كتاب الأيمان  2

كتاب الأيمان 2

الدرس في كتاب الأيمان 2، تابع كتاب الأيمان . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

اليمين الغموس واللغو وحقوق المسلم

تناول المقطع شرح اليمين الغموس واللغو، حيث أوضح أن اليمين الغموس تغمس صاحبها في النار ولا كفارة لها إلا التوبة، واليمين اللغو لا يؤاخذ الله بها. كما تطرق إلى حق المسلم على المسلم في إبرار القسم.

أحكام كفارة اليمين

كفارة اليمين تكون بإطعام أو كسوة عشرة مساكين أو تحرير رقبة، فإن لم يستطع صام ثلاثة أيام. يجب إطعام المساكين من أوسط ما يطعم الإنسان أهله ولا يجوز الانتقال للصيام مع الاستطاعة.

تفاصيل فقهية حول اليمين والحلف

يناقش المقطع مسائل فقهية متعلقة باليمين مثل نية الحالف والحلف على الغير وتكرار الحلف وكفارة اليمين وتناول الكفارة وكسوة المساكين.

تسمية الكساء وكفارة اليمين

يمكن تسمية أحد الثلاثة كساء إذا توفرت فيه الشروط، وقد نوقش هذا الموضوع حتى الختام بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «قال ومن حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى، ولا حنث عليه». مر معنا من مسائل هذا المبحث -مبحث الأيمان- أنه رحمه الله ذكر الاستثناء، وعلمنا أن معنى الاستثناء هو قول الحالف: «إن شاء الله»، فمن حلف فقال: «إن شاء الله» لم يحنث. وفي رواية: «فلا حنث عليه»، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه المسألة أظنها مرت علينا في الدرس السابق. قال: «ومن حلف على شيء فرأى غيره خيرًا منه، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه». هذا أخذناه كذلك. ومن أُكره، قال رحمه الله تعالى -أظن أخذنا شيئًا من الإكراه- ثم قال رحمه الله: «ومن أُكرِه على اليمين فهي غير لازمة، ولا يؤاخذ بالحنث فيها». وهذا أخذناه، وسبق أن أخذنا أن اليمين الموجب للكفارة ما كانت فيه أحد أمور ثلاثة، أو على العكس نقول كذلك بتعبير آخر: من توفرت فيه أحد خصال ثلاث، فلا يكون على أمر ماض، ولا يكون فيما ينافي الاختيار، وأن يكون في العمد. قال: «واليمين الغموس هي التي يعلم الحالف كذبها، ولا مؤاخذة باللغو». ومن مسائل هذا الكتاب -كتاب الأيمان- أن اليمين الغموس قال: «وهي التي يعلم الحالف كذبها»، أي أن هذه اليمين الغموس ليس فيها كفارة، وذلك لما جاء في صحيح البخاري وغيره عن عبد الله بن عمر -أو عبد الله بن عمرو- أن أعرابيًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «ما الكبائر؟» فذكر النبي صلى الله عليه وسلم الكبائر، قال: «واليمين الغموس»، فسأل فقال: «وما اليمين الغموس؟» قال: «التي يقطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها كاذب». فهذه اليمين ليس فيها كفارة، وسميت غموسًا لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم والعياذ بالله، وهي لا يكون فيها كفارة؛ لأن الحلف فيها -كما تقدم- ليس على أمر مستقبل، وإنما على أمر ماض، فهو بين الصدق والكذب أو الصواب والخطأ. ولكن لما كانت في اقتطاع مال امرئ مسلم وهو كاذب، كانت في الصدق والكذب، ولما كانت كاذبة هذه اليمين صارت غموسًا؛ أي تغمس صاحبها في نار جهنم، وهو من كبائر الذنوب، بل من أكبر الكبائر. فمن حلف على شيء كاذبًا اقتطع بها مال امرئ مسلم، فهو فعل كبيرة من الكبائر، ولا يكفر ذلك إلا التوبة والتحلل من خطيئته، لا يكفرها كفارة اليمين كما يظن بعض الجهلة. وهكذا كذلك، حتى لو لم يقطع مال امرئ مسلم، لو حلف كذبًا في أمر ما، كشهادة شهادة زور، أو كذلك افتراء وبهتان، وغير ذلك من معاني الكذب وحلف يمين، فلا تكفر هذه اليمين الكفارة، إنما التوبة والتحلل من المظلوم. ثم انتقل رحمه الله إلى اليمين اللغو، فقال: «ولا مؤاخذة باللغو». واليمين اللغو هي اليمين التي لا يقصد صاحبها اليمين فيها، كما تقدم معنا في حديث عائشة، وأشار إليه رحمه الله في الشرح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلا والله»، يعني يجري، يسبق على لسانه وهو لا يريد الحلف، مثلًا تقول للضيف اليوم: «إن شاء الله عندنا»، فيقول: «لا أنا مسافر إن شاء الله»، وتقول: «لا والله تجلس تتغدى»، فيقول: «هو كذلك لا والله أنا عندي موعد»، وتقول: «بلى والله تجلس»، فمثل هذا من لغو اليمين الذي لا يؤاخذ الله به، ما جرى على اللسان ولم يعقد القلب عليه اليمين، يسبق اللسان القلب. وأما ما عقد القلب عليه اليمين، ففيه الكفارة. ومثله كذلك لو تحالف اثنان في أمر ما، كل منهما يريد أن يمضي يمينه، فهنا يقال: إن كان أحدهما عقد اليمين، ينبغي للآخر أن يبر من عقد اليمين، ومن كان يمينه لغوًا ينبغي أن يتسامح في أمره. فمن حقوق أهل الإسلام بعضهم على بعض إبرار المقسم، وهذا ما سيأتي إن شاء الله. قال: «ومن حق المسلم على المسلم إبرار قسمه». لما ذكر اللغو، ناسب أن يذكر بعده الإبرار، وأشار إلى ما جاء في الصحيحين من حديث البراء وغيره في حق المسلم على المسلم إبرار القسم. ولا شك أن حق المسلم على المسلم إبراره في قسمه، ما لم يكن قسمه فيما يخالف الشرع. فمثلًا مما يخالف الشرع الوقوع في الإثم أو التخلف عن واجب، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا إبرار في معصية الله. يحلف عليك: «والله لا تذهب»، أسألك بالله لا تذهب -يعني إلى المسجد مثلًا- كيف لا أذهب إلى المسجد إذا كان صلاة الجماعة واجبة، لابد أذهب. وهكذا كذلك إذا كان إبرار المقسم فيما فيه ضرر على النفس أو على الغير، فلا يجوز الإبرار فيه، لا ضرر ولا ضرار. كما لا يجوز له كذلك أن يحلف عليك. لكن لجهل بعض الناس قد يحلف. فكل ما كان فيه منافاة لما جاء في الشرع بعمومات نصوصه، فليس فيه إبرار، إنما الإبرار في البر والمباح. ما كان من بر، مثلًا أقسم عليك أن تأتي معه إلى مكان فيه علم، فأبر قسمه. أقسم عليك أن تذهب معه إلى المسجد، أبر قسمه، ما دام لا يضر، وهو خير وبر. حتى المباح أقسم عليك أن تأكل من طعامه، كذلك أبر قسمه، وكل من طعامه، إن كان به ضرر عليك فاعتذر وبيِّن له أن لك عذر في ذلك. وأشار في الشرح إلى حديث أبي هريرة، عن عائشة -وأشار المعلق إلى ضعفه- في قصة عائشة أن امرأة أهدت إليها تمرًا، فأكلت بعضه وبقي بعضه، فقالت: «أقسمت عليك إلا أكلت بقيته»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كليه فإن الإثم على المحنث». ورجاله رجال الصحيح، لكن الحديث فيه ضعف كما أشار المعلق. فيما ترون، فقد ذكر أبو داود في المراسيل لانقطاعه. لكن معناه صحيح؛ يعني إبرار المقسم مطلوب، وأما القصة فلم تصح. ثم ختم رحمه الله تعالى هذا الكتاب بذكر كفارة اليمين التي تجب إذا وقع الحنث. وكفارة اليمين على ما جاء في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، هو مخير في هذه الخصال الثلاثة. فإن لم يستطع هذه الخصال الثلاث، يصوم ثلاثة أيام. فصيام ثلاثة أيام، وهذا إذا عقد اليمين على هذا القول والفعل، وحنث في يمينه؛ يعني ما استطاع أن يبر يمينه، أو رأى الخير في عدم الإبرار باليمين كما تقدم بيانه وتفصيله. وأشار إلى الآية في هذا الباب، ومرت معنا كذلك أحاديث تدل على معنى ذلك. وهنا تنبيه يخطئ الكثير من العامة، إذ ينتقلون إلى الصيام مباشرة مع استطاعتهم لأحد الخصال الثلاث. فلا يجوز للمسلم أن ينتقل إلى الصيام وهو يستطيع الإطعام، إذا كان يستطيع الإطعام، فعليه أن يطعم عشرة مساكين. وانتبه لقول الله عز وجل: «فيطعم عشرة مساكين»، فلابد من عشرة. العامة بل وبعض طلبة العلم يخطئ فيكرر الكفارة على الأكثر، أو على الأقل من عشرة، مثلًا أسرة فيها خمسة يعطيهم كفارة يمين، هذا لا يكفي، لابد أن تطعم عشرة. إذا لم تجد العشرة فكرر، لكن الأصل عشرة، لابد من عشرة؛ لأن الله قال: «عشرة». إذا عجزت عن العشرة، فبعد ذلك جاز لك أن تكرر على الخمسة أو على السبعة أو نحو ذلك. لكن من البداية وقبل البحث، ولا أظن في هذا الزمان يعجز الإنسان عن إيجاد عشرة مساكين، وليس شرط أن يكونوا في أسرة واحدة، ممكن أسرة خمسة وأسرة أخرى خمسة، أو أسرة ثلاثة وأسرة سبعة، أو حتى مفرقين واحد واحد وهكذا. كذلك ننتبه إلى قول الله عز وجل: «من أوسط ما تطعمون أهليكم». ومعناه الغالب المعتاد الذي اعتاده الإنسان في طعامه، يطعم ويخرج به ما يطعم عشرة مساكين. فمثلًا بعض الناس الغالب المعتاد من طعامه في غذائه الرز والسمك -مثل بلادنا هذه- فإذا يخرج من هذا الغالب المعتاد يطعم عشرة مساكين، سواء هذا الطعام ناجحًا ناضجًا أو يخرج بما يعادله نيًا، مثلًا إذا كان الغالب، المعتاد يقدر بمئة ريال، فيخرج ما يعادله لعشرة مساكين، مثلًا من الأرز الني الذي لم يطبخ، بما يعادل لكل واحد مئة ريال؛ يعني أنت زدته في مقابل تجهيز هذا الطعام، فتخرج له مثلًا الأرز الني غير المطبوخ بألف ريال لعشرة مساكين. وقد يختلف الحال مع إنسان فقير. فمن رحمة الله وحكمته أن جعل الكفارة تختلف باختلاف أحوال الناس وحاجتهم. فالفقير الذي غالب قوته -مثلًا- الرز الحاف، رز صافي ما عنده شيء معه، فلا يجب عليه أن يخرج إلا ذلك، رز حاف، ما دام يستطيع أن يخرج هذا، يخرج يطعم عشرة مساكين رز حاف. ثم من يعطى هذا إذا احتاج أن يزيد شيء فوق طعامه، زاد، زاد فوق طعامه ما شاء. لكن أنت ما وجب عليك إلا هذا. وإن شئت أن تزيد أكثر من هذا فذلك لك. كما أن الغني يخرج من وسط طعامه، ووسط طعامه ليس كالأول ولا الثاني، بل القوت المعتاد الذي يأكل به. فمثلًا إن كان غالب قوته المعتاد الرز والدجاج -مثل بعض بلادنا المجاورة، البلدان المجاورة- ربما غالب قوت الناس الرز والدجاج، فإذن يخرج ماذا؟ الوسط: الرز والدجاج بما يعادل القيمة، الرز والدجاج. إذا ما استطاع أن يخرج مطبوخًا، وأراد أن يخرج غير المطبوخ، فيخرج بقيمته من غير المطبوخ. وهذا كذلك جائز. ومما ينبه عليه من المسائل في هذا الكتاب -لكثرة السؤال عنها وحاجة الناس إليها- هل على الصغير كفارة أم لا؟ والصحيح من أقوال أهل العلم أن الصغير عليه كفارة إذا كان قد بلغ سن التمييز، وبلغ العشر سنين على وجه التخصيص، تلزم هذا الصبي الكفارة. فإن كان عنده مال من ماله، أو ممن يعطيه من أوليائه، يطعم عشرة مساكين؛ لأنه في سن التعليم والإلزام بشرائع الدين. قال عليه الصلاة والسلام -كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في السنن-: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع». وتكرر معنا في دروس كثيرة سابقة أن هذا الحديث استنبط منه العلماء أن سن التعليم للصغار سبع سنوات، وسن الإلزام عشر سنوات. فينتبه لهذا؛ حتى يتعود الأطفال تعظيم اليمين، فاليمين جعلت فيها الكفارة تعظيمًا لله سبحانه وتعالى؛ حتى لا يتلاعب بها أحد، ولا كذلك يتساهل في أمرها أحد. وهذا مما يغفل عنه الكثير من الناس من الآباء والأمهات، يسمعون أبناءهم، ويسمعون كذلك البنات يحلفون ويحلفن ولا يبالون. وفي قضية تعليم هؤلاء مسألة الحنث في اليمين. وهكذا كذلك من المسائل أن اليمين على نية الحالف، وإذا استحلف كذلك على نية المستحلف. ففي الخصومات اليمين على نية المستحلف، كما ثبت بصحيح مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام. مثلًا: دعيت للشهادة فاستحلفت، هل رأيت فلانًا؟ ما يجوز أنك تقول: «إنما الأعمال بالنيات»، تقول: «لا ما رأيت»، وأنت تريد فلانًا آخر. فإن هذا من الكذب بالشهادة، ومن شهادة الزور التي يلحقك فيها وعيد شهادة الزور؛ لأن اليمين على نية المستحلف، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وبفتح هذا الباب والتحايل فيه، يكذب الناس ويضيعون الشهادات، وتقع في هذا المظالم والفساد. لكن لأجل أن يغلق هذا الباب، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن اليمين على نية المستحلف، ليس على نية الحالف، خصوصًا في الخصومات. وأما في غير الخصومات، ما أحد استحلفك، أنت حلفت من نفسك، فاليمين على نية الحالف. اليمين على نية الحالف. فمثلًا أنت حلفت يمين، قلت: «والله لا تذهبي إلى بيت فلانة، إن ذهبت فأنت طالق». فهنا يقولون: ماذا تريد بهذا اليمين؟ هل تريد يمينًا خالصة أم تريد التطليق أو ماذا؟ هنا مثلًا التبست اليمين بالطلاق. فإن قال: «أنا نية اليمين والطلاق»، فيقال: «إن ذهبت فبالنسبة للطلاق تطلق، وبالنسبة لليمين مسألة أخرى». هل يجوز حلف اليمين على الغير؟ وهل تجب فيه الحنث؟ وهذا فيه خلاف. والصحيح: لا؛ لأن هذا ليس مما يملك ابن آدم؛ يعني أنت مخاطب بنفسك لا بغيرك. تقول: «والله لا تذهب يا زيد إلى بيت فلان»، هل إذا ذهب زيد تجب عليك كفارة اليمين؟ الصحيح: لا. لكن أنت ممن لم يعظم حرمات الله؛ لأنك حلفت في شيء لا تملكه، وهو إذا كان حلفك في شيء بر أو مباح، ينبغي عليه أن يبر قسمك، ينبغي أن يبرك في القسم الذي أقسمت. لكن أنت لا يجوز لك أن تحلف على ما لا تملك؛ لأن ذلك ليس فيه تعظيم لحرمات الله، ولكلمة الله في اليمين. لكن إذا حلف على نفسه، قال: «والله لا أذهب بيت فلان»، فهنا في مثل هذا المقام تقع الكفارة إن حنث في يمينه؛ يعني إن خالف اليمين. وهكذا قل في أشياء كثيرة يحلف الحالف فيها، فيكون الأمر على نية الحالف. ونبه العلماء هنا أن اليمين على نية الحالف، بشرط إذا احتملها اللفظ، إذا احتمل اللفظ نية الحالف فله ذلك. كان يقول مثلًا: «والله لا أذهب بيت فلان»، ثم ذهب، قالوا له: «كيف يا فلان أنت ذهبت؟» قال: «أنا نويت ألا أذهب في حالة وجود فلان». فهنا ينظر هل هناك قرينة أو في اللفظ ما يشعر إلى هذه النية؟ فإن وجد في اللفظ ما يشعر ذلك واحتمله، فكانت النية كذلك. وإن لم يكن يعلم أنه لا ينبغي له أن يتوسع في باب النية، وهو لا يجد برهانًا ولا كذلك قرينة تدل على هذه النية؛ حتى لا يتلاعب الناس بأيمانهم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يمينك على ما يصدقك صاحبك». واستدل العلماء بهذا على الأخذ في نية الحالف، أو اليمين بالقرينة، بالقرينة وما يحتمله الكلام والسياق، فينبغي اعتبار مثل هذا في مثل هذا المقام. نعم، هذا من المسائل التي يكثر السؤال عنها: إذا كرر الحالف الحلف في فعل واحد، هل تجب به كفارة أو كفارات؟ اختلف أهل العلم في هذا، والصحيح فيه التفصيل: إن كان هذا الفعل الواحد قد فعله وكفر فيه، فيلزمه كفارة أخرى. مثلًا: كرر الحلف يوم السبت، حلف أن لا يدخل بيت فلان، ثم دخل وكفر عن يمينه، ثم حلف يوم الإثنين، وحلف يوم الثلاثاء، وحلف يوم الأربعاء، وحلف يوم الخميس ويوم الجمعة، دخل. فهنا يكفيه أن يكفر مرة واحدة؛ لأن الحلف على شيء واحد إذا تفرق، إذا حلف على شيء واحد ففعل الكفارة، فلا تجزيه ما فعل، بل تلزمه مرة أخرى. إذا كانت الأيمان في شيء واحد تلزمه كفارة واحدة. وأما إذا حلف على شيء ليس واحدًا، وإنما متعدد، أيمان كثيرة في أشياء متعددة، حلف أن لا يدخل دار فلان، ودار فلان آخر، ودار فلان ثالث، وفلان رابع، ثم دخل هذه البيوت كلها. ما دامت أيمان متكررة، ولكن في أعمال متفرقة، فإنه يلزمه فيها كفارات بحسب تلك الأعمال. وأما إذا كانت في يمين واحدة أعمال كثيرة، فتلزمه كفارة واحدة. أعمال كثيرة في يمين واحدة: «والله لا أدخل بيت إخواني فلان، فلان، فلان»، ثم رجع فرأى أن الذي هو خير أن يدخل هذه البيوت، فهنا يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير. فهذا هو خلاصة هذه المسألة، وهو الصواب -والله أعلم- التفصيل بنحو ما سمعتم. يقول: هل يجوز أن يأكل الرجل من كفارته بأن يأكل مع من جعل الكفارة لهم وهم عشرة؟ وإذا لم يجوز له الأكل معهم، فهل يجوز له الأكل من الطعام الزائد بعدهم؟ الجواب: يجوز أن تأكل معهم، وأن تأكل بعدهم، لكن بشرط أن لا تضر بهم في أكلك معهم؛ يعني تزيد عن أكل عشرة، أنت مأمور بطعام عشرة، إذا دعوتهم وحططت طعام يكفي أكثر من عشرة، وكل مع هؤلاء العشرة، لا بأس. فمثل هذا -إن شاء الله- جائز. أو وضعت طعام العشرة، فأكل العشرة كفايتهم، وزاد الطعام، إن وجدت غيرهم من المحتاجين ممن يصح أن يعطوا من هذه الكفارة؛ لأنها للمساكين، والمسكين أرفع حالًا من الفقير. فإذا وجدت من يحتاجها من المساكين، أعطيت هذا الباقي للمساكين. وإن لم تجد، إذا خشيت أن يتلف، ولا يقبله منك أحد، فلا شك أنك أولى به من أن يرمى. فضل اللباس بحسب العرف. فيطعم عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم. ما هي هذه الكسوة؟ قال العلماء: يرجع في ذلك إلى العرف. فإن كان العرف يقضي بأن بعض أجزاء الجسد -أجزاء الجسد المتكاملة- أربعة: الرأس، والصدر، والخصر -أسفل- والرجلين -القدمين- يعني النعال. فهذه تسمى كسوة. فإن كان العرف يقضي بأن أحد هذه الأربعة تسمى كسوة، فيعد هذا من الكسوة. فقد تكون الكسوة بعمامة، وقد تكون الكسوة بإزار، وقد تكون الكسوة بالرداء. وأكمل الكسوة أن تكسيه من رأسه إلى قدمه. يعني إذا إنسان وسع الله عز وجل عليه، وقال: «أنا أريد أن أكسو عشرة مساكين كفارة اليمين»، ما هو أكمل الكسوة؟ يقال له: أكمل الكسوة من رؤوسهم إلى أقدامهم، تعطيهم عمامة كل واحد من العشرة، أو ما يقوم مقام العمامة من قلنسوة مثلًا، وهكذا، وأنت نازل. إن كان توب أو توب أو فنيلة في الأعلى، وإزار في الأسفل، ونعال. فهذا أكمل الكسوة. وهل يجزئ أن يكون أحد هذه الأربعة -كما قلنا- يرجع هذا إلى العرف. وأكثر أهل العلم أنه يجزئ أحد الثلاثة؛ يعني إزار لوحده يجزئ؛ فإنه كسوة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى الإزار لوحده كساء -كما في قصة الواهبة- إن الرجل قال: «أكسيها يا رسول الله إزاري». قال: «إن كسيتها إزارك، بقيت بلا إزار». فسماه النبي صلى الله عليه وسلم كساء، سماه عليه الصلاة والسلام كساء. فالإزار لوحده كساء بالشرع، وهو كذلك إلى اليوم في عرف الناس. وهكذا الرداء ما كان يستر أعلى الجسد، كذلك يسمى كساء. حتى العمامة في عرف أكثر الناس كذلك كساء. فإذا كان كذلك، فيجزئ أحد هذه الثلاثة أن يسمى كذلك كساء. إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، السلام.