الدرس في كتاب الحج 54، الدرس الرابع والخمسون: من: (14-باب حكم تقديم الرمي والنحر والحلق والإفاضة بعضها على بعض ... والدليل كلام ابن عباس وعلى أنه لم يثبت). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوم النحر هو يوم العاشر من ذي الحجة، ويتم فيه أربع أعمال جليلة: الرمي، النحر، الحلق، والطواف. يُشرع ترتيب هذه الأعمال كما ورد في السنة النبوية.
يشرح ترتيب أعمال يوم النحر ويبين جواز تقديم بعضها على بعض في حالة الجهل أو النسيان أو دفع الحرج، مع اختلاف العلماء في جواز ذلك للعامد.
اختلف العلماء في حكم مخالفة ترتيب مناسك الحج، ويجوز تقديم بعض الأعمال على بعضها الآخر عند وجود جهل أو خطأ أو نسيان أو حرج.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب حكم تقديم الرمي والنحر والحلق والإفاضة بعضها على بعض. قال: الحديث الأربعون بعد المائتين عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج. وقال الآخر: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ارمي ولا حرج. فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب، وأقرب الألفاظ إليه، ولفظ الإمام البخاري في حديث 1736 قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما، وذكر لفظ الحديث بعينه. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي، أن اليوم العاشر من ذي الحجة، ويوم النحر، ويوم الحج الأكبر، وهو من أفضل الأيام وأسعدها، لم يقع فيه من الأعمال لما يقع فيه من الأعمال الجليلة، لا سيما من الحاج الذي يؤدي فيه أربع عبادات جليلات، وهن: الرمي، والنحر، والحلق والتقصير، والطواف بالبيت العتيق. هذه أربعة أعمال، وترتيبها على هذا الترتيب. قال: والمشروع أن يأتي بهن على هذا الترتيب اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: «خذوا عني مناسككم». ولأنه تقرر بهذا الحديث وبغيره من الأحاديث الأخرى أن هذا هو ترتيب الأعمال. ولهذا جاء في بعض الروايات أن السائل قال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، كنت أحسب أن كذا قبل كذا. وفي رواية: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فيدل على أن الذبح قبل الحلق. وهكذا في ألفاظ قبل الحلق، وقد رويت ألفاظ كثيرة لهذا الحديث، ففي حديث ابن عباس قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج. قال: رميت بعدما أمسيت، فقال: لا حرج. يعني تأخير الرمي إلى المساء. وهذا كذلك في حديث جابر بن عبد الله، وعلي خارج الصحيحين. حديث جابر رواه الطحاوي، وحديث علي رواه أحمد، وهما حديثان حسنان، ذكر الإفاضة قبل الحلق. وإن كان بعض أهل العلم، الدارقطني رحمه الله، أشار إلى إعلال هذه الرواية، لكن الصحيح أنه جاءت من طرق، فهو حديث حسن. وهكذا كذلك ذكر الرمي والإفاضة قبل الحلق، كما جاء في حديث علي. والإفاضة قبل الذبح جاء من حديث جابر، عند البخاري معلقا، ووصله بن حبان كذلك بإسناد حسن. وهذا حديث تقديم السعي قبل الطواف، رواه أبو داود من حديث جابر بن الشريك، أعلّه بعضهم للعلل، وحسنه أو صححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله بصحيحة بداود. فهذا كله يدل على أن الأصل أولا ترتيب الأعمال الأربعة على هذا النسق: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف بالبيت. قال رحمه الله تعالى: والمشروع أن يأتي بهن على هذا الترتيب اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإتيانا بأعمال المناسك على النسق اللائق. فيبدأ برمي جمرة العقبة، وهي الجمرة الكبرى. ولا يرمى يوم العاشر كما مر معنا إلا الجمرة الكبرى فقط، وهي الجمرة التي تلي مكة، يعني إلى جهة مكة. فمن أتى منا سيأتي إلى الصغرى لا يرميها، الوسطى لا يرميها، الكبرى يرميها بسبب حصيات، يكبر مع كل حصاة. وهذا يوم العاشر، قال: لأن رميها تحية منا. وهذا التعليل يحتاج إلى دليل، وإلا فيلزم عليه أن كل من دخل منا لابد أن يرمي هذه الجمرة، وهذا ليس بالصحيح. لكنها نسك وعبادة وقتت بتوقيت، كما أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام، وكما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فوقتها من بعد طلوع الشمس إلى الزوال، ويجوز إلى غروب الشمس، ويجوز للضرورة بعد الغروب، كما يجوز للضرورة بعد غروب القمر من ليلة العاشر على الصحيح، لما جاء في حديث أسماء بن عباس وجماعة. قال رحمه الله تعالى: ثم ينحر هديه، على أنه ليس بشرط. فأيام النحر أربعة أيام: يوم العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. والأفضل للإنسان أن يفعل الأيسر والأنفع للناس، هذا المقصود. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «افعل ولا حرج». فحيث يوجد الحرج ينبغي للإنسان أن يجتنبه. يجتنب الحرج، ولو أن الناس تفرقوا في أعمال الحج لكان ذلك سببا لدفع الحرج. فمثلا إذا علم أن يوم العاشر الناس يزدحمون على الذبح، فينبغي أن يؤجل الذبح إلى يوم لا يزدحم الناس فيه. إذا علم أن يوم العاشر الناس تكثر عندهم اللحم والهدي، يكثر اللحم والهدي، ولا يكاد يجد من يقبل اللحم، فخير له أن يؤجل الذبح إلى وقت يجد من الفقراء من يقبل منه اللحم. وهكذا يتتبع الأصلح والأنفع لنفسه ولغيره. قال رحمه الله تعالى: ثم ينحر هديه مبادرة لإراقة الدماء، هذا الأفضل إذا لم يعارضه مفسدة. فإذا عارضته مفسدة فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح، قال: لما فيه من الخضوع والطاعة. وهنا ننبه إلى أن الأفضل الذبح ومباشرة الذبح كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وما يفعله كثير من الناس من شراء الكوبون، القسيمة، قسيمة الذبح من البنوك أو من مؤسسات خيرية أو غيرها، هذا خلاف السنة. وإن كان قد أجازه بعض أهل العلم، لكن خلاف الأفضل والأكمل والأحوط على أقل الأحوال. لأن هدي النبي عليه الصلاة والسلام هو المبادرة بإراقة الدماء. والأفضل أن ينحرها بنفسه، وأن يشهدها، وأن يباشر توزيعها، وأن يقوم بإحياء هذه السنة والشعيرة في البلد الحرام. فإن كثر اللحم فليتزود كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، ورخص لأصحابه أن يتزودوا من الأضاحي ومن الهدي. يعني إذا رأى الناس كثر عليهم اللحم، ووزع ما أنه بالحقيقة لو وزع اللحم في مواضعه سيجد المحتاجين. ما عليه إلا أن يتكلف قليلا بأن يذهب هو بنفسه إلى المجزرة، وأن يأخذ من يستعين به من إخوانه ليجمعوا ما معهم من اللحم، ويستأجروا سيارة، ثم يطوفوا على حواري مكة. وما أكثر الفقراء في حواري مكة، يوجد فيها فقراء كثر، توجد حواري في مكة كثيرة فيها من الفقراء من غير أهل تلك البلاد، من الغربة الذين يسكنون مكة، هم أحوج ما يحتاجون لمثل هذا اللحم. لكنهم لفقرهم ولأسباب أخرى لا يستطيعون أن يأتوا إلى مواضع ذبح اللحم. ولذلك ينبغي للإنسان أن يسعى ويجتهد في إيجاد هؤلاء الفقراء. فإن قدر أنه لم يستطع فلا بأس أن يتزود، إما بتبريده في ثلاجات ثم أخذه وتوزيعه لمن يستحق، وإما بتجفيفه وتشريقه. وما سميت أيام التشريق أيام التشريق إلا لأن اللحم كان يشرق فيها، يعني يعلق في الحبال، يقطع ويعلق في الحبال حتى يجف، فيسلم من العطب. فإذا جف ونشف وضع في مواضع آمنة، ونقل، إما ينتفع به الحاج، وإما يعطيه لمن يستحقه، ولا يذهب سرفا وتبذيرا. قال رحمه الله تعالى: ثم ينحر هديه مبادرة لإراقة الدماء، لما فيه من الخضوع والطاعة، وإما فيه من نفع الفقراء والمساكين، ومشاركة الناس ومشاركتهم الناس في فرحهم وعيدهم. ثم يحلق أو يقصر، ابتداء بالتحلل من الإحرام. والحلق أفضل في الحج، وتأهبا بالزينة والهيئة الحسنة للطواف بالبيت. ومر معنا أن التحلل على القول الصحيح يكون برمي جمرة العقبة. فمن رمى جمرة العقبة تحلل التحلل الأول على القول الصحيح. قال رحمه الله: هذا ما يشرع للحاج، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعده: «خذوا عني مناسككم». ولكن الشارع رحيم عليم. فإذا قدم أحد بعض هذه الأعمال على بعض جهلا بالحكم، أو نسيانا، فلا يلحق شيء من إثم أو جزاء. بل الصواب أنه يجوز تقديم بعض هذه الأعمال على بعض، على ما ورد به الدليل. ولو بغير جهل ونسيان، ولو عمدا إذا كان في هذا مصلحة ودفع الحرج. وهذه فتوى جماعة من أهل العلم، وبه كان يفتي شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى. يقول: وددت لو أن أحدا من المسؤولين قسم الناس تقسيما في التوجه لأعمال الحج، يكون به دفع الحرج عن الناس. لأن هذا مما هو مطلوب في الحج، خصوصا في مثل هذه الأيام. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «افعل ولا حرج» في حجة حضرها مئة ألف حاج، فماذا عسى أن يقال في حجة يحضرها أكثر من ثلاثة ملايين حاج، أكثر من ثلاثة ملايين، بل تصل في بعض السنوات إلى أربعة ملايين حاج. فإن دفع الحرج عن مثل هؤلاء أمر مطلوب. فمثلا لو علم أن الناس الآن كلهم يتوجهون إلى الرمي، فهل يجوز له أن يتوجه لطواف الإفاضة؟ الجواب: نعم يجوز. وهذه رخصة دفعا للحرج، يجوز أن يطوف طواف الإفاضة قبل أن يرمي. لو علم أن الناس الآن في الرمي، وهو رمى، وبدل من أن يتوجه إلى الذبح ذهب فتوجه للطواف، هل يجوز؟ الجواب: نعم يجوز. لأن المقصود هو دفع الحرج. قال: ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: «اذبح ولا حرج». وهذا فيه كذلك أن ولي أمر المسلمين ومن ينوبه من العلماء، ينبغي عليهم أن يبرزوا للناس في وقت حاجتهم، يبرزوا للناس. لأن النبي عليه الصلاة والسلام خطب في يوم منا، وكانت الخطبة لتعليم الناس، ليست خطبة عيد، ولكنه خطب ليعلم الناس أحكام الدين. ووقف في منا عليه الصلاة والسلام يسأله الناس، لأنه في ذاك الوقت تكثر الأعمال على الناس. وإذا كثرت الأعمال كثرت الأسئلة والإشكالات التي تحتاج إلى من يفكها لهم. فبرز النبي عليه الصلاة والسلام في رواية على راحلته، فجعل الناس يسألونه، كما في حديث عبد الله بن عمر بن العاص، وحديث جابر بن عبد الله، وابن عباس، وأسامة بن شريك، وعبد الله بن عمر، وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: «اذبح ولا حرج». وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: «ارمي ولا حرج». قال الراوي: فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». قال: سماحة في هذا الدين ويسرى. قال: ما يأخذ من الحديث أولا: وقوف العالم في أيام المناسك لإفتاء الناس وإرشادهم في أمر حجهم. فقلنا في هذا دليل على أنه ينبغي للعلماء وأهل العلم أن يبرزوا للناس في أيام الحج، خصوصا في هذا اليوم، يوم العاشر. فالناس يحتاجون إليهم جدا. قال: ثانيا: جواز تقديم كل من الرمي والنحر والحلق أو التقصير والإفاضة بعضها على بعض، من الناس والجاهل على ما سبق ذكره. قال: ويأتي الخلاف في العامد إن شاء الله. ثالثا: بدء يوم النحر برمي جمرة العقبة. ومن حكمة الرمي طرد الشيطان، فهو شبيه بتقديم الاستعاذة بالصلاة. وهذه مقارنة عارضة لي، ولم أر أحدا من العلماء قد ذكرها، وربما قالها أحدهم ولم أطلع على ذلك. فإذا كانت صوابا فهي من الله، وإذا كانت خطأ فهي مني. يقول: في تقديم الرمي أول أعمال يوم النحر، هو مثل الاستعاذة في الصلاة. لأن الرمي رمي للشيطان. مع أن هذا لا يوجد له دليل صحيح صريح يدل على أن الرمي رمي للشيطان. ولكن الصحيح أنها عبادة تعبدنا الله عز وجل بها. فليس هناك شيطان يرمى، إنما نرمي شاخصا كما أمرنا ربنا ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته. قال: اختلاف العلماء: أجمع العلماء على مشروعية ترتيب الرمي والنحر والحلق أو التقصير والإفاضة، هكذا كما رتبه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الأفضل، خصوصا بعد الرمي. قال: فيبدأ بالرمي، ثم ينحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الإفاضة إلى البيت. واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض بالنسبة للعامد. أما الجاهل والناس فلا خلاف. لكن الخلاف في العامد. قال: فذهب الشافعي والإمام أحمد في المشهور عنه إلى جواز ذلك، مستدلين بما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر قال: يا رسول الله، حلقت قبل أن أذبح، قال: «اذبح ولا حرج». وقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي، قال: «ارمي ولا حرج». قال: وهذا أحد طرق الحديث الذي معنا في الباب. وفي بعض طرقه: فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». قال الطبري: لم يسقط النبي صلى الله عليه وسلم الحرج إلا وقد أجزأ الفعل. إذ لو لم يجزي لأمره بالإعادة. لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المكلف الحكم الذي يلزمه في الحج، كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لم يأثم بتركه ناسيا وجاهلا، ولكن تجب عليه الإعادة. وهذا الكلام فيه نظر. لأنه سبق معنا من القواعد الشرعية أن الشرع يفرق بين ترك المأمور وفعل المحظور. فترك المأمور لا يسقط بالجهل والنسيان. فمن ترك مأمورا يلزمه الإتيان بهذا المأمور، وإن كان جاهلا أو ناسيا أو مخطئا. وإنما يسقط عنه الإثم. وأما الحكم فلا يسقط عنه. فمن صلى بغير طهارة ناسيا، ماذا نقول؟ لا إثم عليه، لكن عليه ماذا؟ أن يعيد الصلاة. عليه أن يعيد الصلاة. بخلاف فعل المحظور، فمن فعل المحظور جاهلا أو ناسيا أو مخطئا، فإنه ماذا يكون عليه؟ يسقط عنه الإثم والحكم. من أكل أو شرب جاهلا أو ناسيا وهو صائم، أو مخطئا، فإنه لا يكون مخطئا، يسقط عنه الإثم ويسقط عنه الحكم. وهذا الذي قدم وأخر، هل ترك مأمورا أو فعل محظورا؟ الجواب: أنا عندكم ترك مأمورا أو فعل محظورا. ها ترك مأمورا هكذا، أو فعل محظورا؟ الثاني فعل محظورا. لأنه قال في الترتيب المأمور ما ترك هو فعل المأمور، لكن على وجه يخالف. فإذن فعل محظور، وهو المخالفة. فإذن قول الطبري رحمه الله تعالى خلاف الصواب. قال رحمه الله تعالى: وما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأحمد هو مذهب الجمهور من التابعين والسلف وفقهاء الحديث، لما تقدم من الأدلة وغيرها. وذهب بعض العلماء إلى أن رفع الإثم يكون بحال النسيان والجهل، لقول السائل بالحديث: «لم أشعر». ويختص الحكم بهذا الحال، ويبقى العامد على أصل وجوبه. قال: ويبقى العامد على أصل وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، لحديث: «خذوا عني مناسككم». هذا والخلاف المتقدم في الإثم وعدمه. أما الإجزاء فقد قال الشيخ بن قدامة في كتابه المغني: ولا نعلم خلافا بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء. لا يمنع وقوعها موقعها. يعني إذا وقعت ولو عمدا فهي صحيحة. لكن فقط بقي هل يأثم أو لا يأثم بتعمد المخالفة؟ وهنا مسألتان ننتبه لهما: مسألة الإجزاء، فهذا لم يختلف فيه. كما قال ابن قدامة. وأما مسألة الإثم وعدمه، وعدم الإثم، هذا الذي اختلف فيه. قال: واختلفوا في وجوب الدم على من قدم المؤخر من هذه المناسك الأربعة. فذهب الجمهور من السلف وفقاء الحديث، ومنهم الإمامان الشافعي وأحمد، وعطاء وإسحاق، إلى عدم وجوب الدم من العامد وغيره، بناء على جواز الفعل وسقوط الإثم. أروي هذا كذلك عن الأوزاعي. ولقوله صلى الله عليه وسلم للسائل: «لا حرج». وظاهر في رفع الإثم والفدية معا. لأن اسم الضيق يشملهما. قال: ووجوب الفدية يحتاج إلى دليل. ولو كان واجبا حينئذ لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه وقت الحاجة. وتأخيره عنها لا يجوز. وذهب بعض العلماء، ومنهم سعيد بن جبير وقتادة، إلى وجوب الدم على العامد، بقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾. وروي أثرا عن عبد الله بن عباس كذلك، يقول بوجوب الفدية لمن قدمه أخر. قال: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها، وقال: «خذوا عني مناسككم». وهو رواية عن إمام أحمد. فقد قال الأثر: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل حلق قبل أن يذبح، فقال: إن كان جاهلا فليس عليه دم. فأما مع التعمد فلا. لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال: لم أشعر. وهذه رواية عن إمام أحمد. ورواية أخرى مشهورة: أنه لا بأس في العمد، كما تقدم. قال: وقال ابن دقيق العيد بعد أن نقل كلام الإمام أحمد: وهذا القول في سقوط الدم على الجاهل والناس دون العامد، قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج، في قوله: «خذوا عني مناسككم». وهذه الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع السؤال عنه. يعني في الشيء الذي وقع السؤال عنه، إنما قرنت إنما قرنت بقول السائل: «لم أشعر». وجاء بمعض الروايات بدون ذكر: «لم أشعر». فدل ذلك على أن الأمر سواء، سواء أوقع بجهل أو بغير جهل. وهذا هو الأقرب، خصوصا مع التعليل بقوله: «افعل ولا حرج». فإن الحرج مرفوع ومحذوف في الحج، خصوصا مع وجود هذه الرخصة. قال: فيخصص الحكم بهذه الحال، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب اتباع الرسول في أعمال الحج. انتهى. قال الصنعاني: هذا أحسن، إلا أن إيجاب الدم لم ينهض دليله. يعني ليس فيه دليل قوي. وقال أيضا: اعلم أن إيجاب الدم في هذه الأفعال والتروك في الحج لم يأت به نص نبوي، وإنما روي عن ابن عباس، ولم يثبت عنه. يعني في ثبوت عن ابن عباس نظر. قال: أن من قدم شيئا على شيء فعليه دم. وبه قال سعيد بن جبير، والحسن، والنخعي، وأصحاب الرأي. وقال الصنعاني أيضا: والعجب إطباق المفرعين على إيجاب الدم في محلات كثيرة. يعني توسعوا في إيجاب الدم بغير دليل. قال: والدليل كلام ابن عباس، وعلى أنه لم يثبت عنه. وبعض أهل العلم أثبت هذا عن عبد الله بن عباس. ولو قدر أنه ثبت، فهو رأي واجتهاد لعبد الله بن عباس، لم يرد به حديث صحيح مرفوع. وقول غيره من الصحابة على خلافه، وقول أكثر أهل العلم على خلافه. وهذا هو الصواب. الخلاصة: أن الأصل لا يقدم الإنسان هذه الأفعال بعضها على بعض. فالأفضل والأكمل أن يرتبها على هذا الترتيب. فإن كان جاهلا أو ناسيا أو مخطئا فلا حرج. وإن وجد الحرج فيجوز له أن يقدم بعضها على بعض دفعا للحرج. إذن الرخصة في موضعين: إن وقع جهل أو خطأ أو نسيان فلا حرج، أو وجد الحرج فلا بأس بالتقديم أو التأخير. فإذا لم يوجد الحرج فلا حاجة للتقديم ولا التأخير. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وبهذا نكتفي. والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة.