شرح كتاب الطهارة  25

شرح كتاب الطهارة 25

الدرس في شرح كتاب الطهارة 25، الدري الخامس والعشرون (الثاني غسل اليدين مع المفرقين ... الأذنان من الرأس رواه ابن ماجه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فروض الوضوء ومسح الرأس

يشرح الشيخ فروض الوضوء مركزًا على غسل اليدين ومسح الرأس، ويُفصّل في كيفية مسح الرأس كاملًا مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يُبين أن مسح الرأس يكون بشكل شامل حسب السنة النبوية.

تفاصيل مسح الرأس في الوضوء

يشرح المقطع كيفية مسح الرأس في الوضوء ويذكر ثلاث طرق لمسح الرأس، ويبين أن السنة النبوية تفسر القرآن وتدل على أن المسح يكون شاملًا للرأس.

أحكام النكاح والولاية

يناقش حكم زواج المسيار بشرط وجود ولي شرعي ومهر وإعلان النكاح، ويشدد على أن المرأة لا تزوج نفسها بل تحتاج إلى ولي شرعي. يُبين أن زواج المسيار محل اختلاف بين أهل العلم والأحوط تركه.

جمع المال للأيتام والحفلات الخيرية

يناقش المقطع حكم جمع المال للأيتام عبر إقامة حفلات خيرية ويشدد على أهمية استشارة أهل العلم لتمييز الجهات الصادقة. يجيز عمل الحفلات الخيرية مع التحفظ من الاختلاط ومخالفات الشرع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فمواصلة لدروسنا السابقة، نكمل إن شاء الله ما يتيسر إكماله في هذه الليلة. وفيما أذكر أن آخر ما وقفنا عليه كان حول غسل اليدين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثاني غسل اليدين مع المرفقين. ويريد رحمه الله تعالى من فروض الوضوء غسل اليدين مع المرفقين. وسبقت الإشارة في درس سابق أن الأدلة على هذا وردت كثيرة في الكتاب والسنة تدل على هذا المعنى. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. فقوله: «وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ» في غسل اليدين. وفي حديث عبد، الله بن الزيد، ونحوه ما جاء في حديث عثمان في الصحيحين. وكلاهما في الصحيحين. وجاء معناه في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام، أنه غسل يديه إلى المرفقين. وجاء في رواية خارج الصحيح من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف فيه. فبعض أهل العلم يرى تحسين حديثه، وبعض أهل العلم يرى أنه في الشواهد والمتابعات. والعلماء الألباني يحسن هذا الحديث. وكان شيخنا رحمه الله يتوقف فيه بسبب عبد الله بن عقيل، وهو مختلف فيه. ورأيته مؤخرًا يصحح أحاديث من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، كأنه رأى في آخر أمره تحسين حديثه. وهذه المسألة، وهذا اللفظ، أو هذه الرواية فيها: «فأدار الماء على مرفقيه». وهنا مسألة وهي: هل غسل اليدين إلى المرفقين معناه إيصال الماء إلى حد المرفق فيقف، أم أنه يدخل المرفق في المغسول فيصل الماء إلى ما بعد المرفق فيدخل في شيء من العضد؟ تعرفون العضد: العضلة القريبة من الكتف. فاختلف أهل العلم في هذا، وذلك لاختلافهم في معنى «إلى»: هل هي تفيد إدخال المغيَّ في المغيَّ فيه أم لا تفيد ذلك؟ قولان مشهوران لأهل العلم وأهل اللغة. والراجح من أقوال أهل العلم، والله تعالى أعلم، بعمومات الأدلة من الكتاب والسنة، وكلام أهل اللغة، بل وهذه الرواية التي فيها التصريح بإدارة الماء على المرفقين، وإن كانت رواية مختلفة فيها من جهة الصحة، إلا أن معناها تؤيده أدلة كثيرة من اللغة، ومن الكتاب، ومن السنة. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن أكثر أهل العلم على تحسين هذه الرواية؟ ومما يؤيد ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، قول الله عز وجل: ﴿وَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. فقوله: «إِلَى اللَّيْلِ» معناه إلى أن يدخل شيء من الليل. فإن غروب الشمس يكون معه دخول شيء من الليل. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». أي: غربت في جهة المغرب، وأقبل الليل في جهة المشرق. ولا بد من توافق هذين الوصفين: غروب الشمس مع إقبال الليل. وإقبال الليل المراد به السواد الخفيف الذي يكون في طرف أفق المشرق إذا غربت الشمس، ليس سواد الليل، لكن ظلمة يسيرة تبدأ في جهة المشرق توافق غروب الشمس وتؤكد غروبه. فـ«إلى» من الناحية اللغوية والشرعية تدل على إدخال المغيَّ في المغيَّ فيه. وما ذكره بعض أهل اللغة وأهل العلم في المواضع التي ليس فيها إدخال المغيَّ في المغيَّ فيه، هذا يجاب عنه بأنه خلاف الأصل، ولا بد أن يكون إذا كان كذلك تقترن به قرينة تؤيد كونه لا يدخل المغيَّ في المغيَّ فيه. فخلاصة الأمر: أشار المؤلف رحمه الله بقوله: «الثاني غسل اليدين مع المرفقين» إلى ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن الفرض الثاني من فروض الوضوء غسل اليدين. والأمر الثاني: أن من فروض الوضوء غسل اليدين، وبيَّن رحمه الله أن غسل اليدين يكون مع المرفقين. لأن اليد تطلق ويراد بها الكف، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. ويطلق ويراد بها أكثر من ذلك، مثل آية الوضوء. وإذا أريد بها ما زاد عن الكف فإنه يذكر بوصفه وقيده. والمسألة الثالثة: إشارة منه إلى الخلاف والراجح منه في مسألة غسل المرفقين مع اليدين. غسل المرفقين مع اليدين. وعلمنا أنه هو الراجح، وهو كذلك الأحوط. قال رحمه الله تعالى: «والثالث مسح الرأس والأذنان منه، لقوله صلى الله عليه وسلم: الأذنان من الرأس» رواه ابن ماجة. قوله رحمه الله: «والثالث» أي: الثالث من فرائض الوضوء التي هي ستة، كما أشار إليها في أول هذا الفصل. وهذا الترتيب كما سيأتي إن شاء الله له معنى. فهو الثالث من جهة العدد، ومن جهة الترتيب. وهذه هي المسألة الأولى في قوله: «والثالث». والمسألة الثانية قوله: «مسح الرأس». ظاهر كلامه رحمه الله تعميم كل الرأس، ولم يقل: مسح بعض الرأس. وهذا هو الراجح في هذه المسألة التي كذلك وقع فيها خلاف بين أهل العلم لاختلاف أفهامهم في معنى الآية والأحاديث الواردة، أو بعض الأحاديث الواردة في حق مسح الرأس. فقول الله عز وجل: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. فهم جمهور أهل العلم أن معنى الباء ها هنا للإلصاق، فيكون المعنى: «وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ» أي: امسحوا رؤوسكم. وهذا المعنى تدل عليه أدلة كثيرة من السنة. وهكذا كذلك معاني أخرى من اللغة. وهو كما قلنا قول جمهور أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الباء ها هنا للتبعيض، فمعنى الآية على هذا: «وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ» أي: ببعض رؤوسكم. وأنكر جمهور أهل العلم هذا المعنى، أو الكثير من أهل العلم هذا المعنى، وأنه لم يرد في شيء من الأدلة ولا من اللغة ما يدل أن مثل هذا السياق الباء تكون فيه للتبعيض. بل الباء ها هنا إنما هي للإلصاق، وليس للتبعيض. وإذا قلنا: للإلصاق، فيتناول ذلك مسح جميع الرأس. ويؤيد ذلك ما ورد من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فقد جاء في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين في ذكر صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم حين مسح رأسه، قال: «فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ» أي: في الرأس مرة واحدة. أقبل بهما من منابت الشعر في مقدمة الرأس حتى ردهما إلى قفاه. يعني مسح الرأس. يعني مسح الرأس من المقدمة إلى المؤخرة. والقفاء هو مؤخرة الرأس مما يلي العنق. قال: «ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه». هكذا جاء في ذكر صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام. فردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. هذا يدل أنه لم يكتف فقط بمسح الرأس جهة واحدة، بل مسحهما بالذهاب وبالإياب. قال العلماء: وفائدة ذلك أن تمسح الشعرة من الجهتين: من الجهة العلوية والجهة السفلية. لأنه إذا ذهب بهما إلى القفاء مسح الجهة العلوية، وإذا رد اليدين الكفين إلى المكان الذي بدأ منه مسح الجهة السفلية. فكان في هذا تعميم المسح للشعر الذي في الرأس، وليس هذا فحسب، بل من أعلى ومن أسفل. والسنة تفسر وتبين القرآن. وهذا هو الوضوء الأكمل والأفضل الذي ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام. إذا كان الرأس مكشوفًا. وبه نعرف خطأ ما يفعله الكثير من العامة، حيث يبللون أطراف أصابعهم فيمسحون رؤوسهم المكشوفة بالإصبع أو الإصبعين في شعرات يسيرات. هذا الفعل خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم الفعلية، بل والقولية. بل في قول أكثر أهل العلم مخالف لنص القرآن. لأن قول الله عز وجل: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. قال بعض أهل العلم: هو أبلغ وأفصح وأشد من قول القائل: «امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ». لو قيل: «امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ» لكان يقتضي التعميم. فقوله: «بِرُءُوسِكُمْ» كأنه قال: «امْسَحُوا جَمِيعَ رُءُوسِكُمْ». وهذا هو معنى أن الباء للإلصاق، أي: الإلصاق الذي يفيد معنى التعميم. فإذا كان كذلك، فالأحوط أن يغسل المسلم رأسه إذا كان مكشوفًا، أن يمسح المسلم رأسه إذا كان مكشوفًا كله في قدر ما يستطيع. ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن من مسح بعض رأسه كما يفعل الكثير من العامة، فيأخذ إصبعًا واحدة أو إصبعين ويمررهما على شعراتين أو شعرات، أن هذا لا يجزئ. لأنه ترك الأكثر الأعم، وفعل بالأقل الذي قد لا يجزئ. فلهذا كما قلنا: الأحوط أن يعمم ما تيسر من أكثر الرأس. ومما ينبه عليه هنا أن مسح الرأس وردت فيه في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة كيفيات. الطريقة الأولى: إذا كان الرأس مكشوفًا ليس عليه شيء، فإنه يمسحه كاملًا أو أكثره، كما ورد في حديث عبد الله بن زيد. ويدل عليه ظاهر القرآن، وأكثر نصوص السنة. وجاء في حديث أمية الضمري رضي الله تعالى عنه ما يدل على هذا المعنى. أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه كله. والطريقة الثانية: سيأتي الإشارة إليها. لكن حديث عبد الله بن زيد يدل على مسح جميع الرأس. والطريقة الثانية هي: إذا كان الرأس مستورًا بعمامة، وهي التي تربط على الرأس معروفة، ولها كيفيات كثيرة. أو بخمار، والخمار: العمامة وما كان بمعناها، إذا تخمر به، يعني: لفة من الرأس إلى الكتف إلى ما حول العنق، يسمى خمارًا. مثل ما يلبس في بعض قبائل العرب في الجزيرة: في جنوبها، ووسطها، وشمالها، سواء بالعقال أو بغير عقال: الشماغ والغترة إذا لفة على العنق، يسمى اختمارًا. فإذا كان الرأس مستورًا بعمامة أو بخمار، فيجوز أن يمسح على العمامة والخمار. ويدل عليه حديث عمر بن أمية الضمري، فقد أخبر في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه يمسح على عمامته والخفين. وظاهره أنه مسح على العمامة فقط. والحديث في صحيح البخاري. وفي حديث بلال رضي الله تعالى عنه، وفي صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار. وفي رواية: مسح على الموقين والخمار. والموق هو الخف الذي يكون قطعة واحدة: الخف الذي يكون قطعة واحدة من جلد أرنب أو نحوه مما يكون قطعة واحدة، فيدخل في الرجل كالشراب. والخمار هو ما سمعنا. فهذا يدل أن الرأس إذا ستر بعمامة أو خمار كاملًا، فيجوز أن يمسح عليه. وهكذا كذلك المرأة، من رحمة الله ورخصته وتيسيره لعباده، والمشقة تجلب التيسير. أن الرأس إذا كان مستورًا بخمار أو عمامة، جاز أن يمسح المسلم، وكذا المسلمة على الخمار. ولا يجب أن يكشف، وكذلك يمسح الرأس، أي: شعر الرأس. بل يكفي المسح على العمامة أو الخمار. ولا شك أن هذه الرخصة قد يحتاج إليها المسلم والمسلمة، خصوصًا في مواضع قد لا يمكن معها كشف الرأس. وليس من شرط المسح على العمامة على الصحيح أن تكون عمامة محنكة. وما ذكره أهل العلم ليس فيه شيء صحيح صريح يدل على هذه الشرطية. ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل الأدلة في هذا عامة مطلقة. فيجوز المسح على العمامة المحنكة وغير المحنكة. ومعنى العمامة المحنكة: أي: العمامة التي يكون طرفا منها ملفوف حول الحنك. والحنك تعرفون: أسفل العنق مما هو تحت الدقن. بعض أهل العلم اشترط أن العمامة تكون محنكة حتى يقع معنا المشقة الذي يكون معه التيسير. وهذا ليس بصحيح لعدم ورود هذا الشرط في شيء من الأدلة الصحيحة الصريحة. والأصل عدم هذا الشرط. والطريقة الثالثة من طرق مسح الرأس: أن يمسح على شيء من الرأس، ويكمل على العمامة أو الخمار. إذا كان طرف الرأس مكشوفًا، كحال بعض عمائم الناس، أو الخمار يكشف عن بعض الرأس، ولو كان خمار امرأة. يجوز أن يمسح على بعض الرأس، ويكمل على العمامة أو الخمار. ويدل عليه ما جاء في صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على مقدم رأسه وأكمل على العمامة، ومسح على الخفين. وهذا الحديث يدل على هذه الطريقة الثالثة. يدل على هذه الطريقة الثالثة. فهذه ثلاث طرق سبقت الإشارة كما سمعتم إلى أدلتها على وجه الاختصار، تدل على كيفيات مسح الرأس. والمسألة الثالثة التي أشار إليها ها هنا قوله: «والأذنان منه». ثم ذكر الدليل. يريد رحمه الله تعالى أن يشير إلى الراجح كذلك في هذه المسألة. وهي: هل الأذنان من الرأس، فتغسل معهما أم ليس من الرأس؟ وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال كثيرة. فمنهم من قال: يجب غسلهما مع الرأس. وهذا قول جمهور، وأكثر أهل العلم. واستدلوا بهذا الحديث. والحديث مختلف فيه. وأكثر أهل العلم على تحسينه. ومنهم من ذهب إلى أنهما يغسلان مع الوجه. وروي هذا عن جماعة من التابعين. ومنهم من قال: يغسل ظاهر الأذن مع ظاهر الوجه، وخلفية الأذن مع الرأس. وروي هذا كذلك عن بعض التابعين والسلف. وقيل: إنه لا يلزم غسل الأذنين. والصحيح من أقوال أهل العلم أن الأذنان تغسل مع الرأس، لما روي من حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «الأذنان من الرأس». فأكثر أهل العلم على تحسينه. وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه. وقبله الحافظ ابن حجر وغيره. ولو قيل: إنهما ليس من الرأس، فإن عددًا من السلف كما سمعنا قالوا بمسحهما مع الوجه. فإذن لا ينبغي ترك مسح الأذنين بحال. وما ذكره المؤلف رحمه الله هو الأحوط والأكمل على ما دلت عليه عمومات الأدلة، وهذا الدليل الخاص الذي أشار إليه. وبهذا نكون قد انتهينا على وجه الاختصار فيما يتعلق بأحكام مسح اليدين والرأس. وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. بسم الله الرحمن الرحيم. هذه سائلة تقول من الجزائر: امرأة تزوجت زواج مسيار منذ عشر سنوات من دون أن يعرف أهل الزوجة. وفي ذلك الوقت طلبت من بنت خالها أن تقيم العقد الشرعي في بيتها. وكان ولي أمرها في عقد الزواج زوج ابن خالتها. فما صحة الزواج، علما بأن أمها غير موافقة على الزواج؟ هذا السؤال يتضمن مجموعة من المسائل. أولها: ما حكم زواج المسيار؟ وقد اختلف أهل العلم المعاصرون بحكم زواج المسيار. واختلافهم كان من جهتين: أولا من جهة حكم المسألة مطلقًا، واختلاف أفهامهم فيها. وثانيا من جهة تعدد صورها. وعلى وجه الاختصار: زواج المسيار إن كان على وصف يكون فيه اختلال بعض شروط وأركان النكاح وواجباته، فهو لا يجوز. مثل أن يكون النكاح بدون علم أولياء المرأة، أو الانتقال من الولي الشرعي الذي تجب ولايته إلى ولي بعيد بدون إذن ولا رضا ولا مانع شرعي من بقاء ولاية الأول الذي هو الأصل، كالأب، فينتقل إلى الأخ أو إلى العم. ومنه أن يكون زواج مسيار فيه إعانة على الفساد، فالمرأة تريد زوجًا بالإسم، والزوج يريد امرأة زوجة بالإسم، ثم تفعل المرأة ما تشاء، ويفعل الرجل ما يشاء، فلا يحصل المقصود الشرعي من وجود العشرة والألفة التي يجب أن تكون بين الزوجين، وسائر مقاصد النكاح الشرعي. بل ربما صار بعض صور نكاح المسيار هو عين السفاح الذي أظهر بصفة وصورة النكاح. والحيل لا تزيد الحرام إلا حرمة. وأما النوع الثاني، هذا الذي اختلف فيه بعض أهل العلم، إذا استوفت شروط نكاح المسيار سائر الشروط، مثل امرأة كبيرة في السن أو صاحبة أبناء تحتاج إلى زوج، وتعلم أن وجود زوج بقسمة عادلة بينها وبين ضرتها صعب، فتقول مثلا: أنا أرضى بزوج تزوجني يأتيني متى ما شاء، يعني: يبيت في بيته الآخر متى ما يشاء. لأنها تحتاج إلى زوج ينفق عليها ويقوم على أبنائها، أو يقوم عليها إذا لم يكن عندها أبناء، وهي كبيرة في السن. فتنازل عن شرطها، وباقي الشروط والواجبات موجودة ومتوفرة. يتزوجها بوليها الشرعي، وبمهر، وينفق عليها إلى آخره. فمثل هذا اختلف فيه أهل العلم. قال بعض أهل العلم: يجوز. واستدلوا بقصة سودة رضي الله عنها، فإنها تنازلت عن يومها حين شعرت أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يطلقها. فقالوا: هذا يدل أنه يجوز للمرأة أن تبقى مع الزوج إذا خشيت الطلاق وتتنازل عن بعض حقها. وذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز هذه الصفة والكيفية لكون قصة سودة إنما كانت في التبع لا في الابتداء. يعني: سودة تنازلت عن شرطها ليس في ابتداء النكاح، وإنما في مسألة استدامة النكاح. والقاعدة الفقهية: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. وقالوا: لأن كون الرجل يتزوج المرأة من أول النكاح بهذا الشرط، هذا شيء ينافي أصل النكاح. وكل شرط نافى أصل العقد فهو شرط باطل. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن بيع وشرط». حديث معناه صحيح. فهذا المعنى قالوا: كما أنه في البيع كذلك في النكاح. فكل شرط ينافي البيع لا يجوز، وكل شرط ينافي النكاح لا يجوز. والأصل في النكاح أن يعدل الرجل بين زوجاته. وهذه المسألة محل اختلاف. فلذلك الأحوط ترك زواج المسيار مطلقًا، لأنه فيه شبهة. ولا يجوز ويحرم إذا كان فيه شيء من التحايل على الأمور الشرعية. وبعد هذا يحصل إيضاح لكثير مما أشارت إليه السائلة. ومن ذلك ما تناوله السؤال ثانيا في كونها تزوجت بدون علم أهلها. وهذا لا يجوز. فالمرأة لا تزوج نفسها، بل الزانية هي التي تزوج نفسها. لابد أن تتزوج بعلم أوليائها ما دام لها أولياء مسلمون. فكونها تتزوج سرًا هذا منافي لأصل النكاح. النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإعلان النكاح. لماذا؟ لأجل أن يفرق بينه وبين السفاح، وهو الزنى. فكونها تتزوج بغير إعلان، بل بسر، ومن أهلها وأوليائها، هذا شيء نافي معنى النكاح في الإسلام. فإذا كان وليها موجودًا وتزوجت بغير علمه وإذنه، فالنكاح باطل. وعليها من حين أن يبلغها الفتوى مفارقة هذا الزوج. إذا تزوجت بغير إذن وليها مع وجوده، وهو مسلم، فالنكاح باطل. وعليها من حين يبلغها هذا الجواب أن تفترق عن الزوج. فإن رغبت في الزواج به، طلبت منه أن يأتي إلى وليها الشرعي ويزوجها. فإن أب الولي، مثلا، قال الأب: أنا ما أزوجك بهذا الرجل. هي طبعًا تتزوجه على الوجه الشرعي، ليس بخفاء ولا بشيء. ولو قالت مثلا: هذا الزوج ما يستطيع يبقى عندي على طول، هو مشغول، وربما يسافر ويأتي. يقال: يتزوج، وأنت تتنازلين عن مسألة المبيت، على أحد القولين كما سبق. لكن لابد من الولي، ولابد من إعلان النكاح، ولابد من المهر، وسائر شروط النكاح الشرعي الصحيح. فإن أبى الولي، ولم يكن في هذا الزوج عيب ينافي الشرع، لها الحق أن تذهب إلى القاضي، فينقل الولاية مثلا من الأب إلى العم، أو من الأب إلى الأخ. وليس معنى أن تذهب هي وتختار لها من تشاء، هذا الفعل ليس بصحيح. ثم الجزء الثالث من السؤال قولها: أنها وكلت زوج بنت الخالة أو ابن الخالة أن يزوجها. وهذا ليس بصحيح. زوج ابن الخالة رجل أجنبي، كيف يمكن أن يكون وليها؟ إذا كان ليس لها ولي، وهي في بلاد إسلام، مثلا، جميع أولياء هذه المرأة أموات أو كفار، مثلا. وهذا لا يتصور، وهي مسلمة في بلد مسلم. لو كان كذلك، فهي في بلد مسلم تذهب إلى القاضي المسلم، ويكون زواجها عبر المحكمة. أما بهذه الفوضى تحصل مفاسد كبيرة، حتى صار النكاح لا يختلف عن السفاح، والعياذ بالله. وعند ذلك لا تسأل عن المصائب والشرور التي تقع، والعبث واللعب الذي ينافي الضوابط الشرعية في هذا الباب، فيما يتعلق بالنكاح. فنطلب من هذه المرأة أن تبلغ هذه السائلة بالتوبة إلى الله عز وجل، والتقوى في دين الله. والسؤال أهل العلم بما يصحح جميع أحوالنا وأحوالها، وكل مسلم يفتقر إلى العلم، ويفتقر إلى التوبة إلى الله. وهذه المسألة التي سئلت أو سألت عنها، والله تعالى أعلم. وهذا سائل يقول: إمام صلى المغرب وقرأ بسورة من قصار السور، فنسي آية ولم ينبهه أحد، ثم ذكرها في الركعة الثانية. فما الواجب؟ وماذا يفعل؟ إن كانت الآية في أواخر ما قرأ، يعيد في الركعة الثانية من المكان الذي أخطأ فيه، ويكمل باقي القراءة. وإن لم يكن كذلك، كان في وسط القراءة مثلا، فإن شاء الله لا شيء عليه. ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا وأخطأنا. جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما: أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «قد فعلت، فلا حرج في هذا». وليس في هذا السجود سهو، ولا شيء. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعجم عليه القرآن مرة وهو يصلي، يعني: استعجم عليه بمعنى لم يتيسر له شيء من لفظه، فركع. ثم سأل: هل في القوم فلان وفلان؟ يعني: من حفظة القرآن. فبين لهم أنهم إن حضروا عليه من يفتحوا عليه الإمام، ولم يسجد سجود سهو، ولا شيء. فهذا هو جواب السؤال، والله تعالى أعلم. وهذه السائلة من بريطانيا تقول: نحاول جمع أموال للأيتام في العراق، فنوينا عمل حفل للأخوات لجمعهن لجمع الأموال. وهذا الحفل سيكون في مطعم. سيدفع كل أخت منهن عشر جنيهات استرلينية للدخول. وهذا المال للأيتام. وهذا الحفل سيكون فيه مزاد، وحديث لبعض الأخوات من طلبة العلم السلفيين. هذا السؤال يتناول مجموعة من المسائل. أولها: جمع الأموال للأيتام في العراق. ينبغي في مثل هذه المسائل استشارة أهل العلم، والرجوع إليهم أولا للتمييز بين الصادقين من الكاذبين. فما أكثر من يتحايل على المسلمين بالعواطف، وكذلك استغلال الحوادث أو الأحداث بما يكون فيه أكل أموال الناس بالباطل. فلابد من التمييز بين الجهات الصادقة من غير الصادقة. وثانيا كذلك لابد من الانتباه إلى أولويات المسائل التي توضع فيها الصدقة، بالرجوع إلى أهل العلم يبين الأولويات في هذا المقام. فالمسلم ينضبط بالضوابط الشرعية، ويزن الأمور بالمعايير الصحيحة، ليس بالعواطف، ولا بالمجاملات، ولا بما يكون من ارتجال المواقف، واستغلال الصدف. بل هو يسير على ضوابط ومعايير شرعية صحيحة، فيقدم المسائل بأولوياتها، وكذلك ترتيباتها الشرعية التي يبينها أهل العلم الراسخون من علماء ومشايخ أهل السنة. والمسألة الثانية في مسألة مشروعية عمل الحفل أو الاجتماع للأخوات على هذا الوجه. وقد سئل شيخنا مقبل رحمه الله تعالى من قبل بعض أخواتنا في عدن في حياته رحمه الله، قبل أكثر من عشر سنوات، عن إقامة ما يسمى عند الأخوات في مدينة عدن بالطبق الخيري. وهو يشبه هذا الذي ذكرته الأخت. يجتمع الأخوات في بيت أحد الأخوات، وتأتي كل أخت بطعام صدقة لله سبحانه وتعالى في أبواب خير متنوعة. ثم يباع هذا الطعام في ذاك البيت، ويشتري الأخوات هذا الطعام. والمال يجمع في أبواب الخير. وكان أكثره يبدل في جهات العلم والدعوة، ويعان طلبة وطالبات العلم، ونحو ذلك. فأجاز شيخنا مقبل رحمه الله للأخوات هذا العمل، ونصحهن بعدم مداومة هذا العمل حتى لا ينشغلن به عما هو أنفع وأهم. وحتى لا يحصل التوسع بما يكون فيه المشابهة لطريقة الحزبيين. وسئل شيخنا محمد بن صالح عثيمين رحمه الله سؤال قدم لي حين كنت عنده أطلب العلم، كذلك من بعض الأخوات في مدينة عدن، نحو هذا السؤال. فأجاز رحمه الله تعالى هذا العمل. وكذلك نبه بتنبيه فيما يتعلق بالإذن في مثل هذه الأعمال، حتى لا يحصل الاستمرار مع سياسة الدولة إن كانت تمنع مثل هذا. فأخبرته بأنه لا يمانع عن مثل هذه الأعمال، فأشار مرة أخرى إلى أنه ينبغي كذلك ألا يكون هذا صارفًا عن العلم وطلب العلم إذا كان في الأخوات من يطلب العلم. فأخبر رحمه الله بأن هذا ليس على وجه الاستمرار، فأجاز ذلك. فإذن إقامة مثل هذه الأعمال هو من الخير إن شاء الله، على ما سمعت أيها السائل أو السائلة من جواب هذين الشيخين. وهذا هو جوابي في هذا السؤال على التفصيل والتنبيه الذي سمعتم. وأما الثالث من مباحث هذا السؤال، هو دخول هؤلاء الأخوات في المطعم. فينبغي التحري والتحرز من أن لا يكون في هذا المطعم ما ينافي الشرع من الاختلاط، أو مظنة التصوير، والمراقبة، والتطلع لبعض عورات الأخوات. فمثل هذا ينبغي الحذر منه. ولو كان في بيت من بيوت الأخوات كان أحسن وأسلم. والمسألة الأخيرة في قولها: سيكون فيه مزاد. ماذا تريد بهذا المزاد؟ إن كان هو كما ذكر من أن هذا الطعام يباع، ويباع بقيمته بحسب وضع الثمن له، فهذا لا بأس. وإن كان مزادًا على وجه يخالف الشرع، فهذا لا يجوز. فينبغي أن يسأل عن هذه المسألة بعينها. هذا فلاصة ما يذكر في هذا الجواب، والله تعالى أعلم. وهذا السؤال الأخير إن شاء الله: يقول السائل أو السائلة: هل يجوز للمرأة المسلمة المطلقة أن تعيش لوحدها؟ وما حكم المرأة المتزوجة التي يغيب عنها زوجها ستة أشهر أو أكثر؟ هذا سؤال تضمن مسألتين. المسألة الأولى: أن عيش المرأة المطلقة وحدها. الجواب: إن كان للمرأة المطلقة أهل، ولا يشق عليهم السكنى عندهم، فلا شك أن الأحفظ والأحوط والأصوب أن تعيش عند أهلها، تحتفظ بحفظهم، وتستعين بجمعهم، وتستأنس بمخالطتهم. وإن كان لا يمكن ذلك، فيجوز لها أن تعيش وحدها ما دامت مضطرة لذلك. وتحرص قدر المستطاع أن تبتعد عن كل الأسباب المرضية إلى الفتنة، ودخول الشر عليها. وأما الجزء الثاني من السؤال عن حكم المرأة المتزوجة التي يغيب عنها زوجها ستة أشهر أو أكثر. فأجاب أهل العلم عن مثل هذه المسألة: أنه يجوز للمرأة إذا لم تأذن للزوج، ولم تسامح في الحق، أن تطالب الزوج بأن لا يغيب عنها أكثر من أربعة أشهر، خصوصًا إذا خشيت على نفسها. وهذا من حقها. واستدل العلماء على ذلك بدليل مسألة الإيلاء. والإيلاء هو: الزوج يحلف أن لا يقرب امرأته. فإن وقع ذلك، فإنه يخير بين إحدى خصال ثلاث: يمهل أربعة أشهر، فإما أن يكفر عن يمينه، ويرجع، ويباشر زوجته، هذا الأول. وإما إن أبى، ومضت أربعة أشهر، يطلق. فإن أبى هذا وهذا، فإن مضت الأربعة أشهر، ولم يرجع إلى امرأته، طلق. فإن لم يطلق، ولم يرجع إلى المرأة، فيجوز للمرأة أن تطلب من القاضي، ومن كان بمعناه، أن يفسخ النكاح، أن يفرق بينه وبين زوجها. ودليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وهذه المسألة استدل بها العلماء على معنى ما ذكر السائل في الجزء الثاني من سؤاله. وبهذا القدر نكتفي. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان. وأستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه وسلم. شكرًا للمشاهدين، شكرًا للمشاهدين، شكرًا للمشاهدين، شكرًا للمشاهدين.