الدرس في كتاب الجهاد 6، 11- باب استحقاق القاتل سلب القتيل . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تتناول غزوة حنين التي وقعت بين المسلمين والمشركين من هوازن وثقيف، مع تفاصيل المعركة والاستعدادات التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم. استخلصت دروسًا في فقه القتال والسياسة الشرعية.
يتناول شرح حديث أبي قتادة في غزوة حنين واستحقاق القاتل سلب القتيل، ويوضح أن السلب يكون للقاتل خاصة وليس من الغنيمة العامة. كما يفسر قول البخاري حول سلب القتيل وعدم خروجه من الخمس.
يتناول مسائل فقهية متعلقة بقتل أبي جهل، مثل أحقية السلب للقاتل، جواز التشريك في السلب، وعقوبة ساب الرسول. استدل العلماء بأحاديث نبوية على هذه المسائل.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب استحقاق القاتل سلب القتيل. قال: حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلًا من المشركين على رجل من المسلمين، قال: فاستدرت حتى أتيته من ورائي حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله. ثم إن الناس رجعوا وجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه. قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال: من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه. فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال الثالثة مثله، فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلبه عندي، فأرضه عني. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا هالله، إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيعطيك سلبه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، فأعطاه. قال: فبعت الدرع، فابتعت به مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. قال: أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلًا فله سلبه. قال: حديث عبد الرحمن بن عوف قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لأن رأيته لا يفارق سوادي سوادة حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، قلت: ألا إن هذا صاحبكم الذي سألتماني، فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتله، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه. فقال: أيكما قتله؟ قال: كل واحد منهما أنا قتلته. فقال: هل مسحتما سيفكما؟ قالا: لا. فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمر بن الجموح. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره لأحاديث كتاب الجهاد المتفق عليها بالصحيحين. وقوله: باب استحقاق القاتل سلب القتيل، أي هذا مدخل في معرفة حكم استحقاق القاتل سلب القتيل، وهو يتضمن مسائل ترشد إليها الأحاديث المذكورة فيما يتعلق بهذا الباب. وإيراد هذا الباب بعد باب الأنفال على قاعدته هو ما بوي به على صحيح مسلم، وفيه هذه مناسبة وفقه لطيف، فإن حقيقة هذا الباب هو معنى من معاني الباب المتقدم، لكنه يختلف عنه كونه معنى خاصًا. فكما تقدم معنى هناك غنيمة وأنفال، وبين الأنفال والغنائم عموم وخصوص، فالغنائم الأموال التي يأخذها المسلمون من الكفار بالقتال، أي الحربيين، والأنفال أوسع من ذلك. ويأتي ذكر الغنيمة وتسمى بالنفل، ومنه قول الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ولكن لأن معنى الأنفال أوسع يدخل فيها كل عطاء يكون في القتال، فيدخل فيه أمر الغنيمة وما هو زائد عن ذلك. فمن الزائد ما يجتهد فيه الإمام من تخصيص بعض الجيش فردًا أو جماعة بالعطاء لعمل خاص قاموا به أو عطاء يستحقونه، ومنه ما مر معنا في حديث ابن عمر حين أعطى السرية بعد أن أعطاهم سهامهم بعيرًا بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا، فقيل: أنه تتمة القسمة، وقيل: أنه شيء زائد اقتضى المقام زيادتهم لمصلحة. ويروى حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا، هو حسن بمجموع طرقه، وبعضها حسن لذاتها، عن جماعة من الصحابة، أنه كان يعطي السرية في أول أمرها إذا ذهبت يعطيها الربع، وإذا رجعت الثلث بعد الخمس. وهذه الزيادة في العطاء لأجل ما تقوم به في أول مذهبها، فإنها تمهد للجيش بفتح الطريق وإرسال العيون وغير ذلك من المصالح، فاقتضى أن تعطى هذه السرية التي تتقدم زيادة. وهكذا كذلك السرية المتأخرة آخر سرية ترجع تعطى زيادة فوق عطائها، هذه الزيادة جاء ذكرها الثلث بعد الخمس، وذلك كذلك لما فيه من حماية الجيش من خلفه، ولكذلك إعادة الكرة على من بقي من الكفار، وغير ذلك من المصالح الأخرى. ونلاحظ الفرق في الذهاب كان الربع، وفي الرجعة الثلث، قال العلماء: لأن في ذهابهم يوجد من يحميهم من خلفهم وهم الجيش، فيكون ذلك سببًا في النقصان، سهمانهم الزائدة، ولما كانوا في الرجوع ليس أحد يحميهم استحقوا زيادة العطاء. وقد مرت معنا تفاصيل في دروس سابقة فيما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في السياسة الشرعية في قسمة الأموال العامة، قسمة الأنفال. وهكذا كذلك من هذا الباب من الأنفال سلب القتيل، فسلب القتيل ليس هو من الغنيمة العامة التي تكون لكل أحد، بل هو للقاتل خاصة. وهل هذا السلب يُعطى بإذن الإمام وأمره وندائه أم يُعطى مطلقًا ولو لم يأذن الإمام ولم ينادي؟ في هذا خلاف، والصحيح في ذلك أن الأصل فيه العطاء، ولكن للإمام أن يمنع أو يؤخر أو يغير إذا اقتضى المقام ذلك. لا شك أن التلفظ به تأكيد له، قوله: باب استحقاق القاتل سلب القتيل، تبويب أنه حق كل قاتل، فهو ليس استحقاق مطلق، ولا كذلك يكون على كل حال بغير إذن الأمير، وإلا فهو الأصل. هذا هو الأصل، ثم ذكر حديث أبي قتادة رضي الله عنه في ذكر عام حنين، يعني غزوة حنين، وعلى قاعدته اللفظ لفظ الإمام البخاري. وقد خرج البخاري في الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة، فذكر الحديث بلفظه. وهو حديث عظيم فيه شيء مما وقع في يوم حنين أو عام حنين، وغزوة حنين غزوة عظيمة قد تناولت أحكامًا عديدة كثيرة. وهذه الغزوة من الغزوات التي ابتلي بها وامتحن بها المسلمون، فقد كان عدد المسلمين قرابة ثلاثة عشر ألف مقاتل، حتى اغتر بعض المسلمين بهذا العدد، فامتحنهم الله عز وجل وابتلاهم، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُك، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾. وفي المقابل كان عدد المشركين قرابة خمسة أو ستة وعشرين ألفًا، يعني قرابة الضعف، فكانت معركة عظيمة، قيل أنها أكبر معركة وقعت في جزيرة العرب في وقت الإسلام. والعدو هم هوازن وثقيف، وهم عدو قريش وما جاورها في الجاهلية، وهكذا كانوا بعد ذلك في الإسلام. خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من معه، وفي هذه الغزوة أشياء كثيرة، ومما يذكر مما يؤخذ منه فقه القتال وحسن السياسة والتدبير، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم. أنه عليه الصلاة والسلام أخرج معه حين خرج من مكة بعد عام الفتح، وقد جاءه خبر استعداد هوازن وثقيف لغزو النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، فأرسل عليه الصلاة والسلام من يأتي بهذا الخبر ويؤكده. فأرسل ابن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عنه، فأكد الخبر، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ليلاقي القوم في الطريق بين مكة والطائف، لأنهم كانوا من جهة الطائف. وفي هذا كما قال العلماء ملحظ مما يستفاد من السياسة التي ينبغي أن يستفيدها المسلمون، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام خرج من مكة، ومكة أهلها حديث عهد بجاهلية، فكونهم يأتون إلى قرب مكة هذا فيه فتنة ومحنة لأهل مكة، وهم حديث عهد بجاهلية. فاحتمال أن يرتدوا ويقفوا مع هؤلاء المشركين ضد جيش المسلمين، فكان من الحكمة إبعاد مكان المعركة عن هذا المكان الذي هو حديث عهد لا يحتاج إلى فتنة. وهكذا كذلك من فقه هذه الغزوة أنه عليه الصلاة والسلام أخرج معه الجيش الذي جاء به، وكانوا قرابة عشرة آلاف، وزاد معهم رؤوس صناديد قريش ومن معهم من مسلمة الفتح. وفي هذا كذلك فقه آخر، إذ تركهم في مكة مع ما قد يقع من خبر القتال مع هوازن وثقيف، قد يكون كذلك سببًا لفتنة أخرى، وهم حديث عهد بإسلام، فأخذه إياهم معه عليه الصلاة والسلام كانت فيه حكمة عظيمة. مع أن بعض المسلمين تعجب من ذلك، كيف يأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم حديث عهد بإسلام، ما أسلموا إلا لأيام، فكيف يأخذهم وكيف يمكنهم وكيف يستعين بهم في قتال؟ وفي الحقيقة كان هذا هو عين الصواب. وهكذا كذلك من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام لم يكتفي بما معه من جيش وعدة وعدد، على أن ذلك كان مما سببًا في دخول الرعب على أهل مكة، كما هو معروف في حديث عام الفتح، كيف عرضت الجيوش وأبو سفيان ينظر وهم معلمهم عليه، ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم أخرج معه من أخرج زيادة، واستعد كذلك بزيادة السلاح. وهذا من الأخذ بالأسباب في مثل هذه المواقف، حتى أخذ عارية السلاح من بعض من لم يسلم من المشركين، كما هو مبسوط في الصحيح وغيره، في أخذ السلاح من صفوان بن أمية ونوفل بن عبد المطلب، وجماعة من تجار سلاح قريش وما حولها. حتى قالوا: أغصب يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل عارية مضمونة، بل عارية مضمونة. وغير ذلك مما كان فيه حسن التدبير في هذه الغزوة، ومع ذلك حصل الابتلاء والامتحان فيما كان فيه درس للمسلمين، ألا يتعلقوا بالأسباب الحسية فحسب، بل عليهم أن يرتبطوا بالله عز وجل، ويجعلوا ذلك هو همهم الأعظم، كما سمعنا في الآية السابقة. وكان المشركون أهل قتال ورمي، كما جاء في بعض الأحاديث، وكانوا رماة، يعني ممن يضرب به المثل في الرمي. وزيادة على ذلك فإنهم أوقعوا كمينًا بالمسلمين، فحنين هو وادي يضيق في آخره، قعد هؤلاء المشركون قبيل الليل في أماكن، حتى إذا دخلوا، أي دخل المسلمون في هذا الوادي، رموهم بالنبال من أعلى، فسبب اضطرابًا في الجيش. فعند ذلك تفرق الناس، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مال إلى ميمنة الوادي: يا للمهاجرين، أو يا أهل نادى بنداء المهاجرين والأنصار، وهكذا أهل السور، فاجتمعوا حوله قرابة مئة، ثم اجتمع البقية. فكان بذلك شد الأزر على المسلمين، وهذا هو قول أبي قتادة حين قال: فلحقت عمر، فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله، يعني حين تفرقوا، وقد رماهم المشركون بالنبال من فوق رؤوس الجبال. والشاهد منه حين قتل هذا الكافر، وفي استدارته كذلك معنى آخر من معاني حسن التصرف في الحرب، فإنه أتاه من موضع ضعفه، والحرب خدعة. وقوله: وجدت منها ريح الموت، يعني من شدة ضغطته وضمته، كاد أن يموت، كاد أن يموت، ولكنه لشدة الضربة مات، أي الكافر. وقوله في الحديث كذلك: ثم إن الناس رجعوا وجلس النبي صلى الله عليه وسلم، يعني رجعوا بعد أن فروا وتفرقوا، رجعوا واجتمعوا حول النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هذا أول الأمر، ثم أكملوا ما بقي حين لاحقوا هوازن وثقيف وهم قد فروا وتفرقوا، فأدركوهم وقتلوا من قتلوا، وأخذوا من أخذوا. وكانوا قد أخرجوا معهم النساء والذرية والمال، يريدون بذلك أن لا يفر أحد، حتى لما قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، كما يروى أنه قال: تلك غنيمة المسلمين إن شاء الله. وقوله: من قتل قتيلًا له عليه بينة، هذا هو الشاهد كذلك لحكم آخر من أحكام سلب القتيل، أن من قتل قتيلًا فله سلبه إذا كانت عنده بينة. وهذه البينة ها هنا وضحت وبيّنت أنها قد تكون بشهادة رجلين، وقد تكون بشهادة رجل واحد، على خلاف الشهادة في غير هذا الموضع. واستدلوا العلماء على ذلك بهذا الحديث، فإن الشاهد ها هنا رجل واحد، قال: فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلبه عندي، فهذه شهادة رجل واحد قُبلت في هذا الموضع. ولكن أجاب بعض أهل العلم أنها شهادة مؤيدة بماذا؟ بدعوى المسلم الذي الأصل فيه الصدق، بدعوى المسلم الذي الأصل فيه الصدق، فليست شهادة مجردة، بل شهادة مع دعوى المسلم. قال أبو قتادة: أنه قتل قتيلًا، البينة جاء الرجل فشهد، فصار هذا يعضض شهادته، يعضض شهادته. وفي الحديث الآخر الشهادة والبينة لم تكن بشهادة من رأى، ولكن بأثر السيف، قال النبي صلى الله عليه وسلم للمعاذين: ماذا؟ حين قال: من قتله منكم؟ فقال: كل منهما: أنا قتلته يا رسول الله. فقال: هل مسحتما سيفكما؟ وهذا هو الشاهد، فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله، قال: كلاكما قتله، فعرف البينة من أثر السيف. لكن هنا إشكال، كيف قال عليه الصلاة والسلام ذلك، ومع ذلك أعطى سلبه لمعاذ بن عمر بن الجموح، ولم يعط منه شيئًا لمعاذ بن عفراء؟ قال العلماء: لأنه رأى في أثر السيف رأى في أثر السيف ما يدل أن معاذ بن عمر بن الجموح هو الذي قتله القتل الذي يستحق به السلب، وإن كان الآخر ضربه ضربة قاتلة، لكن القتل وقع من ضربة معاذ بن عمر بن الجموح. ويؤيد ذلك ما رواه ابن إسحاق بإسناد صحيح في قصة قتل أبي جهل من قبل هذين الشابين الصغيرين، أنهم اشتد عليه، فضرباه ونازعهما، فاشتد عليهما ابنه عكرمة بن أبي جهل، فضرب يد معاذ بن عمر بن الجموح حتى تدلت يده، فكانت معلقة على جلده، فشد بقية يومه، ثم لما ضايقته قطع تلك اليد، وداسها برجله، وشد عليها حتى فصلها من موضعها. وهذا من شجاعته، بل من شجاعتهما رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما. ومن لطيف ما ذكر في ترجمته ما ذكره الذهبي رحمه الله حين ذكر هذه القصة في ترجمة معاذ بن عمر بن الجموح بسير إعلام النبلاء، فذكر هذه القصة وما وقع له، وكيف صنع، ثم قال رحمه الله: هذه والله الشجاعة، لا كآخر من إذا خدش بسهم تقطع قلبه وخارت قواه. يعني بعض الناس إذا أصيب بسهم قلبه يسقط، وقواه تضعف، خلاص يرتعد، يرى الموت، وهذا الشاب الصغير الذي كما ذكر كثير من أهل العلم أنهما لم يبلغا حتى سن البلوغ. وفيه جواز خروج أمثال هؤلاء عند الحاجة، عند الحاجة، وبعضهم قال: هذا قبل حكم هذه المسألة، فانظر كيف كانت شجاعتهما. وهذه القصة ذكر الذهبي أنها رواها ابن إسحاق بإسناد صحيح، فقد رويت من طريقه بإسناد رجاله ثقات. وهكذا كذلك من مسائل هذين الحديثين مما يناسب هذا الباب، أن أبا جهل قتله كذلك ابن مسعود، كما جاء في بعض الروايات، جاء فوجد فيه رمق، فأكمل قتله بحز رأسه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه من سلبه. ففيه دليل على جواز التشريك في السلب، جواز التشريك في السلب، وأن من أبلى بلاء أشد أعطي الأكثر. وفي قوله كذلك أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، استدل به جماعة من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن ساب الرسول صلى الله عليه وسلم عقوبته القتل على كل حال. واستدل بأدلة كثيرة، منها هذا الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عفى عن بعض المشركين، ونهى عن قتل بعض المشركين، كأبي البختري بن هشام، وهو ليس له عهد، بل قال عليه الصلاة والسلام في حق المطعم بن عدي: لو أنه شفع لهؤلاء الأسرى لأطلقهم، يعني لما كان من جواره في مكة، وما كان من حسن فعله. بينما أبا جهل ومن كان على شاكلته أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هؤلاء لما كان من سبهم، وما كان من أذيتهم. وكذلك من هذه المسائل والحديث أو الحديثان فيهما مسائل كثيرة، لكن يذكر الأهم من هذه المسائل. ما استدل به العلماء في الحديث الثاني، وكذلك الأول، أن السلب للقاتل لا يصح إلا بنداء، وبعضهم قال: بغير نداء، على الخلاف الذي تقدم. لكن هذه الأحاديث مع غيرها تدل أن المسألة فيها تفصيل، كما تقدم، فإذا نادى الإمام ثبت السلب للقاتل، وإذا لم ينادي فهو الأصل، لكن لا يستلزم منه تحقيق ذلك. لا يستلزم منه تحقيق ذلك، ومنه قصة المدري اليمني في حديث عوف بن مالك الذي رواه الإمام مسلم، وقد تقدم معنا قريبًا في بعض الدروس. ففي تلك القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم منعه بعض السلب، وكان قد أراد أن يعطيه لما تطاولوا على الأمير، أي خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنهم جميعًا وأرضاهم. وفيه كذلك من المسائل جواز الحلف بهذه الصيغة: لا هالله، فإن معنى لا هالله أي: لا والله، هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، فإنها صيغة ثبتت في اللغة والعرف، وكذلك في السنة الصحيحة. ومعنى قوله: إذن لا يعمد إلى أسد من أسد، لا يقاتل عن الله، يعني جواب لقول ذلك الرجل الذي أخذ السلب، معناه أن أبا قتاد قتل المشرك، ولكنه لم يأخذ السلب، فأخذه رجل آخر. فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال الرجل: أنا أشهد أن أبا قتاد قتل هذا الرجل، ولكن سلبه عندي، فارضه عني، يعني أعط أبا قتاد شيئًا آخر يكون عوضًا عما في يدي من سلب هذا المقتول. فطمع هذا الرجل أن يكون السلب الذي في يده له، وأن يعطى أبا قتاد شيئًا آخر، فهنا قال أبو بكر: لا هاء الله، يعني لا والله لا يكون كذلك، لا تستحقه. وهذا هو قول لا والله، لا هاء الله، يعني لا والله، إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يريد أبا قتاد يقاتل عن الله ورسوله، يعطيك سلبه، يعني يبذل ويجتهد، وفي النهاية أنت تأخذ، لا يصلح هذا. فمعنى أن أبا قتاد أحق بهذا السلب، فهنا أكد النبي صلى الله عليه وسلم قول أبي بكر، فقال: صدق، يعني صدق أبو بكر، فأعطاه الرجل السلب، يعني أعطاه لأبي قتادة. وقوله: فبعت الدرع، فابتعت به مخرفًا في بني سلمة، المخرف الحديقة الصغيرة التي فيها نخلات قليلة تخرج ثمرًا قليلًا يتخرف به. وموضع بني سلمة معروف اليوم في المدينة في جهة مسجد القبلتين، وهو الذي يسمى اليوم بمسجد القبلتين، وهو في الحقيقة مسجد بني سلمة. وقوله: بإنه لأول مال تأثلته، يعني امتلكته وانتفعت وانتفعت منه في الإسلام، وهذا شيء يتذكره الإنسان ولا ينساه، يعني كونه يملك شيء في الإسلام، ولم يكن قد ملك شيئًا قبل ذلك. وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام، أو في هذا الحديث حين قال الشابان: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ فهنا خرج فقتل هذا الكافر على ما سمع من أذيته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفيه كذلك الغير لله ولرسوله ولدينه، وهذا موضع من مواضع الغير لله ولرسوله ولدينه. وفي قوله: أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، يعني كأنه استصغر أن يكون بين هذين الغلامين، فكأنه في مكان لا يصلح أن يكون مثله فيه، يظن أن المكان مكان الصغار. فالغالب أن شدة القتال تكون عند الأقوياء، وما علم أنهما من شجعان المقاتلين، فرضي الله عنهم جميعًا وأرضاهم. طيب هذا خلاصة ما يذكر في هذين الحديثين على وجه الاختصار. وأما قول البخاري: باب من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلًا فله سلبه، يعني أن سلب القتيل لا يخرج من الخمس، عندنا خمسة أخماس، أربعة أخماس للمقاتلين، وخمس لله والرسول، وخمس لله والرسول. فسلب القتيل لا يخرج من هذا الخمس، وإنما يخرج من أصل الغنيمة، ومن أصل المال قبل القسم، قبل القسم. ويدل عليه هذه الأحاديث، ولهذا بوّب البخاري بهذا الباب الذي يدل على هذا المعنى. والله تعالى أعلم.