الدرس في كتاب الحج 43، الدرس الثالث والأربعون : من : ( 11- باب الهدي ... وليحصل التنافس في أنواع هذه القرب المتعدى نفعها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الهدي هو ما يُهدى إلى البيت الحرام من الأنعام، ويعتبر من أفضل القربات عند الله تعالى. تقديم الهدي يعد توسعة على الفقراء والمساكين ويتسم بالصدقة والإنفاق في مكان مبارك.
القلائد توضع على عنق البهائم لتمييزها كهدي، والإشعار يتم بعلامة على سنام البدنة أو البقرة. النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظم البيت العتيق بإرسال الهدي إليه وتشريفه بهذه العلامات.
يجوز إرسال الهدي دون مرافقة المهدي، ويستحب إشعار الهدي وتقليده. كما يجوز التوكيل في سوق الهدي وذبحه وتفريقه، ولا يحرم على المهدي ما يحرم على المحرم من محظورات الإحرام.
الحديث يدل على جواز إرسال الهدي من الإبل والبقر والغنم من المدينة إلى مكة، وهو القول الصحيح. بعض الروايات تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى غنماً من المدينة إلى مكة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب الهدي. قال الشارح رحمه الله تعالى: الهدي ما أهدي إلى البيت الحرام من الإبل والبقر والغنم وغيرها، ويراد بتقديمه إلى البيت التوسع والإحسان إلى جيرانه وزائريه من الفقراء والمساكين. وهذا من حكم فرض الهدي على المتمتع والقارن، أن يكون فيه توسعة على من يأتي إلى البيت الحرام من الغرباء، ومن يسكن حوله من أهل البيت. قال: وهو من أفضل القرب عند الله تعالى؛ لأن الصدقة والإنفاق من أفضل العبادات، لا سيما إذا كان في البلد الحرام؛ لأن الحسنات تضاعف بحسب الزمان والمكان. قالوا: على المنقطعين لعبادة الله تعالى فيه والمجاورين لبيته، يعني على هؤلاء يكون الأجر أعظم. فالصدقة على المجاهدين ليست كالصدقة على عامة الناس، والصدقة على طلبة العلم ليست كالصدقة على عامة الناس، وهكذا. كلما ازداد الفضل ازداد الأجر. والصدقة في البلد الحرام ليست كالصدقة في خارج البلد الحرام. قال رحمه الله تعالى: الحديث الثالث أو الحديث الثلاثون بعد المئتين، قال عن عائشة رضي الله عنها قالت: «فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم أشعرها وقلدها -أو قلدتها- ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له حلالا». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث ليذكر فيه شيء من أحكام هذا الباب، باب الهدي. وعلمنا ما معنى الهدي؟ قلنا: هو الذي يهدى إلى البيت الحرام من إبل وبقر وغنم على القول الصحيح. قال الشارح رحمه الله: الغريب القلائد، جمع قلادة، وهي ما يحاط به العنق، وتكون من الخيوط والحديد. القلادة تكون من أي شيء: من خيط أو حديد أو ذهب أو فضة أو نحاس أو غير ذلك. قال: والمراد هنا قلائد الهدي، وتوضع على خلاف العادة. لكن في هذا الموضع خاصة المراد بالقلائد قلائد الهدي. وقلائد الهدي هو ما يوضع على عنق البهائم على خلاف العادة، تمييزاً لها أنها من الهدي المرسل إلى البيت الحرام. قال رحمه الله تعالى: وكانوا يجعلونها من القرب -يعني هذا الغالب- والنعال وخيوط الصوف؛ ليعلم أنها هدياً فتحترم -يعني تحترم بسيرها- فلا أحد يؤذيها. هذا من فائدتها، وأنها إذا ضاعت ردت. وهكذا كذلك أن يعلم ويخطر بذلك الفقراء والمساكين أن هدياً توجه إلى جهة البيت الحرام من الجهة الفلانية. قال رحمه الله تعالى ثانياً: قولها «أشعرتها»، الإشعار معناه الإعلام. والعبادات شعائر الله؛ لأنها علامات طاعته، فمعنى أشعرتها أي أعلمتها، جعلت لها علامة. قال: والشعيرة هنا ما يهدى إلى البيت من بهيمة الأنعام فتعلم، وذلك بإزالة شعر أحد جانبي سنام البدنة أو البقرة وكشطه حتى يسيل منه الدم؛ ليعلم الناس أنها مهداة إلى البيت فلا يتعرض لها. قال رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظم البيت العتيق ويقدسه، فكان إذا لم يصل إليه بنفسه أبعد إليه الهدي تعظيماً له وتوسعة على جيرانه، وهكذا كذلك طلباً في حصول الأجر في ذلك. قال: وكان إذا بعث الهدي أشعرها وقلدها. والإشعار فعل، والتقليد فعل آخر. قال رحمه الله تعالى: ما يأخذ من الحديث: استحباب بعث الهدي إلى البيت الحرام من البلاد البعيدة ولو لم يصحبها المهدي. يعني يجوز أن يرسل بالهدي ولو لم يذهب هو. قال: لأن الإهداء إلى البيت صدقة على مساكين الحرم، وتعظيم للبيت، وتقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء في طاعته. ثانياً: استحباب إشعار الهدي وتقليده بالقرب والنعال ولحاء الشجر -لحاء الشجر يعني ما يكون مغطياً لساق الشجرة مما هو خلاف عادة الناس- ليعرفوه فيحترموه. قال: رابعاً: أن المهدي لا يحرم عليه أيضاً ما يحرم على المحرم من محظورات الإحرام. قال ابن المنذر: الجمهور -يعني يقول- لا يصير بتقليد الهدي محرماً، ولا يجب عليه شيء، وهذا هو الصحيح. والدليل حديث عائشة. قال: خامساً: جواز التوكيل في سوقها إلى الحرم وذبحها وتفريقها. وذلك من جهتين: أولاً أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل في تقليدها وفتل قلائدها عائشة، ووكل في أخذها وذبحها وتفزيعها وتفريقها على الفقراء والمستحقين أبا بكر رضي الله عنه. قال: سادساً: أن الشرعاء يكون حيث المصلحة المحضة أو المصلحة الراجحة. فإن إشعار الإبل والبقر المهدى فيه تعديب لها، ولكن مصلحة إشعارها لتعظيمها وإظهار طاعة الله بإهدائها راجح على هذه المفسدة اليسيرة. قال: سابعاً: أن الأفضل معها مقلدة من أمكنتها، لا تقليدها عند الإحرام. يعني الأفضل أن تقلد قبل الخروج من البلد، ليس تقليدها يكون من موضع الإحرام؛ وذلك لأن البهائم ليس لها إحرام، ليس التقليد والإشعار إحرام لها. قال: ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز -على القول الصحيح- أن يكون التقليد والإرسال للهدي في البقر والإبل والغنم؛ لأنه جاء ببعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى من المدينة إلى مكة غنماً. وهذا هو القول الصواب خلافاً لمن خالف في ذلك. والله تعالى أعلم.