الدرس في شرح الدروس المهمة 47، تابع الدرس الحادي عشر من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الدرس يتناول مبطلات الصلاة مع التركيز على الانحراف عن جهة القبلة، ويشرح أقسام توجه المصلي إليها. الانحراف اليسير لا يبطل الصلاة بينما الانحراف الكثير يبطلها.
الانحراف اليسير عن القبلة لا يبطل الصلاة، ويكون ما بين المشرق والمغرب. الانحراف الكثير خارج هذه الجهة يبطل الصلاة. استقبال القبلة يسقط في أربعة مواضع بحسب الأدلة الشرعية.
يشرح حالات سقوط استقبال القبلة مثل العجز أو الخوف أو السفر، ويبين الأحكام الشرعية لكل حالة. استقبال القبلة يسقط في حالات الضرورة والعجز، مستدلاً بالأدلة الشرعية.
تم اختتام الحلقة بنهاية مناسبة مع الدعاء والصلاة على النبي محمد، وشكر المشاهدين على المتابعة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فتتمة لما سبق في الدرس الحادي عشر، وما مر معنا من مبطلات الصلاة، وهي أي هذه المبطلات بعضها من شروط الصلاة، وأخذنا فيما سبق خمسا من هذه المبطلات، والسادس قال رحمه الله تعالى: السادس الانحراف الكثير عن جهة القبلة، والسابع العبث الكثير المتوالي في الصلاة، الثامن انتقاض الطهارة. قوله: السادس، أي من مبطلات الصلاة، وهي كما تقدم ثمانية، وأخذنا منها خمسا، قال: الانحراف الكثير عن جهة القبلة، فأفاد أولا أن الانحراف اليسير لا يبطل الصلاة، ولكنه خلاف الأفضل والأكمل، لقول الله عز وجل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. فالآية الثانية فيها الحث على التوجه إلى جهة القبلة، وهي الكعبة. وقد قسم العلماء توجه المصلي إلى القبلة إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأول: ما إذا كان المصلي يرى عين القبلة، فهي أمامه، فهنا يتعين عليه أن يتوجه إلى عين القبلة الكعبة، نعم الكعبة، إذا كان يرى الكعبة فيتعين عليه أن يتوجه إلى جهة الكعبة، وهو الأصل، لقوله سبحانه: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت ذلك بأحاديث كثيرة عنه عليه الصلاة والسلام. والقسم الثاني: ما إذا كان يمكنه الوصول إلى جهة القبلة، ولكنه إلى عين القبلة أو الكعبة، ولكنه يحول بينه وبينها حائل، كمن يصلي في الحرم، ولكن يحول بينه وبين الكعبة حائل، فهنا يلزمه أن يجتهد في التوجه إلى عين الكعبة ما دام يستطيع ذلك. وقد قال الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وهذا مما هو في وسعه، أي التوجه إلى عين الكعبة، يعني لا يتساهل وهو يستطيع هذا المقصود. والقسم الثالث: من لا يعرف عين مكان الكعبة والمسجد الحرام، فهذا يكفيه أن يتجه إلى جهتها مجتهدا قدر المستطاع، الصواب في ذلك. ومع ذلك فما قد يحصل من خطأ يسير فهو معفو عنه؛ فالمشقة تجلب التيسير، والعسر يجلب اليسر. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة أنه قال: «ما بين المشرق والمغرب قبله»، حتى لا يشدد الناس على أنفسهم، ولا يقع الناس في الحرج، ولا كذلك يفتحون على أنفسهم باب الوسوسة. فمن الناس من إذا لم يبلغه مثل هذا الحديث شدد على نفسه، وربما بالغ حتى يقع في الوسوسة مجتهدا وملزما لنفسه أن يصل إلى عين الجهة، وهذا صعب. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بين المشرق والمغرب قبله»، يعني يكفي أن تتجه إلى جهة القبلة. وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله: الإنحراف الكثير، فاليسير في مثل هذا القسم الثالث لا يضر. وليس معنى الحديث «ما بين المشرق والمغرب قبله» أن يتساهل الإنسان وهو يستطيع أن يصلي إلى جهة القبلة، بل ينبغي عليه أن يجتهد كما قلنا قدر المستطاع. وهنا تنبيه، وهو أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بين المشرق والمغرب قبله»، هذا في حق من كان في المدينة، ومن كان في جهتهم ممن كان في شمال مكة، ومثلهم على الجهة المعاكسة من كان في جهة جنوب مكة من أهل اليمن ونحوهم. أما أهل المشرق والمغرب فلا يقال لهم «ما بين المشرق والمغرب قبله»، ولكن يقال لهم «ما بين الشمال والجنوب قبله»، وهذا معلوم ومفهوم من ظاهر ومعنى وتعليل هذا الحديث. وهنا كذلك ينبه على مسألة أخرى، وهي أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بين المشرق والمغرب قبله»، هذا في حق كما قلنا أهل القسم الثالث، سواء جهل عين القبلة، فيجتهد قدر المستطاع، ولا يضر الانحراف اليسير. أو كان ذلك كذلك في حق من ابتلي في مسجده بانحراف يسير لا يستطيع تعديله إلى الأفضل والأكمل خشية المفسدة والفتنة. فمثل هذا الشيء اليسير يعفى عنه كذلك، مثاله: توجد بعض المساجد بنيت قديما في بلاد المسلمين وغيرها على إحداثيات واجتهادات مهندسين بحسب معرفتهم وثقافتهم ضبطوا القبلة، فكان فيها خطأ يسير، فيصل الناس مثلا في مثل ذلك المسجد سنين طويلة، فيكتشف بعض الزائرين لهم ونحوهم هذا الانحراف، فينصحهم، والنصح في مثل هذا المقام مطلوب. فإن استجابوا له فالحمد لله، وإن لم يستجيبوا له فليس معناه أن يترك الصلاة في هذا المسجد، ولا أن يأمر الناس بترك الصلاة في هذا المسجد، ما دام الانحراف يسير، فهذا خطأ، أي التشديد في المسألة خطأ، بل الذي ينبغي التيسير في هذا الباب؛ فالمشقة تجلب التيسير، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، خصوصا في مثل هذا الانحراف اليسير. نكمل ما تقدم، نقول: قد يقول قائل: ما هو الضابط في معرفة اليسير المعفو عنه من الكثير الذي لا يعفى عنه؟ الجواب: ذكر العلماء أشياء كثيرة، وبعد البحث والنظر في كلام المحققين من أهل العلم، بين بعض أهل العلم أن الضابط في ذلك هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بين المشرق والمغرب قبله»، فعلم أن المصلي ما دام يصلي إلى الجهة التي فيها القبلة، فصلاته صحيحة، ولا يضر الانحراف اليسير في ذلك. وأما إذا كان يخرج عن تلك الجهة التي يصلي فيها من هو مثله من أهل تلك الجهة، بأن ينحرف عن جهة ما بين المشرق والمغرب، فهذا يعتبر انحراف كثير. وننتبه هنا أن لكل جهة من الجهات مشارق ومغارب؛ فمثلا من كان موقعه في جهة المدينة مثلا سيكون في شمال الكعبة، والمطلوب كما تقدم في قول الله عز وجل: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، وقوله قبل ذلك: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. فالمطلوب أن الإنسان يتوجه إلى المسجد الحرام إذا تيسر، إذا لم يتيسر فإلى جهة المسجد الحرام. فقلنا مثلا هذا الذي في جهة المدينة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما بين المشرق والمغرب قبله»، طيب إذا أردنا أن نعرف ما هو الانحراف اليسير من الكثير، اليسير يعفى عنه والكثير لا يعفى عنه، فانظر هل هذا الانحراف يجعله أحيانا لا يكون بين المشرق والمغرب؟ فإن كان أحيانا لا يكون بين المشرق والمغرب فهذا كثير يضر، وإن كان في كل الأحوال هو بين المشرق والمغرب فهو ممتثل للحديث «ما بين المشرق والمغرب قبله». ويوضح هذا أن نعلم أن لكل موقع مشارق ومغارب بحسب مواسم السنة؛ فمثلا في وقت الصيف تكون الشمس عمودية، ففي هذا الوقت تشرق الشمس من يمين المصلي وتغرب عن شمال المصلي. فإذا كان المصلي انحرافه يجعله أحيانا يصلي إلى جهة المغرب ولو في بعض السنة، إذن لم يمتثل الحديث «ما بين المشرق والمغرب قبله»، ولو كان مثلا في الصيف هو يصلي ما بين المشرق والمغرب. فإن كان كذلك هو يصلي ما بين المشرق والمغرب في كل السنة فهذا انحراف يسير لا يضر، وأما إذا كان في بعض السنة سيصلي إلى جهة الغروب أو إلى جهة الشروق فهذا يخالف الحديث، فإذن هذا لا يعفى عنه. ومن هنا نعرف إذا قال قائل: مسجد قبلته منحرفة، هل تجوز الصلاة فيه أو لا؟ نقول: انظر هل هذا الانحراف يسير أم كبير وكثير؟ فإن كان يسير يقال: صلي في هذا المسجد، وإن كان كثير يضر بالصلاة فلا تصلي في هذا المسجد، وضابط اليسير والكثير هذا الذي سمعنا. وتتمة لهذا الموضوع كذلك ولهذا المبطل السادس من مبطلات الصلاة يقال: هذا الذي ذكر كما قلنا هو الذي ينبغي أن يراعى، أي الانحراف الكثير عن جهة القبلة مبطل للصلاة، فلا يجوز للمسلم أن ينحرف انحرافا كثيرا عن جهة القبلة على ما سبق تفصيله في هذا المقام، وما كان يسير فهو معفو عنه كما تقدم في المثال المذكور. وهذا ليس محصور بأهل المدينة، بل لكل الجهات، ويفرق بين اليسير والكثير بهذا الضابط وما كان بمعناه بحسب كل جهة. وهنا ينبه كذلك إلى استثناء نبه عليه العلماء بحسب ما دلت عليه الأدلة من أن بعض الانحراف عن القبلة في وصف معين عفى عنه الشرع وأسقطه. وقد نص العلماء أن حكم استقبال القبلة يسقط في أربعة مواضع. الموضع الأول: في حق العاجز عن استقبال القبلة، كرجل مربوط ويريد أن يصلي، يعني مأسور مربوط يريد أن يصلي ولا يستطيع أن يصلي إلى جهة القبلة لأنه إلى غير جهة القبلة، فماذا يفعل؟ هل يترك الصلاة؟ الجواب: يصلي على ما هو عليه، لعموم الأدلة في هذا الباب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. كما أنه يجوز له أن يصلي بغير طهارة على هيئته. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»، وقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتوجه إلى القبلة في أحاديث كثيرة، ومنها ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام حين صلى كما في حديث أسامة بن زيد ركعتين في جهة الكعبة، ثم قال: «هذه القبلة»، والحديث في الصحيحين. جاء في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد أنه عليه الصلاة والسلام صلى إلى جهة الكعبة، ثم قال: «هذه القبلة»، يعني الذي أمرتم بالتوجه إليها. فهذا الحديث مع قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»، وغيره من العمومات الكثيرة، يفهم منه أن العاجز يسقط عنه استقبال القبلة. وهكذا كذلك الموضع الثاني من المواضع التي يسقط فيها استقبال القبلة عند الضرورة؛ فعند الضرورة تسقط المحظورة، أو قل: الضرورات تبيح المحظورات، ومن ذلك صلاة المقاتلين في الخوف، إذا اشتد الخوف جاز للمقاتل أن يصلي إلى غير القبلة، وإن كان هو مأمور أن يجتهد قدر المستطاع أن يصلي إلى جهة القبلة. ومثله المريض الذي اشتد مرضه فلا يستطيع أن يستقبل القبلة، فيقال: إن استطاع بوجهه أو برأسه فعل، وإلا فالضرورات تبيح المحظورات، والمشقة تجلب التيسير، فيسقط عنه حكم استقبال القبلة، فهو يصلي ولو إلى غير القبلة، مع أنه يبذل له الجهد بتوجيه إلى جهة القبلة إن كان ذلك ممكنا، مثل أن يحرك السرير، يوجه السرير إلى جهة القبلة، أو ترفع له وسادة من ظهره أو خلف رأسه. فإن لم يمكن ذلك فيصلي على أي هيئة وكيفية، كما أنه قد يصلي من غير طهارة، والطهارة من شروط الصلاة، وعدم فعلها من مبطلات الصلاة. والموضع الثالث من المواضع التي يسقط فيها استقبال القبلة: صلاة المتنفل في السفر، كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس وغيره: النبي صلى الله عليه وسلم صلى في سفره على راحلته إلى غير القبلة. وجاء في بعض الروايات معنى هذا الحديث أنه كان يبتدئ التكبير باستقبال القبلة، يبتدئ التكبير باستقبال القبلة. وننتبه أن هذه الرخصة أولا في حق النافلة للفريضة، وثانيا في حق المسافر للمقيم، وثالثا أنه يستقبل القبلة في بداية الصلاة إن استطاع، فهذه رخصة جاء الترخيص بها في الشرع حتى لا يحرم الناس صلاة النافلة مع مشقة السفر، وله علل أخرى وحكم. ويلحق به المشقة الشديدة التي تقرب من الضرورة في الفريضة، مثل صلاة الرجل في السفينة أو الطائرة الذي لا يستطيع معه التوجه إلى القبلة. أما إذا كان يستطيع فيجب عليه أن يتجه إلى القبلة. وأما إذا كان لا يستطيع إما لضيق المكان أو عدم معرفة الجهة أو صعوبة الثبوت على الجهة، يعني مثلا السفينة، تتحرك مرة يمنى مرة يسرة، فمثل هذا يقال له: كبر أول التكبيرة إن استطعت إلى جهة القبلة، ثم واصل الصلاة إلى غير القبلة. والموضع الرابع من المواضع التي يسقط فيها استقبال القبلة: ما يقع للمصلي عند الجهل والخطأ؛ إذا جهل المصلي جهة القبلة أو اجتهد بغلبة ظنه فأخطأ، ففي هذه الحالة ما حصل منه من اجتهاد مع عجزه مع عجزه عن الصواب، يعذره في التوجه إلى غير القبلة، ما دام قد بدل الوسع في ذلك، لعموم الأدلة في هذا الباب: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، «ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها». وعلى هذا نعرف أن الصحيح من أقوال أهل العلم فيمن كان هذا حاله: أنه لا يجب عليه إعادة الصلاة إذا علم بالصواب، إذا علم بالصواب وتبين أنه كان مخطئا. وقد صح أن جماعة من الصحابة جهلوا جهة القبلة فاجتهدوا، فصل كل منهم بحسب اجتهاده، فأخطأ بعضهم، فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يأمرهم بإعادة الصلاة. وهذا يؤكد ما سبقت الإشارة إليه. نكتفي بهذا القدر هذه الليلة، وإلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا للمشاهدة.