزئ في إسقاط الغسل الواجب. وما كان بمعناه من الأحاديث يدل على هذا المعنى. فالانغماس في الماء يجزئ عن إفاضة الماء على البدن، بل هو أشد تعميمًا إذا كانت الإفاضة تعمم على الجسد، فالانغماس من باب أولى. قال: «مع المضمضة والاستنشاق»؛ على ما سبق من ذكر وجوب المضمضة والاستنشاق. قال: «والدلك لما يمكن دلكه». ومسألة الدلك فيها خلاف بين أهل العلم، والقول به هو قول جماعة من أهل العلم، ومنهم روي عن الإمام مالك رحمه الله، ولكن خصه في مواضع الاختفاء؛ والمواضع التي هي مظنة عدم وصول الماء إليها، مثل المغابن وعطف البطن والإبط ونحو ذلك من المواضع التي يخشى عدم وصول الماء إليها. وهذا هو القول الصحيح: أن ما كان من الجسد يحتاج إلى دلك فإنه يدلك. ودليل ذلك ما جاء عن النبي ﷺ من قوله وفعله مما يدل على هذا المعنى بعمومه. فمن فعله: أنه كان يصب الماء على شعره على رأسه حتى إذا ظن أنه أروى بشرة رأسه، يعني: المقصود هو الإرواء. فإذا كان هناك دلك فيكون الدلك المقصود منه هو إرواء البشرة. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «لما يحسن بعضها للعنى تحت كل شعرة جنابة». فهذا يدل على أن المقصود من الدلك هو إرواء الجسد بالماء. فإذا حصل بدون دلك فإنه يجزئ. فإذن يحتاج الدلك عند مظان عدم الإرواء؛ مثل ما مر معنا بكلام الإمام مالك رحمه الله: المغابن وعطف البطن والإبط ونحو ذلك. ومنه كذلك ما بين الأصابع، أو كذلك إذا كان هناك دهن أحيانًا يكون على الجسد دهن شديد فيحتاج عند ذلك أن يمرر الماء، أو يكون على الجسد شيء مثل بشرة السمك، أو كذلك شيء من أنواع الطلاء أو بقايا ذلك، أو كذلك أنواع من الزينة التي يكون لها جرم ويبقى على بعض أطراف النساء، فمثل هذا يحتاج إلى دلك وإزالة ما يمنع وصول الماء. قال: «ولا يكون شرعيًا إلا بالنية». ودليل ذلك هو عموم الأحاديث الواردة في هذا الباب: «إنما الأعمال بالنيات». ومر معنا أن النية شرعت للتفريق بين العادة والعبادة، وللتفريق بين العبادة والعبادة الأخرى. فالغسل في الحقيقة يلتبس غسل العادة بغسل العبادة؛ قد يغتسل إنسان للتبرد، وقد يغتسل غسل الجنابة لرفع الحدث واستباحة الصلاة. فإذا كان كذلك فإنه يحتاج إلى نية ليميز بين العبادة والعادة. قال: «لرفع موجب الغسل»، مثل جنابة أو إذا كان ميت ونحو ذلك. قال: «ويندب تقديم غسل أعضاء الوضوء». وهل معنى هذا في كلام المؤلف رحمه الله أن لكل نوع من أنواع موجبات الغسل التي مرت معنا - وهي سبعة فيما ذكرها المؤلف رحمه الله - أن لها نية خاصة؟ الجواب: لا، ليس لها نية خاصة، بل الصحيح أنه إذا حصل الغسل على الوجه الشرعي الصحيح فإنه يجزئ وتحصل به الاستباحة للصلاة. قال: «ويندب تقديم غسل أعضاء الوضوء». لماذا؟ لفعل النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث ميمونة، ومعناه في حديث عائشة. قال: «إلا القدمين»؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخر غسل القدمين في آخر شيء. والحكمة من ذلك قالوا: لأنه ربما كان في الموضع الذي يغسل فيه بقايا الاستنجاء، فمن الحكمة أن يبتعد عن ذلك الموضع ويغسل رجليه في آخر شيء. وعلى هذا فإذا قدم غسل القدمين فإنه لا حاجة لإعادته بعد ذلك. والسنة أن يؤخر ذلك كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «ثم التيام». كذلك من السنة التيام؛ لفعل النبي عليه الصلاة والسلام كما في الأحاديث المذكورة. وهكذا لعموم قول عائشة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ كان يعجبه التيامن في شأنه كله؛ في طهوره وفي شأنه كله». ومن الطهور الغسل. طيب، على هذا إذا لم يتوضأ وضوء الصلاة فهل يجزئ الغسل؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح ما ذكره المؤلف رحمه الله: أنه إذا كان وضوء عبادة فإنه يجزئ في استباحة الصلاة. وقد رويت في ذلك آثار كثيرة. وقد أشار رحمه الله إلى بعض الأحاديث التي فيها ذكر الغسل دون الوضوء، لكن فيها ضعف. وهذه الأحاديث وإن لم تصح إلا أن معناها صحيح؛ لوجود الأمر بالغسل في عموم الكتاب وعموم السنة، وليس فيها ذكر الوضوء. وعدم ذكر البيان وقت الحاجة ممتنع؛ فدل ذلك على عدم الإلزام بالوضوء مع هذا الغسل، لكن يكفي أن يكون غسلًا شرعيًا. ومن ذلك أنه لا يفعل شيء من نواقض الوضوء؛ فمثلًا إذا انتقض عليه الوضوء بحدث - مثلًا هواء أو شيء - أثناء الغسل فإنه يحتاج إلى أحد أمرين: إما أن يتوضأ وإما أن يعيد الغسل. والغسل الكامل هو الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام: أن يقدم عليه الوضوء كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب. هل في شيء؟ نعم، يجزيه عن الوضوء. السؤال: إذا يريد أن يغتسل، ما في بأس، لا شك أنه جائز الغسل، لكن ما هو السؤال؟ هل يجزيه بدون وضوء؟ هذا السؤال. نعم، ويجزي عن الوضوء، لا في خلاف بين أهل العلم. السؤال: فهمتم، يقول أخونا أبو عبد الله: إذا كان الرجل اغتسل غسلًا ليس غسلًا واجبًا، اغتسل غسلًا مباحًا أو مستحبًا، وهيئة وصورة هذا الغسل مثل غسل الجنابة مثلًا، ولم يتوضأ ولم يتوضأ معه، فهل يجزئه مثل ما نقول مثل ما قلنا في غسل الجنابة؟ هل يجزئه عن الوضوء؟ الجواب: أن هذا في خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: إنه يجزئه، فما قيل بالإجزاء في تلك الأحاديث. ومن أهل العلم من قال: لا يجزئه؛ لأن المقام مقام تعبد، وما جاء إجزاؤه في الشرع في غسل العبادة خاصة فإنه ينحصر فيه. وهذا القول هو الأقوى، وهو الذي كان يقول به شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. فإذا كان الغسل ليس غسل عبادة فإنه لا بد له من وضوء. فإن قال قائل: ما هو الدليل على التفريق؟ نقول: الدليل على التفريق هو الدليل؛ لأن الدليل الذي دل على إجزاء الغسل دون الوضوء هو دليل غسل العبادة فقط. فالتعدي إلى غسل غير العبادة يحتاج إلى دليل. التعدي إلى غسل غير العبادة يحتاج إلى دليل. أدلة الكتاب والسنة الدالة بالإجزاء في الغسل دون الوضوء دون ذكر الوضوء جاءت في الغسل الذي هو غسل عبادة. وما سوى ذلك لم يرد به الدليل، فيحتاج إلى دليل. والأصل هو الإلزام في الوضوء، والله تعالى أعلم. وبهذا القدر نكتفي، وإلى هنا والحمد لله.