كتاب الحج 4

كتاب الحج 4

الدرس في كتاب الحج 4، الدرس الرابع : من : ( تكميل ذات عرق بكسر العين ... لئلا يعتبر متجاوزاً للميقات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف ميقات ذات عرق وأصله الشرعي

ذات عرق هو ميقات يحرم منه أهل العراق للحج، وقد ورد أنه من المواقيت التي حددها عمر بن الخطاب. الحديث المرفوع في هذا الشأن ضعيف.

صحة حديث الإحرام بذات عرق وتحليله

يناقش صحة حديث الإحرام بذات عرق، ويبين أن الحديث المرفوع ضعيف بسبب اختلاط الرواة، بينما الحديث الموقوف على جابر بن عبد الله هو الصحيح.

أهمية ميقات ذات عرق في مناسك الحج وتحديد مكان الإحرام

يشرح ميقات ذات عرق وموقعه وأهميته في الحج، ويشير إلى أن الإحرام منه صحيح لمن مر به، مع توضيح شرط الإحرام من جهة بعيدة عن مكة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المولى، رحمه الله تعالى: تكميل ذات عرق، بكسر العين وسكون الراء، بعدها قاف، سمي بذلك؛ لأن فيه عرقا، وهو الجبل الصغير، ويسمى الآن الضريبة. قال ياقوت: الضريبة وادي حجازي، يدفع سيله بذات عرق. والضريبة، بفتح الضاد المعجمة، يعني الضريبة، بعدها رأى مكسورة، ويسمع عن العامّة هكذا: الضريبة بالضم، ولكن ضبطها ياقوت هنا بالفتح. قال: بعدها رأى مكسورة، ثم ياء، ثم تاء، تحتية، ثم هاء، واحدة، ثم هاء، واحدة. والضراب: وهي الجبال الصغار. وهذا الميقات لم يرد في حديث الصحيحين، ولكن ورد في بعض السنن؛ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقت لأهل العراق ذات عرق. وقد ضعف بعض أهل العلم هذا الحديث، والصحيح أنه لم يصح مرفوعا شيء في توقيت ذات عرق. لم يصح مرفوعا شيء في توقيت ذات عرق؛ أن ذات عرق ميقات من المواقيت المكانية للحج. وقد نبه الحفاظ على هذا المعنى، وأنه لم يصح في هذا الباب شيء. وسيأتي إن شاء الله تنبيه على الحديث الوارد في هذا الباب. وقد صح عن إمام مسلم، رحمه الله تعالى، أنه قال -وذكر ذلك في كتابه التمييز-: فأما حديث التي ذكرناها من قبل؛ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقت لأهل العراق ذات عرق، فليس منها واحد يثبت. ليس منها واحد يثبت؛ يعني ما صح في هذا الباب شيء. ما صح أن ذات عرق ميقات من المواقيت. ولو كان قد روي ذلك مرفوعا، والصحيح -كما سيأتي- أنه موقوف على عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. وتكلم بعد ذلك الإمام مسلم على حديث جابر، وحديث عائشة، وابن عمر، وبيّن أن الصحيح أنه موقوف على عمر. قال رحمه الله تعالى: قال بفتح الباري، والذي في البخاري عن ابن عمر، قال: «لما فتحت الكوفة والبصرة، أتوا عمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حد لأهل نجد قرنا، وهو جور عن طريقنا». ومعنى جور: يعني بعيد عن طريقنا؛ لأن قرن المنازل -كما مر معنا- هي في طريق أهل نجد إلى مكة، هي في طريق أهل نجد إلى مكة. لعلنا إن شاء الله نأتي بسبورة، وترسم فيها هذه المواقيت، إذا أحد عندكم قوي في الخرائط. فالمهم: قرن المنازل هي في طريق أهل نجد إلى مكة، لكن أهل الكوفة وأهل البصرة، هم يأتون من جهة المشرق، يأتون من جهة المشرق، وإذا احتاجوا أن يأتوا إلى قرن، يضطرون أن يميلوا إلى الغرب زيادة، أن يميلوا إلى الغرب زيادة، بينما في طريقهم أماكن أخرى، ومنها ذات عرق؛ فلهذا قالوا ما قالوا لعمر، رضي الله عنه. فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حد لأهل نجد قرنا، وهو جور عن طريقنا. قال: «فانظروا حدوة في طريقكم». يعني ما هو الذي يوازيها. قال: «فحد لهم ذات عرق». هكذا جاء في البخاري؛ أن عمر، رضي الله عنه، هو الذي وقّت ذات عرق. وهي اسم البلد التي يقال لها الآن الضريبة. داوى يقال لها: بريبة. قال الشافعي: لم يدلّ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه حد ذات عرق. هكذا يقول الشافعي، كما قال الحافظ بن حجر. وإنما أجمع عليه الناس؛ يعني بعد عمر. قال: وهذا يدل على أن ذات عرق ليس منصوصا عليه. وبه قطع الغزالي، والرافعي بشرح المسند، والنووي بشرح مسلم، وكذا وقع بالمدونة لمالك. قال: وصححها الحنفية والحنابلة، وجمهور الشافعية؛ أنه منصوص. وقد وقع ذلك بحديث جابر عند مسلم، إلا أنه مشكوك في رفعه. وهذا الحديث الذي أشار إليه: حديث جابر بن عبد الله، جاء في صحيح مسلم على وجه الشك. وبين لنا مسلم، رحمه الله، بما نقله في كتابه التمييز؛ أن الصحيح والمجزوم به: أنه ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام. وقد شك بذلك بعض الرواة، كما سيأتي إن شاء الله بيانه. وقد ذهب الحفاظ إلى أن الصواب فيما روي عن جابر، رضي الله عنه؛ أنه ليس مرفوعا. قال: وصححها الحنفية والحنابلة، وجمهور الشافعية؛ أنه منصوص. وقد وقع ذلك بحديث جابر عند مسلم، إلا أنه مشكوك برفعه. وكما مر معنا: أن مسلم، رحمه الله، جزم بأنه ليس كذلك. قال: وقد وقع بحديث عائشة. وأنبه هنا: أنه جاء مرفوعا من حديث جابر، عند ابن ماجة وغيره، لكنه ضعيف؛ ففي إسناد ابن ماجة: إبراهيم الخوزي، وهو متروك. وجاء كذلك عند أحمد، من طريق ابن لهيعة. وإن كان جاء عند البيهقي من طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة، لكنه معلّ؛ لأن الشيخ العلامة الألباني، رحمه الله، صححه مرفوعا من حديث جابر، بالطريق المجزوم بها، بما جاء عند البيهقي. لكن الصحيح أنه معلّ. فالبيهقي، رحمه الله، بعد أن ذكر هذه الرواية، قال: كذا قال ابن لهيعة، وكذا قيل عن ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير. والصحيح: رواية ابن جريج. وذكر بعد ذلك كلاما، وبيّن فيه أن الصحيح: أن ما روي عن جابر موقوف عليه، أي في ذات عرق، ليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأن المرفوع وقع فيه بسبب اختلاط بعض الرواة، التبس عليه اللفظ. هذا هو الصواب، والذي رجحه هذا الحافظ، وهو البيهقي، رحمه الله. وهكذا جاء عن غيره؛ فابن خزيمة، رحمه الله تعالى، يقول: رواية في ذات عرق: أخبار لا يثبت منها شيء عند أهل الحديد؛ يعني مرفوعا. رواية في ذات عرق: أخبار لا يثبت منها شيء عند أهل الحديد. ويقول ابن المنذر، رحمه الله: لم نجد حديثا ثابتا في ذات عرق؛ يعني مرفوعا. فصوّب الموقوف. قال رحمه الله: وقد وقع بحديث عائشة، وحديث الحارث السهمي -عندي بالسين، وهو خطأ- والصواب: وحديث الحارث بالثاء، السهمي. عندكم بالسين، وبالثاء. بالثاء. طيب. هذا الصواب الذي عنده مدلي بالسين. يصوب أن الصواب: الحارث بالثاء. قال: كلاهما عند أحمد، وأبي داود، والنسائي. قال: وهذا يدل على أن للحديث أصلا. فلعل من قال: أنه غير منصوص عليه، لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث. قال رحمه الله تعالى: قلت: وعلى كل، فقد صح توقيته عن عمر. وأما حديث -هذا الحديث الذي أشار إليه- حديث الحارث، فهو كذلك فيه بعض كلام. ففيه: حيو بن زرارة بن عبد الكريم بن الحارث بن عمر السهمي، وهو مجهول. وأبوه زرارة، كذلك مجهول، لم يوثقه إلا ابن حبان. قال رحمه الله: قلت: وعلى كل، فقد صح توقيته عن عمر، رضي الله عنه. فإن كان منصوصا عليه، وجهله؛ فهو من موافقاته المعروفة. كأنه يقول: لو جهل عمر المرفوع، فكان من موافقة عمر كلامه كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وليس هذا بغريب على عمر. والصواب -كما قلنا- أنه لم يصح مرفوعا. قال: وإن لم يكن نص عليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده». وقد أجمع المسلمون على أنه أحد مواقيت الحج. ولله الحمد. وهذا الإجماع استند إلى نص. كما مر معنا: أن الإجماع المعتبر هو المستند إلى نص. وهذا النص إما هذا الحديث الضعيف، وإما القياس الصحيح المعتبر؛ لأنه مر معنا من قبل: أن من مر يريد الحج أو العمرة، وكان قريب منه أحد هذه المواقيت، فليس الشرط أن يمر من نفس الميقات، ولكن يعتد بماذا؟ بما يوازي. يعتد بما يوازي هذا الميقات. بما يوازي هذا الميقات. فإن كان موازاة هذا الميقات في ذات عرق؛ فذات عرق. وقد مر معنا بحديث عمر بالبخاري؛ أنهم نظروا إلى ما يحاذيها. فما هو الذي حاذها؟ ذات عرق. فإذا صار الإجماع قام على هذا لأحد أمور ثلاثة: إما لأنه روي مرفوعا، وصح عند بعضهم. وإما لأنه ثبت من قول عمر. وقد أمرنا أن نقتدي بسنة الخلفاء الراشدين؛ لأنه من الخلفاء الراشدين. وإما لأنه من القياس الصحيح المعتبر؛ لأن هذا الموضع هو مما يوازي ويحاذي. فعلى كل، الإجماع: إجماع صحيح. قال رحمه الله: وقد أجمع المسلمون على أنه أحد مواقيت الحج. ولله الحمد. لكن الصحيح: أنه ليس ميقاتا حدده النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه ميقات يصح الإحرام منه لمن مر به؛ لأنه يوازي قرن المنازل؛ لأنه يوازي ويحاذي قرن المنازل، كما في فتوى عمر، رضي الله عنه. قال: وقد قمت بشهر محرم في عام 1402، من مكة المكرمة إلى هذا الميقات، ومعي الشريف محمد بن فوجان الحارثي، وهو من العارفين بجبال المنطقة، المطلعين على التاريخ. وقصدي: بحث طريق الحج من الضريبة إلى مكة، على الإبل. فوجدت الميقات المذكور: شعبا بين هضاب، طوله من الشرق إلى الغرب ثلاثة أكيال؛ يعني ثلاثة كيلو مترات. وعرضه من الجنوب إلى الشمال نصف كيلو. ويحده من جانبه الشمال والجنوب هضاب. ويحده من الشرق: ربع أنخل. ويحده من الغرب: وادي غيبا، الذي يصب في وادي مر. ويعتبر هذا الميقات من الحجاز؛ فلا هو من نجد، ولا هو من تهامة، ولكنه حجاز منخفض، يكاد يكون حرة؛ يعني فيه جبال سود، وليست بواضحة؛ فليس فيه جبال عالية. ويقع عنه شرقا بنحو عشرة أكيال؛ يعني عشرة كيلو مترات: وادي العقيق. ثم يلي العقيق شرقا: صحراء ركبة الواسعة، حتى تبتدي بلا دنيج؛ يعني تظهر. قال: ويحرم من العقيق الشيعة؛ مخالفة لعمر، رضي الله عنه، الذي جعل ذات عرق ميقاتا. وقد روي مرفوعا كذلك: أن العقيق ميقات، لكنه لا يصح؛ فهو موضوع، أو لا أقل له. قال: والمسافة من ميقات ذات عرق حتى مكة: مئة كيلو. وهذه المسافة قريبا من مسافة ما بين قرن المنازل، بل هي أكثر. قال رحمه الله تعالى: وأشهر الأمكنة التي يمر بها الطريق إلى مكة: الرقة. وفيها آثار وبركة عظيمة قديمة، من آثار بني العباس. فهذا يدل أن هذه الطريق كانت مسلوكة إلى البصرة والكوفة، لذاك الزمان. قال: ثم وادي نخلة شامية، ثم المضيق، ثم البروث، ثم شرائع المجاهدين -أو المجاهدية- سمّي اليوم شرائع المجاهدين؛ لأنه شرائع اثنتان في مكة. قال: ثم العدل. وهذا الميقات مهجور الآن؛ فلا يحرم منه أحد؛ لأن الطرق المعبدة في نجد، في العراق، لا تمر عليه. وإنما تمر على الطائف، السيل الكبير، من المنازل؛ يعني الآن في الحقيقة لا يحتاج إليه أحد؛ لأن الناس في الغالب يمشون بالطرق المعبدة، إلا أهل الطائرات، من أتى جوا من جهة المشرق، فإنه سيمر بما يوازي ذات عرق، فيحرم من هناك. قال: ملاحظة. قال: جميع مواقيت الإحرام: أودية عظام. ولذا فإن الاحتياط: أن يحرم الحاج أو المعتمر من الضفة التي لا تلي مكة من الوادي؛ لأن لا يعتبر مجاوزا للميقات. وهذا الكلام هو معنى كلام الحافظ ابن حجر، رحمه الله، كما ذكره في شرح حديث -الحديث الذي مر معنا- حديث البخاري. ومعنى هذا: إذا علمنا أن الميقات هو وادي، فالوادي له ضفتان: ضفة من جهة مكة، وضفة من عكس مكة. فالضفة التي من جهة مكة: لا تحرم منها. ولكن يكون إحرامك من الضفة التي هي بعيدة عن مكة. طيب. نكتب بهذا الفتر، ونكمل إن شاء الله بدرس لاحق. وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.