الدرس في كتاب الوصية 3، 2-باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل مسألة وصول ثواب الصدقات إلى الميت، واستدلال الشيخ بحديث عائشة -رضي الله عنها- على جواز الصدقة عن الميت، خاصة من الأبناء. كما يبين أهمية بر الوالدين بعد موتهما.
يفصل هذا الفصل في أهمية كتابة الوصية ووصول ثواب الصدقات إلى الميت، ويبين أن صدقة الأبناء للآباء تصل إليهم، وأن وصية الميت الذي يموت فجأة تصح بفعل ابنه.
يتناول هذا الفصل حكم شراء شيء غير معروف بعينه، ويبين أن الشراء جائز إذا حصل التراضي وكان السعر معلوما، ولا يعتبر شراء مجهولا إذا كان النوع معلوما وإن جهلت العين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت. قال حديث عائشة -رضي الله عنها- أن رجلًا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم. أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة. أورد المؤلف -رحمه الله- هذا الباب والحديث في سياق ذكره لأحاديث الوصية التي رواها البخاري ومسلم، والحديث على قاعدته، لفظ الإمام البخاري في الموضع المشار إليه. وقد قال البخاري -رحمه الله-: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني هشام عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- فذكر الحديث بلفظه. وهو كذلك في صحيح مسلم، وتبوّب له بهذا الباب: باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت. ومناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الكتاب أن له تعلق بأحكام الوصية، فكأنه يقول: ومن أحكام الوصية وصية الولد لوالده إذا مات فجأة، والدليل هذا الحديث. وتبويب من بوب على أحاديث مسلم بقوله: باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت، يعني بعد موته بصدقة ابنه له. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة: هل الميت يمضي له صدقة من يتصدق عليه من بعده مطلقًا؟ أم فيه تفصيل؟ الصحيح الذي دلت عليه الأدلة أنها تقبل من أبنائه؛ لأنهم من كسبه، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وذكروا في معنى دعاء الولد الصالح عمله، فهو من دعاء العبادة، فعمل الولد للأب، ومنه الصدقة. وقد دلت الأدلة على ذلك. ومن تأمل الأدلة وجدها أنها جاءت في حق الأبناء مع الآباء، هذا الحديث حديث عائشة، ونحوه جاء في حديث ابن عباس، فهي تدل على هذا المعنى. وقصة سعد كذلك، فدلت هذه الأدلة على هذه المسألة: أن صدقة الأبناء للآباء تصل، أبًا كان أو أمًا، من ابن كان أو بنت. لهذا الحديث ولعموم حديث أبي هريرة المتقدم، فقولهم: باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت، ليس مطلقًا. الصحيح أنه ليس مطلقًا. وفيه كذلك ما سبق من مسألة الوصية: أن وصية الميت الذي يموت فجأة تصح بفعل ابنه، أن يخرج الابن صدقة لهذا الميت. وإن شاء الله تصله، خصوصًا إذا علم منه الخير وأنه إن أمد الله في عمره، أو أنه لم يمت فجأة لتصدق، كما قال هذا الرجل: «إن أمي افتلتت نفسها»، أي: ماتت فجأة. ولهذا بوب له البخاري باب موت الفجأة. ويتضمن ذلك كذلك ما سبقت الإشارة إليه في حديث ابن عمر: أهمية أن يوصي الإنسان بوصيته. فالإنسان لا يدري متى يموت، فإن كان يحب أن يتصدق بصدقة أو يوصي بوصية، فينبغي أن يهيئها، لا تمر عليه ليلة أو ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده، كما صح معناه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عمر. وهذا بعض أوجه استحباب كتابة الوصية؛ فإن الإنسان قد يأتيه موت الفجأة، فلا يدري متى يأتيه الموت، فلذلك يستحب في حقه أن يعجل بصدقته. وهكذا كذلك في هذا الحديث كذلك أهمية احتساب الأعمال والنية لها. فإن الإنسان إذا لم يوفق للعمل، كانت نيته واحتسابه -بإذن الله تعالى- سببًا لكتابة الأجر، وكذلك في قبول العمل من بعده. فمثلًا لو أن إنسانًا أراد أن يحفر بئرًا صدقة، فقصرت به النفقة، قال: إن شاء الله إن أعانني ربي وتيسر لي المال، فأنا سأحفر البئر الفلانية صدقة. فسمعه بعض أقاربه، فيسر الله له بالمال، لكنه مات قبل أن يدرك العمل، فهل يجوز لغير أبنائه أن يتصدق له بهذا المال؟ كذلك الصحيح يجوز، ما دام قد تلفظ به واحتسب العمل. فكذلك يجوز أن يخرج له. وعلى هذا يحمل هذا التبويب العام: باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت، يعني فيما إذا كان قد دل عليه قول أو فعل من الميت. فإذا وجد ما يدل على احتساب هذا الميت هذا العمل، ولكن منعه منه مانع، فتيسر في وقت لا يكفيه أن يباشر العمل، فمن البر بالميت أن يمضي له عمله، أن يمضي له في عمله الذي أراد أن يعمل به. وعمله -إن شاء الله- مقبول، والصدقة من بعده مقبولة؛ لأنه منعه منه مانع. والنبي -صلى الله عليه وسلم- سمع قول الرجل: «لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم». واستدل به بعض أهل العلم بهذا المعنى. كذلك في هذا الحديث فضيلة بر الإبن بأبيه بالصدقة وغيرها من أنواع البر. فالبر لا يقف عند الحياة، بر الوالدين يكون في الحياة ويكون كذلك بعد الممات. ومن برهما بعد الممات ومواضع البر كثيرة: التصدق لهما، واستمرار العمل الصالح الذي كان عليه إن أمكن، ومن ذلك صلة ود الوالدين، كما صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: أن من أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه. وصلاة ابن عمر أنه روى هذا الحديث، وكان من فعله وامتثاله لعمله، وعمله بهذا الحديث: أنه رأى أعرابيًا كانت بينه وبين عمر -رضي الله عنه- مودة، فخلع ما عليه وألبسه إياه، وأعطاه حمارًا كان يركب عليه، حتى تعجب من معه لما صنعت هذا؟ فقال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يموت». فيستحب للإنسان أن يبر بوالديه بعد موتهما بكل معاني البر التي تمكن، ومنها التصدق لهما بما يتيسر من الصدقات؛ فإن ذلك مما يصل -إن شاء الله- الوالدين. فالصدقة مما دل الدليل على وصول العمل فيها. وإن كان الأصل هو انقطاع عمل الميت بموته، وأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يراغ، وإذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث. ولكن الصدقة جاء الإذن فيها بالدليل. إلى هنا والله تعالى أعلم. يقول: هل صدقة الآباء للأبناء تصل؟ الأصل العدم، هذا هو الأصل، ولا يخرج عنه إلا بدليل. ولا أعرف دليلا في هذا الباب، والله أعلم. يقول: أخذنا من شروط البيع أن يكون الثمن معلومًا، فإذا جاء مشتري يريد السلعة الفلانية، وقال العامل: إنه لا يعرف ثمنها، فقال له: ولكن خذها، وفيما بعد أسأل عن سعرها وأخبرك، فأخذ المشتري السلعة، ووضع عنده المشتري مبلغًا من المال، ثم أخذ السلعة، وقال: آتيك فيما بعد. فما حكم هذا البيع؟ وهل يتجاوز عن هذا الشرط فيما إذا كانت السلعة رخيصة الثمن؟ إن شاء الله جائز، ما دام أنه حصل التراضي، وكان السعر في حدود شيء معلوم، ولكن جهل عين ما في شيء، وليس هذا من شراء المجهول.