الدرس في مناسك الحج والعمرة 4، الدرس الرابع:من( بين يدي الإحرام ... ولكنها لا تشده عليها كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يستحب للمحرم أن يغتسل قبل الإحرام ويلبس لباسًا غير مخيط، مثل الإزار والرداء، ويجوز لبس النعال. يُشدد على عدم جواز لبس الملابس المخيطة للرجال.
يتناول المقطع تفاصيل حول ما يجوز وما لا يجوز لبسه للرجل والمرأة أثناء الإحرام، مستندًا إلى الأحاديث النبوية الصحيحة، ويشمل ذلك أحكام النعال والخفاف والملابس.
ناقش المقطع أحكام لباس المرأة المحرمة، ووضح أن النقاب والقفازين لهما أحكام خاصة، مع التأكيد على وجوب ستر الوجه واليدين أمام الرجال الأجانب.
تم ختام الجلسة عند هذا الحد على أن يستكمل الحديث في وقت لاحق بعد الصلاة، مع التأكيد على أن العلم بيد الله تعالى.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال العلامة الألباني رحمه الله تعالى في منسكه: قال بين يدي الإحرام. قال: يستحب لمن عزم على الحج أو العمرة المفردة أن يغتسل للإحرام، ولو كانت حائضًا أو نفساء. ودليله ما جاء في الصحيح في قصة أسماء بنت عميس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها أن تغتسل، وكانت قد نفست - يعني وضعت ابنها محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن تغتسل. فاستدل به العلماء على استحباب الغسل للإحرام، وأنه من مستحبات الإحرام، حتى ولو كان المحرم لا ينتفع بالغسل، مثل الحائض والنفساء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس أن تغتسل. ثانيًا: ثم يلبس الرجال ما شاء من الألبسة التي لم تفصل على قدر الأعضاء، وهي المسماة عند الفقهاء بغير المخيط. وقوله: التي لم تفصل على قدر الأعضاء؛ لأن معنى ذلك تدل عليه الأحاديث التي جاءت في صفة ما يلبس المحرم. وقوله: ما يسميه أو قال المسمى عند الفقهاء بغير المخيط؛ لأنه على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، حصر المنهي عنه بالمخيط خطأ. أولًا: لأنه فيه توسع، حتى دخلت إشكالات كثيرة على بعض العامة والمبتدئين ومن لا علم عندهم، فظنوا أن كل ما فيه خيط لا يجوز أن يلبسه المحرم، وليس هذا بالصحيح. وإنما الذي لا يلبسه المحرم ما كان محلقًا بالجسد، ولو لم يكن فيه خيط، ولو لم يكن فيه خياطة. فمثلًا: جبة الصوف التي تحاك حياكة - تعرفون ما يحاك - يغزل غزلًا ليس فيه خياطة - يعني ليس فيه وصل بين قطعتين بخياطة - بخياطة، إنما هو يغزل غزلًا فيكون شيئًا واحدًا، لكنه يحلق بالجسد، فهل هذا يجوز لبسه للمحرم؟ الجواب: لا، لا يجوز، مع أنه ليس فيه مخيط. وهكذا كذلك إزار مشقوق، وقد خيطت أطرافه - إزار مشقوق مثل المعوز السباعية، وأطرافه مخيطة - لكنه غير محلق بالجسد، مفتوح، هذا يجوز لبسه. فإذا صار لفظ مخيط يدخل أشياء - الصحيح أنها لا تدخل - وتخرج أشياء - الصحيح أنها تدخل - ولهذا التعبير بما ذكره: أنها لم تفصل على قدر الأعضاء، أو نقول بتعبير آخر: لا تحلق بالجسد، فهذا هو الذي نهي عنه المحرم فيما دلت عليه الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فيلبس الإزار والرداء ونحوهما - يعني مما يكون مفتوحًا لا يحلق بالجسد - الإزار هو مثل ما نسميه اليوم السباعية، وتعرفون الإحرام الذي يلبسه الرجل يكون مفتوحًا من الأسفل - يعني قطعة واحدة مفتوحة - ثم يلفها، وفي الأعلى قطعة واحدة مفتوحة، ثم يلفها على صدره وكتفه. قال: فيلبس الإزار والرداء ونحوهما - يعني مما لا يحلق بالجسد - حتى ولو احتاج أن يلبس القميص على هيئة الإزار، لم يكن هذا في معنى النهي الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن إذا لبس القميص على هيئته بأن يدخل اليدين في الكمين والرأس في موضع الرقبة، فهذا المنهي عنه. أما إذا اتزر بالقميص بأن جعل طوله في عرضه في عرض جسده، فلفه على خاصرته، فهذا لا يدخل في النهي، وهو لا يعارض ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يحتاج الإنسان إلى ذلك أحيانًا، ينسى الإنسان الإحرام أو يضيع عليه، أو كذلك يعزم بالعمرة بعد أن لم يكن قد عزم، ولا يجد شيء يلبس، وقد وصل إلى مكان الإحرام، ماذا يفعل؟ يخلع ملابسه ويأتزر بالقميص، يأتزر بالقميص إلى أن يجد أقرب محل يشتري فيه إحرامًا، فيأخذ لنفسه إحرامًا. قال: ونحوهما والنعلين - يعني يلبس النعلين - وكل ما كان بمعنى النعال مما هو أسفل من الكعبين، لحديث ابن عمر وابن عباس في الصحيحين، فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث ابن عمر في الصحيحين قال: ولا يلبس الخفاف. قال: إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين. وسيأتي الكلام على هذه المسألة. قال: وهما كل ما يلبس على الرجلين لوقايتهما مما لا يستر الكعبين - يعني ليس خاصًا بالنعال التي نحن نسميها الشباشف، بل يصلح أن يلبس ما نسميه بالجزمات أو الكنادر إذا كانت هذه الجزمة أو الكنادر لا تصل إلى الكعبين، وإنما هي أسفل من الكعبين، فما كان كذلك يجوز لبسه ويدخل في معنى النعال لحديث ابن عمر الذي تقدم. وفي حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة، فقال: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين». فدل على أن الذي ينبغي للمحرم أن يلبس النعلين أولًا. قال: «وَلَا يَلْبَسَ الْقُلُنْسُوَ وَالْعِمَامَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَسْتُرُ الرَّاسِ مُبَاشَرَةً». هذا للرجل، فإذن كل ما يحلق بالرأس أو بالعنق أو باليدين أو بالصدر أو البطن أو الخاصرة أو الرجلين لا يلبسه المحرم؛ لحديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما يلبس المحرم؟ والحديث في الصحيحين. انظر السؤال: ما الذي يلبسه المحرم؟ جواب النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يلبس المحرم القمص ولا السراويل ولا البرانس». قال: ولا القلانس ولا الخفاف، ولا شيء مسه ورس أو زعفران. السؤال عما يلبس المحرم، الجواب عما لا يلبس المحرم، لماذا كان الجواب مختلفًا عن السؤال؟ قال العلماء: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نقل السائل لما هو أنفع له، وهذا قد يسميه بعض أهل البلاغة بأسلوب الحكيم: الانتقال بالسائل مما يريد إلى ما هو أنفع له؛ لأنه لو أجابه فيما أراد أولًا ربما حصر شيء لا يحصر، وثانيًا لم يكن أنفع له. فلذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يلبس وهو قليل، فدل على أن ما سوى هذا فكله يلبس، وهو كثير. فدل أن المنهي عنه قليل، والذي يجوز لبسه كثير، فكل ما سوى هذا المذكور فإنه يلبس. فإذن المنهي عنه ما كان بمعنى التحليق على الجسد من الرأس إلى أسفل الرجلين، فكل ما كان بمعنى التحليق فهو لا يجوز، سواء فيه خياط أو ليس فيه خياط. قال: هذا للرجل، وأما المرأة: ودليل هذا كله حديث ابن عمر في الصحيحين. قال: وأما المرأة فلا تنزع شيئًا من لباسها المشروع، إلا أنها لا تشد على وجهها النقاب والبرقع أو اللثام أو المنديل، ولا تلبس القفازين. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس». القميص واضح، هو هذا الثوب الذي يسميه بعض الناس الدشداشة، أو كذلك ما كان نصف الجسد، ما يسميه بعضهم بالشميز أو الفنيلة. ولا العمامة، العمامة ظاهرة بأنواعها - الخمار والعمامة وأي شيء على الرأس - ولا البرنس، البرنس هو ما يستر الرأس مما يتصل بالقميص، مثل اللباس المغربي، تعرفون لباس أهل المغرب لقمصانهم برانس - يعني شيء يتصل به ويستر الرأس من الخلف - فهذا كذلك لا يلبس؛ لأنه يحلق بالرأس، وهو يحلق بالجسد. ولا السراويل كذلك لا يلبس المحرم السراويل، لا الطويلة ولا القصيرة، لا الداخلية ولا الخارجية، بل يبقى المحرم بغير شيء يلبسه. قد يقول القائل: يوجد بعض المحرمين يحتاجون أن يلبسوا شيئًا؛ لأنه ربما مبتلى بسلس البول أو مبتلى بشيء آخر، فهل يجوز له أن يلبس؟ الجواب: نعم، يجوز له أن يلبس، لكن يلبس بغير معنى السروال، مثل الحفاظة مثلًا، تأتي مفتوحة لا تأتي محلقة، فمثلها يجوز لبسها للحاجة والضرورة، وهو كذلك ليس فيه معنى التحليق. قال: ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران - يعني بعد الدخول في الإحرام، وقبل الدخول في الإحرام؛ لأن الورس والزعفران منهي عن الرجال، فلا يلبسه المحرم - وما كان فيه طيب فكذلك لا يلبسه المحرم بعد دخوله في الإحرام. وأما مس الطيب قبل الإحرام فيجوز كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. ودليله حديث بن عباس في الموقوص في الصحيحين الذي وقصته ناقته. قال: «ولا تمسوه طيبًا». قال: ولا الخفين، والورس معروف، الورس معروف هو نوع من الطيب الذي تطبع به النساء على الوجه، له لون وله رائحة يسيرة، والزعفران معروف كذلك نوع من الطيب، وربما استعمل في الطعام كذلك الورس. قال: ولا الخفين، والخفان معروفان ما يلبسه على الرجلين فيصله إلى فوق الكعبين. قال: إلا ألا يجدن عليهم فليلبس الخفين، وهذا واضح، معنى أن من لم يجد النعال فليلبس الخفين. وفي حديث ابن عمر قال: «فليقطعهما أسفل من الكعبين». وفي حديث ابن عباس، وبمعنى حديث جابر ابن عبد الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يجد نعالين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل». وفي حديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم بمعنى حديث بن عباس. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال كثيرة، أصحها ما أشار إليه المؤلف ها هنا فيما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية في منسكه، قال: وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقطع أولًا، ثم رخص بعد ذلك في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إزارًا، ورخص في لبس الخفين لمن لم يجد نعلين، هذا أصح قولي العلماء - يعني في هذه المسألة - فلما علم المتقدم من المتأخر. فحديث بن عمر كان في المدينة، وحديث بن عباس كان في مكة، قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات، وقال: «من لم يجد إزارًا فليلبس السراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين». وفي حديث بن عمر قال: «فليقطعهما أسفل من الكعبين» - يعني إذا لم يجد النعلين - وفي حديث بن عباس وجابر بن عبد الله لم يذكر ذلك. فقال العلماء هنا، وهذا الذي رجحه كما رأينا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن حديث ابن عباس وجابر بن عبد الله ما عدم ذكر القطع، وعدم البيان وقت الحاجة ممتنع، يدل على نسخ القطع. فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ولا يلزمه قطعهما إلى ما دون الكعبين، هذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى حمل المطلق على المقيد، والصحيح أنه في هذا الموضع لا يحمل المطلق على المقيد، ومر معنا الكلام عليه في شرح عمدة الأحكام. قال رحمه الله: وقال: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين»، وهو حديث ابن عمر كذلك في الصحيحين. ومعنى «لا تنتقب المرأة» أي: لا تضع على وجهها النقاب، وما كان بمعنى مما يشد على الوجه، النقاب هو الذي يشد على الوجه، ومنه اللثام والبرقع والمنديل الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله، فكله يشد على الوجه إلى الخلف، فهذا لا تلبسه المحرمة. طيب هل معنى أن المرأة تكشف وجهها عند الرجال الأجانب؟ الجواب: لا. ويدل عليه ما جاء من حديث عائشة وأسماء: أن النساء كن - أي وهن محرمات - في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بهن الركبان - أي من الرجال - يسدلن - أي الخمر - على وجوههن، السدل أن ترمي الخمار من فوق إلى أسفل، فلا بأس أن تلبس الخمار المسدول من الرأس إلى أسفل، فهذا لا يمنع، لا تمنع منه المرأة إذا كان عند الرجال الأجانب، بل يجب أن تستر وجهها عن الرجال الأجانب. فإذا ذهب الرجال الأجانب، وكانت في مأمن من أن يراها أجنبي، فتكشف عن وجهها. ولا تلبس القفازين كذلك، القفازان ما يوضعان على اليدين من الجوارب المعروفة. وفي هذا دليل أن نساء الصحابة كن يلبسن القفازات، خلافًا لما يظنه الكثير من العامة في زماننا هذا، يظنون أن لبس القفاز من البدع المحدثة، وأنها من فعل المتشددين، وهذا خطأ، بل كان من سنة الصحابيات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يجب أن تلبسه المرأة أمام الرجال الأجانب، فإذا كانت محرمة لا تلبس القفازين، إذن هل تكشف يديها للرجال الأجانب؟ الجواب: لا، لكن تسترهما تحت خمارها، تستر اليدين الكفين تحت الخمار. قال: ويجوز للمرأة أن تستر وجهها بشيء كالخمار أو الجلباب، تلقيه على رأسها وتسدله على وجهها، وإن كان يمس الوجه على الصحيح، ولكنها لا تشده عليها كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى. ويدل عليه ما سمعنا من الأثر المروي عن عائشة عن نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فما يفعله بعض الحنفية وغيرهم من وضع العيدان والأمور المتكلفة حتى لا يلامس الخمار الأنف ولا الوجه، هذا من التكلف، وهو ليس من السنة في شيء، فهذا خطأ. وكشف الوجه للرجال الأجانب خطأ، بل الوجه يستر بالخمار المسدول من أعلى إلى أسفل، ولا يستر بالنقاب أو ما كان بمعنى النقاب. نقف عند هذا الحد، ونكمل إن شاء الله بعد الصلاة. وإلى هنا والله تعالى أعلم.