كتاب الأطعمة  5

كتاب الأطعمة 5

الدرس في كتاب الأطعمة 5، باب الصيد , باب الذبح . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الصيد والذبح في الإسلام

يتناول هذا الفصل شروط حل الصيد وأحكام الذبح في الإسلام، بما في ذلك شروط الذبح الحلال وأهلية الذابح وضرورة ذكر اسم الله عند الذبح. كما يشير إلى تحريم تعذيب الذبيحة واستثناءات الميتة التي تحل في حالات معينة.

تفاصيل شروط التذكية الشرعية

يتناول هذا الفصل شروط التذكية الشرعية، حيث يذكر الشرط الثاني وهو الذبح بالمحدد مثل السكين، والشرط الثالث وهو إنهار الدم عند الذبح. كما يفسر الحديث النبوي حول تحريم استخدام السن والظفر في الذبح ويشرح العلة وراء ذلك.

شروط قبول العمل عند الله

يتحدث هذا الفصل عن الشرطين الرابع والخامس لقبول العمل، وهما التسمية والقصد، ويشير إلى أن بعض العلماء لم يذكروا الشرط الخامس بينما أكده شيخ الإسلام ابن تيمية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما زلنا في مسائل باب الصيد، وقد تقدم معنا في الدرس السابق الكلام على أوائل ما ذكر رحمه الله في هذا الباب، وعلمنا فيما سبق وذكر في الشرح أن للصيد شروطًا حتى يحل، فما هي هذه الشروط؟ نعم، من يذكرها أو بعضها؟ تفضل، التسمية، نعم، الثاني، ها من يسردها، برهان نيته أو قصده، نعم، أهلية الصائد، وهذه الأهلية تكون بثلاث صفات، ما هي؟ مسلمًا أو كتابيًا، عاقلًا، فعاقل المكلف هو العاقل من المميز، نعم، يكون عاقلًا لأنه ليس من شرطه البلوغ، ليس من شرطه البلوغ، يكفي أن يكون مميزًا ولو لم يبلغ. طيب، هذه الآن ثلاثة شروط: التسمية، القصد، الأهلية، أن يكون بآلة حادة، نعم، أن لا يكون فيه شبهة، فهذه خمسة شروط يكون بها حل الصيد. الشرط الأول: الأهلية الصائد، والشرط الثاني، وقلنا الأهلية أن يكون الصائد مسلمًا أو كتابيًا عاقلًا مميزًا، والشرط الثاني أن يسمي، وليس من شرط التسمية، وهذا ننبه عليه لأنه يكثر السؤال عنه، ليس من شرط التسمية أن تكون ملازمة للرمي، ولو تأخرت قليلًا، يعني سبقت التسمية فلا بأس. مثلا اليوم الصياد قد يحتاج لرمي الصيد عدة طلقات، هل يلزم في كل طلقة أن يقول بسم الله؟ هذا مشقة، والمشقة تجلب التيسير، لكن يكفي إذا كما نقول نحن شحنا وهيأ الرصاص للضرب قال بسم الله، كفاه ذلك، كفاه ذلك، فما رمى بعده فهو إن شاء الله حلال بهذه التسمية. ولا يشترط في كل رمية أن يقول بسم الله، لأن هذا فيه مشقة، ولا يستطيعه الإنسان، ولو استطاع بعضه لكان كذلك فيه مشقة، لكن يكفي أن يقول بسم الله عند شحن الرصاص وتهيئته للضرب، ويرمي بعد ذلك، أو إذا توجه إلى الصيد وأراد أن يرمي يقول بسم الله، فما رمى الأولى أو الثانية أو العاشرة، فيكفيه البسملة عند توجهه للصيد قبل الرمي. وهكذا كذلك من الشروط أن يكون الصيد بآلة حادة أو الحيوان المعلم، ليس السن والظفر، أي الآلة الحادة، وسيأتي هذا إن شاء الله في حكم التذكية، وعلمنا كذلك شروطًا في الحيوان المعلم، ما هي شروط الحيوان المعلم؟ علامة التعليم، ما هي علامة التعليم؟ أن يسترسل إذا أرسل وينزجر إذا زجر، وأن لا يأكل من الصيد، هذا بالنسبة، نعم، دون الطير. وأما الطير فشرطان: أن يسترسل إذا أرسل وينزجر أو يرجع إذا دعي، يرجع إذا دعي، هذا أحسن من التعبير والإنزجار، لأنه قد لا ينزجر عن الأكل. وهكذا كذلك من الشروط القصد، أن يقصد في هذا الصيد الصيد، فما كان من خطأ لا يحل هذا الصيد، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. طيب، قال رحمه الله تعالى: «ما صيد بالسلاح الجارح والجوارح كان حلالًا إذا ذكر اسم الله عليه»، وعلمنا دليله في حديث عدي بن حاتم وأبي ثعلبة الخشني رضي الله عنهما. قال: «وما صيد بغير ذلك فلابد من التذكية»، يعني إذا صيد بغير السلاح الجارح، أي الحاد، ولا الجوارح، أي المعلمة، بأن يصيد بالكلاب غير المعلمة، فهنا يجوز الصيد، لكن لا يحل هذا الصيد إلا أن يذك، إلا أن يذك، لما جاء معناه كذلك في الحديث التي قرأناها، وأشير إلى هذا الحكم. وقوله: «وقال: وإذا شارك الكلب المعلم كلب آخر لم يحل صيدها»، لما ورد في الفاضي هذه الأحاديث، حديث عدي بن حاتم، وجاء عن غيره، وقد أشار إلى بعض الروايات من ذلك، ففي لفظ الصحيحين ما يدل على ذلك، أي إن وجدت كلبًا آخر مع كلبك فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهم أمسك، يعني فقتل. وأما إذا أدركته حيا فلا بأس، فأنت ستذكي، فيكون تحليل هذا الصيد بتذكيته. قال رحمه الله تعالى: «وإذا أكل الكلب المعلم ونحوه من الصيد لم يحل»، فإنما أمسك على نفسه، وهذا دليله ما جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث أو هذه الأحاديث، كقوله عليه الصلاة والسلام: «فكل مما أمسكنا عليك»، أو «فكل مما أمسكنا عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل»، فإني أخاف أن يكون أمسك لنفسه. وفي لفظ في حديث ابن عباس، وهو حديث الحسن، وأشار إليه بالشرح: «إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل، إنما أمسكه على نفسه»، فإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل، فإنما أمسكه على صاحبه، وهذا هو الواجب في هذا المقام. وجاء في بعض الألفاظ كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، كما في رواة البخاري: «كل مما أمسكنا عليك، وإن قتلنا، فما دامت لم تأكل فيؤكل من هذا الصيد»، وأما إذا أكل فلا، كما جاء صريحًا في حديث ابن عباس، وفي الرواية التي سمعناها. وأما ما أشار إليه في الشرح في رواية حديث أبي ثعلبة الخشني، وهي عند أحمد وأبي داود، وفي لفظها: أنه قال: «ذكي أو غير ذكي، أو لم يذكى، وأكل منه أو لم يأكل منه»، يعني أنه أجاز له أن يأكل من الصيد سواء ذكي أو لم يذكى، وسواء أكل الصيد منه أو أكل الجارح من الصيد أو لم يأكل من الصيد. فهذا الحديث مع ما أشار إليه من ضعف، ففي إسناده داود بن عمر الأودي، وفيه ضعف، ولا يتحمل مخالفة الثقات، فأصل الحديث في الصحيحين، ويؤيده حديث ابن عباس، وليس فيه عدم التفريق بين ما إذا أكل لنفسه أو لم يأكل، وإنما العكس فيه التفريق بين ما إذا أكل لنفسه فلا يؤكل منه، وبين ما إذا لم يأكل فإنه يؤكل منه، وهذا هو الصحيح. وعلى تقدير صحته، مع أن الحديث كما أشار المعلق معل، قد عله عدد من أهل العلم قديمًا وحديثًا لهذه المخالفة، فقد خالف من هو أوثق منه، أي داود بن عمر الأودي. فعلى تقدير الصحة، فسره العلماء جمعًا بينه وبين الأدلة الأصح، بأن هذا يحمل ما إذا أمسك الصيد ولم يأكل منه، ولكن أكل بعد تسليمه لصاحبه، إما لأن صاحبه أذن له، وإما أن يكون بين صاحب هذا الجارح والجارح عرف أنه له أن يأكل منه بعد تسليمه، فيصير هذا من معنى التعليم والإنزجار. فعلى هذا المعنى يكون لا معارضة بين هذه الروايات، وأما أن يحمل على إطلاقه أنه يجوز أن يأكل من مما أمسك الجارح من الصيد وأكل، فهذا ليس بصحيح لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا الباب. كما أنه ينبه هنا أن هذا الحكم خاص بالكلاب وما كان بمعناها، وأما الطيور فليس كذلك، وقد نقل غير واحد من أهل العلم اتفاق أهل العلم أن هذا الحكم لا يلحق بالطير، لأن الطير ليست كالبهائم في التعليم، ليست كالكلب ولا ما كان بمعناه في التعليم، فلذلك المشقة تجلب التيسير، فرخص العلماء في ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وإذا وجد الصيد بعد وقوع الرمية فيه ميتًا ولو بعد أيام في غير ماء كان حلالًا ما لم ينتن أو يعلم أن الذي قتله غير سهمه»، وهذا لما جاء كذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤكل من الصيد إذا وجد، أي بعد وقت، ما لم يتغير، أي هذا الصيد. وأشار في الشرح إلى بعض هذه الروايات، وفيها هذا المعنى، وقد صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير وجه. وأما إذا تغير فلا يجوز؛ لأجل الضرر والخبث، وإن لم يتغير فهو على أصل حله. وفي رواية حديث أبي ثعلبة الخشني: «وإن تغيب عنك ما لم يصل»، يعني ما لم يتغير، أو تجد فيه أثر غير سهمك، يعني فإنك بهذا لا تدري لعله قتل بسهم من لا تحل ذبيحته، ولا يحل صيده. وقد تقدم معنى أثر بن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهما في هذا الباب، فلابد من الأهلية، فضلًا أنه قد يكون سهم خاطئ، والسهم الخاطئ لا يحل الصيد من المسلم، فضلًا عن غيره. وقوله كذلك في هذا الباب: ما معناه أنه إذا صيد بغير ما تقدم فإنه لا يشرع؛ لأن هذا المذكور هو الذي دلت عليه الأدلة، وما لم يكن كذلك فلابد من التذكي فيه. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن أدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله»، فإن أخذ الكلب ذكاه، يعني إمساك الكلب مثل الذكاة. فعلم أنه إذا أدرك الصيد حيا وجب عليه أن يذكيه، وما لم يدرك فإنه إن كان أمسكه لك فلم يأكل منه فهو حلال، وإن أكل منه فهو لا يجوز. وهكذا كذلك إذا لم يكن فيه مظنة قتل آخر، إما ما أو سهم لا تدري من أين أصابه، ونحو ذلك مما أشير إلى معناه في الشروط. وبهذا يكون قد ذكر أهم مسائل الصيد، وقد أشار بالشرح إلى عدة أحاديث تدل على هذه المسائل، فمن أراد الاستزادة فليقرأ وينظر في الشرح إلى تلك الأحاديث وألفاظها التي أشار إلى بعض هذه المسائل التي ذكرها. ومن ذلك مثلا ما ختم به مسائل الباب في رواية الإمام البخاري وغيره في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل»، وهذا يدل على هذه القاعدة التي يتعلق بها حكم حل الصيد، ألا يكون فيه مظنة التحريم. فإن وجد فيه مظنة التحريم فإنه لا يأكل منه؛ لأجل الاشتباه، وهذا عام ليس خاصًا بالماء، بالماء وسهم الغير، ووجود الكلب غير المعلم، ونحو ذلك مما هو مظنة عدم التحليل. قال رحمه الله تعالى: باب الذبح، قال: هو ما أنهر الدم وفر الأوداج وذكر اسم الله عليه، ولو بحجر أو نحوه، ما لم يكن سنا أو ظفرًا، ويحرم تعذيب الذبيحة والمثل بها وذبحها لغير الله. وإذا تعذر الذبح بوجه جاز الطعن أو الرمي، وكان ذلك كالذبح، وذكات الجنين ذكات أمه، وما أبين من الحي فهو ميتة، وتحل ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال، وتحل الميتة للمضطر. هذه مجموعة من المسائل ذكرها في ذكر أحكام الذبح، فقال: باب الذبح، أي هذا مدخل في معرفة أحكام الذبح، والذبح هو تحليل بهيمة الأنعام وما كان بمعناها من البهائم التي أحلها الله بالسكين وما كان بمعن. والشروط المذكورة التي دل عليها أدلة الشرع ونص عليها العلماء خمسة: الشرط الأول الأهلية، أهلية الذابح، والأهلية كما تقدم في الصيد تكون بثلاثة أمور: الإسلام أو أن يكون كتابيًا، والثاني أن يكون عاقلًا، والثالث أن يكون مميزًا. لقول الله عز وجل: «إلا ما ذكيتم»، أي أنتم أيها المسلمون، والخطاب إنما هو للعقلاء، والأفعال إنما تصح من المميزين، وهكذا بحق الكتاب، «وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم». والشرط الثاني: الذبح بالمحدد، سكين وما كان بمعناها، ولو حجرًا، كما سيأتي، إلا السن والظفر وما كان بمعنى السن والظفر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما جاء في حديث رافع بن خديج في الصحيحين وغيرهما: أنه قال: «قلت يا رسول الله إننا نلقى العدو غدا وليس معنا مدى»، يعني نوع من السكاكين. الأصل أن المدى نوع من السكاكين تشبه سكاكين الحبشة، ثم صار لقبًا يطلق على كل ما يذبح به، وإلا فالأصل أنها نوع خاص تستعمل للذبح، وإلى يومنا هذا عند الناس عرف أن هناك سكاكين خاصة للذبح، لكن قد يذبح بغيرها. والمقصود هو عدم وجود السكين التي يذبح بها، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ما لم يكن سنا أو ظفرًا»، وسأحدثكم عن ذلك. «أما السن فعظم، وأما الظفر فمداء الحبشة»، وقوله: «أما السن فعظم»، أي هذا تعليل لعلة التحريم؛ لأن السن في الغالب يخرج من الحيوان عند الكفار، الميت والحي، والقاعدة كما سيأتي: «ما أبينا من الحي فهو ميته»، ما قطع من الحي فهو ميته، حكمه حكم الميتة. والسن من العظم، فإذا قطع منه وهو حي، أي لم يحلل بذكاه فإنه لا يحل، حكمه حكم الميتة، وهذا مع ما فيه هذا الحكم الشرعي الخاص، كذلك ذكر بعض أهل العلم أن فيه فائدة طبية، وشيء من الطب النبوي في الوقاية مما قد يكون من آثار وتبعات سيئة باستعمال مثل هذا النوع من العظام في الذبح. فمثلا لو استعمل ناب الفيل مثلا المقطوع في الذبح فإنه أبين من حي، وما أبين من الحي فإنه يلحق بالميتة، على أن في هذا خلاف في الناب خاصة، هل يلحق بالعظم أو ليس بالعظم؟ يعني هل يلحق بالقرن أو يلحق بالعظم؟ فالأحوط في هذا ترك استعمال مثل ذلك. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «وأما الظفر فمداء الحبشة»، ليس لأن الظفر ليس بعظم، الظفر بمعنى العظم؛ لأنه أبين كذلك من الحي، فهو ميته، أو لا يجرى، هل أبين من ميته أو من حي؟ لا يدرى أبين من ميته أو من حي، فهو مجهول. وعلمنا أن ما كان في باب الذبائح فيه شبهة وجهالة، فالأصل فيه الحرمة؛ لأن الأصل في هذا الباب الحرمة، ننتبه، الأصل في باب الذبائح الحرمة، والأصل في باب البهائم الحية الحل، يعني نقول: باب اللحوم، الأصل فيه الحرمة حتى يتبين لنا الحل. وأما الحيوان إذا صار حيا فالأصل فيه الحل حتى يتبين لنا دليل ماذا الحرمة؟ إذا سألت: ما هو الأصل في حكم الحيوانات؟ الحل أو التحريم؟ نقول: الأصل الحل، فكل ما في الأرض لنا حلالًا إلا أن يتبين لنا التحريم بشيء صحيح صريح. وأما اللحوم فالأصل فيها الحرمة، ودليل ذلك الاستثناءات التي رويت في هذا الباب، فإن الاستثناء معيار العموم، قال الله عز وجل: «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه»، فدل أن الأصل في اللحوم أن لا نأكل حتى يتبين لنا أن اسم الله قد ذكر عليها. والاستثناء معيار العموم، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ليس السن والظفر»، وهذا استثناء آخر، والاستثناء معيار العموم، فدل ذلك على أن الأصل في اللحوم الحرمة. فقوله: «أما الظفر فمداء الحبشة»، فيه العلة السابقة، وزيادة، وهو أن الظفر يستقبح الناس الذبح به، ولكن هذا من غريب فعل الحبشة، من غريب فعل الحبشة، يعني كأن هذا علة زائدة عن العلة الأولى. العلة الأولى كونه عظم، والعلة الثانية كونه شيء قبيح ومستخبث، ولكن هذا من غرائب استعمال الحبشة له، أي أن يكون سكينًا لهم، ولهذا بوّب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الأطعمة بابًا، فقال: باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر، وسائر العظام إلا السن والظفر، وسائر العظام. فدل على أن السن والظفر يدخل في معنى ماذا؟ في معنى العظام، في معنى العظام. والشرط الثالث من شروط التذكية: إنهار الدم، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أنهر الدم»، وإنهار الدم أي خروج الدم بتدفق، أي أن يسيح الدم. فمثلًا لو ذبحت ذبيحة وذبحت جلد الذبيحة وشيء من اللحم لم يصل إلى الأوداج، فهذه الذبيحة لا تحل، وإن خرج الدم، لكن الدم خرج بغير إنهار، انتبه لهذا، فرق بين أن يخرج الدم بإنهار، وبين أن يخرج الدم بغير إنهار؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما أنهر الدم». فلابد من خروج الدم بكثرة كالنهر، سمي نهرًا لتدفق الماء فيه بكثرة، وعندنا في الذبح أربعة أشياء في العنق، وقد اختلف العلماء ما هو الذي يجب قطعه من هذه الأربعة؟ فعندنا: الوجدان، الأوداج، اثنان عن اليمين وعن الشمال، العرقان الكبيران، وعندنا الحلقوم، وهو محل مرور الهواء، والمري، وهو محل مرور الطعام. فمن أهل العلم من قال: يجب قطع هذه الأربعة، ولا تحل الذبيحة إلا بقطع هذه الأربعة، ومن أهل العلم من قال: يجزئ قطع ثلاثة من أربعة. والصحيح في ذلك أنه يجزئ ما أنهر الدم من ذلك، وهو ما كان بوج واحد، إذا أنهر الدم، وإذا لم ينهر الدم الوج الواحد لابد من الوجين، وإذا لم ينهر الدم يعني هذا الوجدان لضعف الدابة؛ لأن الدابة قد تكون ضعيفة فيحتاج أن تذبح معه الحلقوم؛ لأجل أن يكون ذلك بدفع الهواء من جسد هذه الدابة يخرج الدم على وجه الإنهار. فإذا: الصحيح التفصيل في هذا، فإن انهار الدم بدذبح الوج فقط الواحد أجزأ ذلك؛ لأن المقصود هو حصول انهار الدم. والشرط الرابع: التسمية، للآية والأحاديث في هذا الباب، والخامس: القصد، لعموم الأدلة في النية، وهذا الشرط الخامس بعض أهل العلم لم يذكره، ونص عليه غير واحد من أهل العلم، وأكده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه. نكتفي بهذا ونترك الباقي إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.