الدرس في كتاب البيوع 5، الدرس الخامس:من( الحديث الثالث والتسعون بعد المائتين ... وحديث ابن عباس الآتي فقد أحاطت بأمهات مسائله ولم يخرج عنها إلا النادر ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يُعرَّف علم الفرائض بأنه العلم بقسمة المواريث بين مستحقيها، ويشمل فقه وحساب هذه القسمة. يُعتبر علمًا شريفًا حث النبي على تعلمه وتعليمه.
علم الفرائض له أدلة من الكتاب والسنة والإجماع، حيث تولى الله تبارك وتعالى قسمتها بنفسه في كتابه، وتعتبر قسمة عادلة ومبينة على مقتضى المصالح العامة. هذه القسمة نموذج للعدل والحكمة.
ينتقد الشيخ دعاة التجديد والتغريب الذين يغيرون أحكام الله ويستبدلونها بأفكار مستوردة، ويبين أهمية علم الفرائض ويمكن تعلم أحكامه من آيات معينة في سورة النساء وحديث ابن عباس.
يذكر مقدمات تتعلق بالمقام لتكملة الفائدة في الكتاب، ويشير إلى تأجيل بعض النقاط إلى الدرس اللاحق، مما يدل على شمولية المادة العلمية المقدمة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب الفرائض، قال: الحديث الثالث والتسعون بعد المائتين، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألحق الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». وفي رواية: «اقسم المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب والحديث، فقال: باب الفرائض، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام الفرائض. والباب لغة: ما يدخل منه ويخرج، والمراد الدخول والخروج المعنوي. ثم أورد حديث عبد الله بن عباس، وهو في الصحيحين. وقوله: وفي رواية، هي رواية الإمام مسلم. وقد خرجه البخاري رحمه الله في كتاب الفرائض، في باب الوصية أو ميراث الوالدين أو الولد من أبيه وأمه، ميراث الولد من أبيه وأمه. قال الشارح رحمه الله: قوله: الفرائض، جمع فريضة، بمعنى مفروضة، والمفروض: المقدر؛ لأن الفرض التقدير، فكأن اسمها ملاحظ فيه قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي: مقدرا معلوما. فإذا الفرائض معناها مأخوذ من القطع والتقدير. قال: وتعريفها شرعا: العلم بقسمة المواريث بين مستحقيها. زاد بعضهم: فقها وحسابا. هذا العلم بفقه هذه القسمة وحساب هذه القسمة. وبعضهم عرفه كما تقدم معنا بقوله: علم يعرف به من يرث من لا يرث، ومقدار ما لكل وارث. قال رحمه الله: والأصل فيها الكتاب، لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآيتين، يعني: أشهر آيتين من آيات الفرائض، وإلا في آيات الفرائض خمس آيات. قال: والسنة، لحديث بن عباس الآتي. وإجماع الأمة على أحكامها في الجملة. وفي السنة أحاديث كثيرة، لكن أشهرها حديث بن عباس. والإجماع منقول في كتب كثيرة من كتب أهل العلم. فالفرائض دل عليها دليل الكتاب والسنة والإجماع. قال: ولما كانت الأموال وقسمتها محط الأطماع، وكان الميراث في معظم الأحيان لضعفاء وقاصرين - يعني ويحصل البغي عليهم والتلاعب بحقوقهم - قال: تولى الله تبارك وتعالى قسمتها بنفسه في كتابه، مبينة مفصلة، حتى لا يكون فيها مجال للآراء والأهواء. وسواها بين الورثة على مقتضى العدل والمصلحة والمنفعة التي يعلمها. ومن تتبع هذه القسمة وجدها في غاية العدل والحكمة، بما يعلم أنها من الله عز وجل الحكيم العليم. والقوانين الوضعية - بل والكفار اليوم - صاروا يأخذون من هذه الأحكام؛ لأنهم نظروا فتأملوا حقولهم بعقولهم، وقوانين وضعية كثيرة سابقة، فما وجدوا عدلا ولا قسمة بمثل قسمة القرآن وقسمة شريعة الإسلام. قال رحمه الله تعالى: وأشار إليها بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، هذه حقيقة الإنسان: أنه لا يعلم الغيب، لا القريب ولا البعيد. ومن ذلك ما يتعلق بالورثة ونفعهم. قال: فهذه قسمة عادلة، مبينة على مقتضى المصالح العامة. والإشارة إلى شيء مما فهم من العدل. والعدل قد لا يصل الإنسان إليه بعقله، ولهذا قد يتغير رأيه في القضية الواحدة بين حين وآخر. قال: والقياس يخرج بنا عن موضوع الكتاب، ويطيله عليها. وتدبر كتاب الله مع الأوضاع البشرية بهداية ونور، يبين شيئا من أسرار الله الحكيمة. يعني: لو أنه تتبع القياس الصحيح لطال المقام في مثل هذا الشرح المختصر لهذا الكتاب. قال: بعد قسمة الحكيم الخبير، يأتي دعاة التجديد من المستغربين ليغيروا حكم الله تعالى، ويبدلوا قسمته، بعد أن تمت كلماته صدقا وعدلا، زاعمين أنها أعدل وأحسن من أحكام الله. ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟ وهؤلاء أصحاب التغريب ممن يأخذ ثقافته من زبالات أفكار الكافرين والفاجرين. قال: والحق أن هؤلاء المهوسين جهلوا القوانين السماوية والأوضاع الأرضية، فنعقوا بما لم يسمعوا. ولهذا تجد أن هؤلاء تتلاعب بهم تلك المقولات، فتجد أحدهم يضيع عشرين سنة، ثلاثين سنة في الفكر الاشتراكي، فلما انهارت الثقافة الاشتراكية، إذا به ماذا؟ ينادي بالفكر الرأسمالي البرجوازي، وهكذا ربما تمر به كم سنة ثم ينادي بفكر ثالث ورابع وخامس، وهكذا هو يتنقل من فكر إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى. قال: وهم في نعيقهم بين امرأة حست بمركب نقصها فأرادت أن تخرج على شريعة الله، وبين متطرف يريد التزيّن بالإلحاد والزندقة، وبين ناعق بما لا يسمع. إنه إلا دعاة ونداء، فهم لا يعقلون. قال: وهذا العلم علم شريف جليل. وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على تعلمه وتعليمه في أحاديث، منها حديث بن مسعود مرفوعا: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس». والحديث ضعيف. قال: وقد يراد بالفرائض هنا الأحكام العامة. وقد أفرده العلماء بالتصانيف، الكثير من النظم والنثر، وأطالوا الكلام عليه. ويكفي في تعلم أحكامه فهم الآيات الثلاث من سورة النساء - يعني الآيتين في أول السورة والآية الأخيرة في آخر السورة - قال: وحديث بن عباس الآتي، فقد حاطت بأمهات مسائله، ولم يخرج عنها إلا النادر. قال: ونورد هنا مقدمات تتعلق بهذا المقام، لتكمل الفائدة في هذا الكتاب. طيب، هذا نتركه إن شاء الله إلى الدرس اللاحق. والله تعالى أعلم.