شرح الدروس المهمة  28

شرح الدروس المهمة 28

الدرس في شرح الدروس المهمة 28، تابع الدرس الرابع من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أقسام الشرك وأنواعه وخطره

الدرس يتناول أقسام الشرك الثلاثة ويشرح الشرك الأكبر وآثاره. يُبين أن الشرك الأكبر يحرم دخول الجنة ويوجب الخلود في النار.

تعريف الشرك الأصغر وأمثلته وأحكامه

يُعرّف الشرك الأصغر بأنه أفعال أو أقوال تعتبر شركًا دون أن تصل إلى حد الشرك الأكبر، مثل الرياء والحلف بغير الله، ويختلف العلماء في تعريفه وتحديده.

الفرق بين الشرك الأصغر والخفي وتطبيقاته

يشرح الفرق بين الشرك الأصغر والخفي، ويُوضح أن الشرك الخفي هو الرياء في العبادات، ويصنف على أنه شرك أصغر إذا كان في تحسين العمل وأكبر إذا كان العمل من أصله لغير الله.

ختام الدرس والدعاء

يمثل ختامًا للدرس حيث يُذكر بالصلاة على النبي وآله وصحبه ويُعبر عن الشكر لله تعالى على نعمه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لدرسنا الرابع من كتاب "الدروس المهمة لعامة الأمة" لشيخنا الوالد العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى. وكنا قد أخذنا في درسنا السابق ما يتعلق بأقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. واليوم نأخذ إن شاء الله ما ذكره رحمه الله من أقسام الشرك، وهي كذلك ثلاثة: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي. فكما أن أقسام التوحيد ثلاثة، فكذلك أقسام الشرك ثلاثة، ولكن هذه الثلاثة لا تقابل تلك الأقسام الثلاثة التي تقدمت في أقسام التوحيد. أول هذه الأقسام، وهو أعظمها وأشدها، الشرك الأكبر، وهو الذي يخرج صاحبه من الإيمان إلى الشرك والكفر. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، وهو يوجب كذلك حرمان دخول الجنة وخلود الخلود في النار، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾. وهو سبب كذلك لحبوط الأعمال، فإن الأعمال تحبط أي تذهب ولا ينتفع صاحبها بها، مهما كانت عنده من أعمال صالحة إذا أشرك بالله عز وجل، فإنه يفسد على نفسه هذه الأعمال الصالحة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. بل إن هذا المقام لا فرق فيه بين صغير وكبير، ولا بين صالح وغيره، بل حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم المنزهون عن هذا الذنب العظيم، وهو الشرك، لكن لو وقع، فإن أعمالهم كذلك تحبط، وهذا من باب بيان خطورته، وإلا فهم أبعد الناس عليهم الصلاة والسلام عن الشرك. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾. فهذا خطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام، وأنه سبق قد كان للأنبياء والرسل من قبله عليهم الصلاة والسلام أن من أشرك فإن عمله يحبط، وأن الواجب على المسلم أن يعبد الله مخلصًا له الدين، وأن يكون له من الشاكرين. فالشاهد أن هذا النوع من الشرك، وهو الشرك الأكبر، هو الذي تكون به خسارة الدنيا والآخرة، والخلود في النار، وحرمان دخول الجنة، وكذلك حبوط الأعمال، وغير ذلك مما فيه تمام الخسارة. وهذا النوع من الشرك هو أنواع بحسب ما تقدم من أقسام التوحيد الثلاثة، فمنه ما يتعلق بالربوبية، فهو شرك أكبر في باب الربوبية، ومنه ما يتعلق بالأسماء والصفات، فهو شرك أكبر في باب الأسماء والصفات، ومنه ما يتعلق بالألوهية، فهو شرك أكبر في الألوهية. ومثال الأول الشرك في باب الربوبية، أن يعتقد أن غير الله جل وعلا يخلق ويرزق وينفع ويضر، وكذلك له التصرف، فكل ما كان بمعنى هذه الأفعال التي هي من خصائص ربوبية الرب سبحانه وتعالى، فقد أشرك مع الله عز وجل غيره، فيحبط بذلك عمله، ويوجب على نفسه الخلود في النار، ويحرم على نفسه دخول الجنة، ويكون له كذلك الخسارة في الدنيا وفي الآخرة. وهذا كثير، فقد كان في بعض المشركين الأولين من عنده هذا الاعتقاد، يظن أن غير الله ينفع ويضر، وأن غير الله كذلك يملك ما يملك الرب سبحانه وتعالى من خصائص الربوبية. فهذا هو الشرك الأكبر. وقد أخبر ربنا جل وعلا عن بعض قوم موسى عليه الصلاة والسلام أنهم قالوا له: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. وثبت في السنن من حديث أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه أن قومًا كانوا حدثاء عهد بجاهلية مروا بسدرة، وقد كان للمشركين سدرة يقال لها "ذات أنواط" يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر، إنها السنن، فلقد قلتم -والله- كما قال أصحاب موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة». فإذا كان كذلك، فهذا يدل على أن اعتقاد النفع والضرر لغير الله جل وعلا، أو مع الله جل وعلا، يكون سببًا للوقوع في الشرك الأكبر، وكذلك الوقوع فيما يثمره أو يثمره هذا الفعل بسبب الشرك. وهكذا كذلك في عهدنا المعاصر، نجد بعض الناس يعتقد أن غير الله ينفع ويضر، ويدبر أمر الخلق، كما يعتقد بعض الغلات من المتصوفة، من الباطنية، سواء من الرافضة أو من الصوفية، أو غيرهم من طوائف أخرى، لهم اعتقادات في بعض الصالحين من الأموات، بل وربما من بعض الأحياء، أنهم أقطاب، وأنهم أوتاد، لا يقوم كيان هذا الكون وأمر المخلوقات إلا بهم، وأنهم يدبرون شؤونهم، وأنهم كذلك يرزقونهم، وأن الخير الذي يكون واصلًا إليهم فبهم. وهكذا فهم يتعلقون بهم تمام التعلق، لظنهم أنهم يملكون صفات من صفات الربوبية التي هي في الحقيقة من خصائص الرب سبحانه وتعالى. فإذا كان كذلك، كان هذا هو الشرك الأكبر، مثل ما يعتقد بعض الناس في أموات، يعتقدون في أصحاب هذه القبور أو التوابيت والمشاهد والقباب بعض صفات ربوبية الرب سبحانه وتعالى، وهذا هو الشرك الأكبر والعياذ بالله. وهكذا كتاب الأسماء والصفات، كأن يجعل لغير الله ما هو من خصائص الله من الأسماء والصفات، فيظن أن غير الله عنده علم الغيب، وعلم الغيب من خصائص علم الله، أو يعتقد أن غير الله نافع وضار، أو أنه رازق، أو أنه كذلك مدبر، ونحو ذلك من الأسماء والصفات الثابتة لله عز وجل، وهي من خصائصه، فيجعلونها لغير الله. وهذا كثير في المشركين الأولين، وفي المشركين المعاصرين. وترون بهذا أن أقسام التوحيد متلازمة، فإن من أشرك في باب، تبعه الشرك في الأبواب الأخرى. وهكذا القسم الثالث، وهو الشرك في باب الألوهية. وباب الألوهية، كما تقدم معنا، هو إفراد الله عز وجل بالعبادة، أي بأفعال الخلق. فكل ما كان من أفعال الخلق، فيصرف لغير الله، فهو شرك أكبر، مثل الدعاء، والاستغاثة، والنذر، والذبح، وهكذا الطواف، وغير ذلك من أعمال ظاهرة أو باطنة يحبها الله ويرضاها، أقوالًا أو أفعالًا، فلا يجوز ذلك إلا لله وبالله. فلا تدعو إلا الله، ولا تستغيث إلا بالله، ولا تنذر إلا لله، ولا تذبح إلا لله، كما أنك لا تصلي إلا لله. وهكذا لا تخاف، ولا ترجو، ولا تحب حب عبادة إلا الرب جل وعلا وحده. وكل ما سوى الله يحب لله مما أذن وشرع ربنا جل وعلا بحبه. وهكذا قل في سائر أفعال العباد، كلها تكون لله جل وعلا خالصة. فإذا صرفت لغير الله، شجرًا كان، أم حجرًا، أم قبرًا، سواء قبر صالح من الصالحين، أو كذلك قبر النبي من الأنبياء، أو غير ذلك، فكله يعد شركًا أكبر والعياذ بالله. والقسم الثاني من أقسام الشرك، الشرك الأصغر. والشرك الأصغر هو شرك يضر كذلك بإيمان العبد وإسلامه، ضررًا أعظم من ضرر الكبائر، فهو أعظم من الكبائر. حتى أن بعض أهل العلم أدخله في عموم قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، فجعل مما لا يغفر إلا بالتوبة الشرك الأصغر. فكما أن الشرك الأكبر لا تكفره الحسنات، وإنما لا بد له من توبة، والتوبة تجب ما قبلها، فكذلك الشرك الأصغر لا بد له من توبة، والتوبة تجب ما قبلها. وذهب بعض أهل العلم، وهم أكثرهم، إلى أن الشرك الأصغر يدخل تحت المشيئة، فإن شاء الله غفر لصاحبه، وإن شاء عذبه وأخذه بها إن لم يتب. فالمقصود أن الشرك الأصغر أمره عظيم، فهو أعظم من الكبائر. وقد اختلف أهل العلم في تعريف الشرك الأصغر، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الشرك الأصغر هو محصور بكل ما دل دليل الشرع تسميته شركًا، وليس هو بشرك أكبر، فهو شرك أصغر. فعلى هذا فهو منحصر بما ثبت بالنصوص الصريحة الصحيحة من الكتاب وصحيح السنة، مما سمي شركًا، ولكنه لا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو الشرك أصغر. مثل ما جاء في مسند الإمام أحمد، وعند الطبراني والبيهقي، بإسناد صحيح أو حسن، وقد صححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في "الصحيحة" في المجلد الثاني، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». فسئل عنه، فقال: «الرياء». فسمى الرياء شركًا أصغر. والرياء أنواع، ومن أنواعه أن يعمل العبد العمل يريد بذلك ثناء الناس ومدحهم، فهو يرائي، سواء أصل العمل، أو ما زاد عن أصل العمل مما يحسن به العبادة، فهذا يعد شركًا أصغر. وهكذا كذلك منه الحلف بغير الله، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المشهور، الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، بإسناد صحيح، وهكذا صححه غير واحد من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله في "صحيحه" بداود والترمذي، أنه قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». والحلف بغير الله إذا كان لفظيًا، يعني حلف باللفظ، فهو شرك وكفر أصغر، وليس كفرًا أكبر وشركًا أكبر، بخلاف إذا كان معه اعتقاد، فإنه يكون شركًا وكفرًا أكبر. مثل حلف المشركين بالله والعزى، فهو شرك أكبر، لأنهم عن عقيدة يحلفون بالله والعزى، عن عقيدة فيها تعظيم لله والعزى، والعزى كتعظيم الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك مثلهم حلف بعض المشركين المعاصرين من عباد القبور، حلفهم ببعض الأولياء، فربما حلفوا بهم في أمورهم، ويهابون أن يحلفوا بهم كاذبين، ربما يحلف الواحد بالله كاذبًا، ولا يستطيع أن يحلف بأسماء الأولياء كاذبًا، خوفًا من نقمتهم وغضبهم وانتقامهم، وبهذا يكون شركهم شركًا أكبر. مثل حلف بعضهم بالعزى الروس، أو بالمحضار عندنا، أو حلف بعضهم بالسيدة زينب، أو بالحسن أو بالحسين، أو بالشافعي، أو ببعض الصحابة، كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو غيرهم. فحلفهم بهؤلاء من الشرك الأكبر، لأنه معه تعظيم يقتضي منافاة إخلاص الرب جل وعلا في الربوبية والألوهية. فالشاهد، إذا لم يكن كذلك، وإنما كان شيء يجري على اللسان مما يتعوده بعض الناس، وهو مما نهوا عنه، مثل حلف بعض الناس باللحم الحلال، وبكذا العيش والملح، وحلف بعض الناس بالآباء أو الأبناء أو الأمهات، أو رأس الأب، أو رأس الأم، أو رأس الابن، ورأس أبي، ورأس أمي، ورأس ولدي، أو كذلك حلفهم بالأمانة، أو حلفهم كذلك ببعض الأشياء، بالوطن، أو بكذا يعني الأخوة، ونحوها من الأمور الأخرى، هذا شرك أصغر، لا يجوز؛ لأنه ذريعة ووسيلة للشرك الأكبر. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس منا من حلف بالأمانة». وقال: «لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». وصح من حديث عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك». وصححها العلامة الألباني رحمه الله في "الصحيحة". وقد رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد حسن. وهكذا كذلك منه قول القائل في التشريك اللفظي، كقولهم: ما شاء الله وشاء فلان. ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان. رواه أبو داود وغيره عن حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهو صحيح. وقد ذكره العلامة الألباني في "الصحيحة" كذلك. فهذه الأحاديث ونحوها فيها تنصيص، يعني ذكر بالنص، بعض الأقوال والأفعال أنها شرك، فهي شرك أصغر. وعلى هذا، وما كان بمعناها، يسمى شركًا أصغر عند طائفة من أهل العلم. وذهب طائفة أخرى من أهل العلم إلى أن كل ما يوصل إلى الشرك الأكبر، وكان ذريعة ووسيلة إليه، فهو من الشرك الأصغر، ولو لم يأت تسميته بالشرع بعينه أنه شرك أصغر؛ لأن معنى الشرك فيه، والشرع لا يجمع بين مُفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وذلك لأنهم نظروا في هذه الأدلة التي فيها تسمية بعض الأعمال شركًا، وهو من الشرك الأصغر، فوجدوا أن فيها معنى مجتمعًا متفقًا، وهو أنها جميعًا وسيلة وذريعة للوصول إلى الشرك الأكبر، فسمي بالشرع شركًا أصغر، فكذلك غيره مما هو بمعناه، أو أشد منه، من باب أولى، وكذلك من باب المساواة، هو كذلك شرك أصغر، مثل تعليق التمائم، وهكذا كذلك الطيرة، وغيره مما هو وسيلة للشرك الأكبر، فهو شرك أصغر. فبهذا صار الشرك الأصغر وسيلة، هو كل وسيلة وذريعة موصلة إلى الشرك الأكبر. فما كان مفضيًا وموصلًا إلى الشرك الأكبر، سواء في ربوبية الله عز وجل، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته، فهو من الشرك الأصغر. فمن الشرك الأصغر التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح، فهو بدعة، وليس هو بشرك أكبر، لكنه ذريعة للشرك الأكبر، فهو شرك أصغر. وهكذا كذلك منه التعبد لله عز وجل في مكان، القيام بعبادة في مكان كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد، أو كذلك عيد من أعياد أهل الجاهلية، كما جاء في حديث ثابت بن الضحاك، حين نذر الرجل أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل فيه عيد من أعيادهم، أو فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ فلما قالوا: لا، قال: «أوفي بنذرك، فإنه لا وفاء لندر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». الحديث. فهكذا كذلك كل ما كان موصلًا ومفضيًا إلى الشرك الأكبر، فهو شرك أصغر. وهذا التعريف هو الذي عليه أكثر أهل العلم، وهو الذي تدل عليه عمومات الأدلة، وكذلك تفاصيل الأحكام على هذا. فسمى النبي صلى الله عليه وسلم الطيرة شركًا، كما في حديث ابن مسعود: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك». وهكذا كذلك أخرى سميت، وهي فيها هذا الجامع، وهو كل ما كان ذريعة، وسيلة يفضي إلى الشرك الأكبر، فبهذا قال العلماء هذا المعنى في تعريف الشرك الأصغر. وتنبيه أخير في هذا المقام، ينبغي أن نعلم أن هذا الشرك الأصغر قد يقع في باب الربوبية، وقد يقع في باب الألوهية، وقد يقع في باب الأسماء والصفات. فكل ما كان ذريعة إلى ذلك، فهو من الشرك الأصغر. فمثال ما يكون ذريعة للشرك في الربوبية، ما قد يقع من بعض الناس من الخوف الذي يخرج عن الخوف الفطري إلى ما يظن أنه خوف عبادة، فعند ذلك يكون شركًا أصغر، يخشى منه أن يكون عنده اعتقاد أن غير الله ينفع ويضر. كخوف بعض الناس من أن يعمل أعمالًا في أيام معلومة، أو أشهر معلومة، أو كذلك في أحوال معلومة، وهذا نوع من التشاؤم المنهي عنه، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شركًا: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك». والطيرة هو التشاؤم بكل مسموع أو مرئي أو معلوم، المسموع مثل أصوات بعض الحيوانات من الطيور وغيرها، أو الكلاب، بعض الناس يتشاءم منها. والمرئي مثل رؤية بعض الناس، كالأعمى والأعرج في أول النهار، بعضهم يتشاءم من ذلك. والمعلوم مثل التشاؤم من بعض الأيام، يتشاءم بعض العرب من يوم الأربعاء، ويتشاءم بعض العرب من شهر صفر، ويتشاءم بعض العجم من يوم ثلاثة عشر، أو رقم ثلاثة عشر، وهكذا تشاؤمهم من بعض الألوان، أو تشاؤمهم من بعض الأسماء. فكل هذا من التشاؤم بالمعلومات، فمثل هذا شرك أصغر، يفضي إلى الشرك الأكبر؛ لأنه ذريعة، وسيلة إليه في باب الربوبية. وهكذا كذلك في باب الأسماء والصفات، مثل تسمية: عبد الحجر، هو لا يعبد الحجر، لكن هكذا ورث عن آبائه وأجداده هذا الاسم. فمثل ذلك لا يجوز. وهكذا كذلك من سمى نفسه: عبد الحسين، أو عبد النبي، وهو لا يعبد النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يعتقد أن النبي يجوز أن يعبد من دون الله، لو اعتقد هذا، صار شركًا أكبر، ولو اعتقد أن النبي إله مع الله، صار شركًا أكبر. لكن هذا شيء تعوده، ووجد بعض الناس تسمون به، فتسمى به، فهذا شرك أصغر؛ لأنه يفضي إلى الشرك الأكبر في باب الأسماء والصفات؛ لأن التعبد ما يجوز إلا لله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك في باب الألوهية، مثل الحلف كما تقدم، ومثل كذلك الطيرة في بعض المواضع، ومثل تعليق التمائم، وغير ذلك مما ينافي العبودية لله سبحانه وتعالى خالصة. فكل ما كان ذريعة للشرك الأكبر، فهو شرك أصغر. وهذا النوع من الشرك لا يوجب الردة، ولا الخلود في النار، ولكنه ينافي كمال التوحيد، وهو يعتبر ذنبًا عظيمًا، أكبر من الكبائر. والنوع الثالث، أو القسم الثالث من أقسام الشرك، الشرك الخفي. وهذا القسم في الحقيقة يدخل في القسمين السابقين، فإنه يقع في الشرك الأكبر، كما سيأتي إن شاء الله، ويقع كذلك في الشرك الأصغر. لكن بعض أهل العلم خصه بالذكر من باب التنبيه عليه لأهميته. وهذا مثل عطف الخاص على العام، تنبيهًا على أهميته، مثل قول الله عز وجل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فالصلاة الوسطى هي من الصلوات الخمس المفروضة، لكن عين ذكرها للتنبيه على أهميتها. وهكذا كذلك الشرك الخفي في الحقيقة هو يدخل في الشرك الأكبر، أو الشرك الأصغر، لكن لكونه أولًا يحتاج إلى زيادة اعتناء واهتمام، خص بالذكر منفردًا. ولأنه ثانيًا كذلك فيه وصف خاص يختص به، وهو الخفاء، فكذلك ذكر منفردًا، فجعل قسمًا ثالثًا. والشرك الخفي هو ما خفي من الشرك، يعني مما لم يظهر. واستدل له العلماء بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: بلى، قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه». فهذا لو تأملنا وصف الرياء، أنه يحسن صلاته لأجل نظر الناس، سماه النبي صلى الله عليه وسلم شركًا خفيًا. وهناك سماه شركًا أصغر، يعني في حديث رافع بن خديج، كما تقدم، فهو شرك أصغر، وهو في نفس الوقت ها هنا شرك خفي أصغر؛ لأنه ليس مثل الأكبر، وخفي؛ لأنه ليس ظاهرًا. ولهذا قد يقع فيه الإنسان وهو لا يشعر، ولهذا نبه عليه العلماء. فإنه قد يقع الإنسان في الشرك الخفي وهو في غفلة عنه، فيحسن المرء بعض عباداته لأجل الناس، ليس لأجل الله سبحانه وتعالى. وهذا الباب في الحقيقة الناس فيه طرفان ووسط، فمن الناس من يتساهل فيه، فيزين ويحسن بعض عباداته لأجل الناس، وهذا يضره، والواجب اجتناب مثل ذلك. ومن الناس من يبالغ، فيحرم نفسه من الطاعات، ومن كذلك الاجتهاد فيها لأجل الناس. ولهذا روي عن بعض السلف أن من ترك العمل من أجل الناس، فقد راءى، ومن عمل العمل لأجل الناس، فقد أشرك. يعني معناه أن كلا الرجلين مخطئ. فمثلًا أنت في سفر مع أناس، من عادتك أنك تصلي الوتر، فهل لأجل الناس ستترك صلاة الوتر؟ الجواب: لا، لا تترك صلاة الوتر، لكن إن استطعت أن تصليها في وقت تخلو به، تخلو بنفسك فيها، فعلت، ولو رآك أحد رفقتك في السفر، فلا يمنعك ذلك من أداء عبادة تؤديها لله سبحانه وتعالى. وكما أنه في المقابل، لا ينبغي للإنسان أن يحسن عبادته، أو يفعل عبادة لأجل أن يقال: إنه عابد لله، أو طائع لله، أو مصل، أو غير ذلك، فهذا هو الشرك الخفي الذي ينبغي أن يحذر منه. فالوسط هو أن الإنسان لا يترك العمل من أجل الناس، ولا كذلك يعمل العمل من أجل الناس. وهو في مثل هذا المثال شرك أصغر؛ لأنه رياء، وقد يكون شركًا أكبر في فعل بعض المنافقين الذين يخفون العقائد الباطلة، ويظهرون الإسلام، ومن ذلك صلاتهم، فأصل الصلاة نفاقًا، أصل الصلاة نفاقًا. فمن عمل عملًا من أصله ليس لله، فهذا نفاق وشرك أكبر. وأما من عمل أصل العمل لله، ولكن حسنه لأجل الناس، هذا الشرك أصغر. وبهذا نكون قد انتهينا من أقسام الشرك. وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم، وجزاكم الله تعالى خيرًا.