شرح كتاب الطهارة  29

شرح كتاب الطهارة 29

الدرس في شرح كتاب الطهارة 29، الدرس التاسع والعشرون (فصل :وصفة الوضوء أن ينوي ويسمي ويغسل كفية ثلاثاً ... ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ويدخلهما في الغسل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

صفة الوضوء وأهمية النية

شرح صفة الوضوء كما وردت في السنة النبوية، ومناقشة حكم النية في الوضوء وخلاف أهل العلم حولها. يرى الجمهور أن النية شرط لصحة الوضوء بينما يرى البعض أنها غير لازمة.

تفاصيل الوضوء وغسل الأعضاء

يشرح المقطع تفاصيل الوضوء، ويتطرق إلى أهمية المضمضة والاستنشاق، وغسل الوجه واليدين إلى المرفقين. كما يتناول آراء أهل العلم في وجوب أو استحباب بعض أجزاء الوضوء.

التمييز بين البدعة والمصلحة المرسلة

البدعة هي إحداث شيء ينافي الشرع، بينما المصلحة المرسلة هي استعمال الأمور المحدثة فيما فيه منفعة للناس دون معارضة للشرع. مثال على المصلحة المرسلة استعمال مكبرات الصوت في الأذان.

تحريم الاختلاط وتجنبه في الدراسة

ينصح الشيخ الشاب بترك الكلية المختلطة حفاظًا على دينه وأخلاقه، ويشير إلى وجود بدائل دراسية أخرى تحقق له سلامة دينه ومستقبله دون اختلاط.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، وصفة الوضوء أن ينوي ويسمي ويغسل كفيه ثلاثًا، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا، ثم يغسل وجهه ثلاثًا، وحده من منابت شعر الرأس إلى منتهى اللحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وما فيه من شعر خفيف. ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثًا، ويدخلهما في الغسل. ثم يمسح رأسه كله، لحديث عبد الله بن زيد، يجزئ مسح بعضه لحديث المغيرة. هذه مجموعة من المسائل ذكرها المؤلف رحمه الله في هذا الفصل الذي جعله لصفة الوضوء الذي ينبغي للمسلم أن يتوضأ به قبل صلاته. فنحن في كتاب الطهارة، ومن أحكام الطهارة صفة الوضوء. وهذه الصفة التي أشار إليها هي صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم التي جاءت في أكثر من حديث وأشهرها، ومنها حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، وهكذا حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه كذلك في الصحيحين. ومر معنا أن الفصل يذكر لذكر معاني خاصة لمعنى يتعلق بباب، فهنا نحن في باب الوضوء وما يلحق به، بعد أن انتهينا من باب أحكام المياه ونحو ذلك، فناسب في هذا الموضع أن يجعل فصلًا خاصًا. والفصل هو الفاصل في مجموعة متشابهة من العلم، تتعلق هنا بصفة الوضوء. وقوله: «وصفة الوضوء أن ينوي ويسمي» إلى آخره، معناه: وصفة الوضوء الشرعي الذي ينبغي على المسلم الحرص عليه هو ما يذكر في هذا الفصل، وهي صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كما وردت به الأدلة، كما سيأتي إن شاء الله. وقوله: «أن ينوي» معناه: أن يكون عند المتوضئ نية، والنية كما مر معنا وتقدم محلها القلب، لا تحتاج إلى تلفظ باللسان، فضلًا عن رفع الصوت بهذا اللفظ، بل ولا تحتاج إلى إمرار عبارة على القلب، ولو لم يتلفظ بها اللسان. فالناس الآن عندنا ثلاثة أمور كلها مذمومة غير محمودة، وليست من السنة، بل هي كما قال شيخ الإسلام: نقص في العقل والدين. الأمر الأول: إمرار عبارة معينة على القلب، يدخل بها ويجعلها هي النية، يدخل بها في العمل ويجعلها هي النية، ولو لم يتلفظ بها اللسان، ولم يتحرك بها الشفة. مثل أن يقول في قلبه، دون أن يتحرك اللسان بشيء: «نويت أن أتوضأ لصلاة الظهر»، فهذه العبارة التي أمررها على قلبه، واجعلها هي النية، هذا خطأ، وليس من السنة. لكن النية محلها القلب، من دون أن يمر عبارة معينة على القلب، مجرد أن يعزم على العمل بالوضوء، فقد حصلت النية في القلب. وهكذا كذلك من باب أولى التلفظ بها باللسان، كان يقول بلسانه: «نويت كذا وكذا» إلى آخره. وأشد منه أن يرفع صوته ليسمع نفسه أو يسمع غيره بلفظ النية التي تلفظ بها، كل هذه ليست من السنة؛ لأن النية محلها القلب، وتقدم الكلام على هذا المعنى في دروس سابقة. ومر معنا في بعض دروسنا السابقة أن هذه المسألة، وهي مسألة النية للوضوء، فيها خلاف بين أهل العلم. وجماهير أهل العلم يرون أن الوضوء كسائر الأعمال يحتاج إلى نية، والنية محلها القلب. وذهب بعض أهل العلم، وعلى رأسهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، إلى أن الوضوء لا يحتاج إلى نية. والسبب في ذلك أن الوضوء عمل لا يلتبس بغيره من الأعمال الأخرى، فالنية شرعت للتمييز بين العادة من العبادة، وللتمييز بين العبادة والعبادة الأخرى. فلما كان الوضوء لا يلتبس بشيء من العادات، فلا يوجد في عوائد الناس شيء يشبه الوضوء يلتبس به، يبدأ بغسل الكفين مع البسملة، ويختم بغسل الرجلين، لا يوجد شيء من أعمال الناس فيه هذا الوصف. فإذن: الوضوء لا يلتبس بأي عادة من العادات، وهكذا كذلك لا يوجد عبادة تشبه الوضوء يلتبس أمرها بالوضوء، حتى تحتاج إلى تمييز بنية. فلذلك من توجه لفعل الوضوء، فإن انعقاد النية بالقلب يحصل، ولو لم يحدث المتوضئ نفسه بالوضوء، بمجرد أنه يتوجه ليتوضأ، فإن انعقاد النية للوضوء حاصل ولابد. فصار الخلاف أشبه ما يكون لفظيًا، أي: أنه في الحقيقة شيء واحد. فالكل يقول: إن النية محلها القلب، ولكن الفرق قلنا: الخلاف لفظي؛ لأنه في الحقيقة هو شيء واحد. الكل يقول: إن النية محلها القلب، ولكن القائل بالنية في الوضوء هنا، وهم الجمهور، يقولون: يحتاج إلى أن يعقد قلبه على الوضوء، والذي عند عزمه على الوضوء. والذي يقول: لا نية في الوضوء، ليس معناه أنه يدخل بلا نية، ولكن معناه أنه لا يمكنه أصلًا أن يتوضأ إلا بنية؛ لأنه بمجرد أن يتوجه إلى الماء ليتوضأ، فإن عزم القلب لهذا العمل تنعقد معه نية مباشرة، من دون استئذان، تنعقد معه نية مباشرة للوضوء من دون استئذان. فلهذا قال من قال: إن الوضوء لا يحتاج إلى نية؛ لأن النية تحصل ولابد. وأنبه بهذا التنبيه؛ لأجل أن لا يحصل إشكال إذا وقف أحد طلبة العلم على كلام لبعض أهل العلم في مسألة الوضوء: أنه لا يحتاج إلى نية، فيفهم على خلاف المقصد الصحيح الذي قصد. قال رحمه الله تعالى: «ويسمي ويغسل كفيه ثلاثًا». التسمية: أي أن يقول: «بسم الله» في أول الوضوء. وقد وردت أحاديث في ذكر التسمية في أول الوضوء، جاءت عن عدد من الصحابة، ومن أشهرها وأحسنها ما جاء عن سعيد بن زيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه». وهذا الحديث اختلف أهل العلم في صحته، وأكثر أهل العلم على أن الوارد في ذلك حديث حسن. وقد نقل الإمام الترمذي رحمه الله عن شيخه الإمام البخاري أنه قال: في حديث سعيد بن زيد: «إنه أحسن ما روي في هذا الباب»، أي: في ذكر التسمية على الوضوء. فالحاصل: يستحب لمن أراد الوضوء أن يسمي في أول الوضوء، يقول: «بسم الله» قبل أن يتوضأ. ثم يغسل كفيه ثلاثًا؛ لما ورد في حديث عبد الله بن زيد، وورد في حديث عثمان رضي الله عنهما، وغيرها من الأحاديث الأخرى، كحديث أبي هريرة، وابن عباس، وعلي، وجماعة من الصحابة، بعضها في الصحيحين، وبعضها في صحيح مسلم، وفيها غسل الكفين ثلاثًا. فيستحب لمن أراد الوضوء أن يغسل كفيه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا. وجاء في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انتهى من وضوئه، شرب ما بقي من الماء في إناء الوضوء. وهذا يدلك على الحكمة من عدم إدخال اليدين قبل غسلهما ثلاثًا خارج الإناء في الإناء؛ حتى يبقى الماء في الإناء نقيا صافيا نظيفا. قال: «ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثًا». المضمضة: تحريك الماء في الفم، والاستنشاق: هو إدخال الماء إلى الأنف وإخراجه، يسمى استنثارًا. وقد جاء الأمر بالاستنشاق وبالاستنثار. وما جاء ذكر الاستنشاق ولم يذكر الاستنثار؛ لأن الأمر بالاستنشاق يستلزم في الغالب الاستنثار؛ من أدخل الماء إلى أنفه لن يبقيه بالأنف، فإنه سيخرجه، فيكون هذا كالاختصار. ولهذا جاء في بعض الأحاديث: كحديث أبي هريرة في الصحيحين: «ومن استنشق فلينتثر»، فكذلك من أراد الوضوء، يستحب له بعد غسل الكفين ثلاثًا أن يتمضمض ويستنشق. ويستحب المبالغة في المضمضة والاستنشاق، إلا أن يكون المتوضئ صائمًا؛ كما جاء في حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه: حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالموالغة في المضمضة والاستنشاق، إلا أن يكون المرء صائمًا. وحكم المضمضة اختلف به أهل العلم، منهم من قال: الوجوب، ومنهم من قال: الاستحباب، وأكثر الأدلة تدل على الاستحباب. وهكذا كذلك حكم الاستنشاق اختلف به أهل العلم، فمنهم من ذهب إلى الوجوب، ومنهم من ذهب إلى الاستحباب، وأكثر أهل العلم على الاستحباب. وإن كان بعض الأدلة يدل على الوجوب، خصوصًا الانتثار، وهو ثمرة الاستنشاق. وجاء في بعض الألفاظ كذلك الأمر بالاستنشاق. فالأحوط للمسلم أن لا يترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه. ويتأكد أمر الاستنشاق خاصة إذا كان بعد نوم؛ لما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: تأكيد الأمر به إذا استيقظ من نومه، وأن الشيطان يبات في خيشوم النائم. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن استيقظ من نومه فليستنشق بمنخريه من الماء». وفي رواية: «فإن الشيطان يبات في خيشومه». وبيتوتة هذا الشيطان بيتوتة حقيقية، وإن كنا لا نعرف كيفيتها. المهم: ينبغي أن يعلم المسلم أنه يتأكد عليه إذا استيقظ من النوم أن يستنشق بمنخريه من الماء، بل ويستنشق ثلاثًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالاستنشاق ثلاثًا إذا استيقظ من نومه. وهكذا ينبغي أن يفعل المسلم، يؤكد الاستنشاق إذا كان بعد النوم ثلاث مرات. يجوز الوضوء مرة مرة، ويجوز مرتين مرتين، ويجوز ثلاثًا ثلاثًا، لكنه إذا كان بعد نوم، يحرص على غسل يديه أو كفيه خارج الإناء ثلاثًا، وأن يستنشق كذلك ثلاثًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بهذين الأمرين، خصوصًا إذا كان بعد نوم. قال رحمه الله تعالى: «ثم يغسل وجهه ثلاثًا، وحده من منابت شعر الرأس إلى منتهى اللحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وما فيه من شعر خفيف». ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثًا، ويدخلهما في الغسل. وقوله: «ثم يغسل وجهه ثلاثًا»، ثم مع ما تقدم: «ثم يتمضمض» يفيد الترتيب في هذه الأعضاء، أي: أن غسل الوجه يكون بعد المضمضة والاستنشاق. وقوله: «ثلاثًا»، كما تقدم: هذا هو الأفضل والأكمل، وهو الذي جاءت به أكثر الأحاديث في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها حديث عبد الله بن زيد الذي أشار إليه، ونحوه جاء حديث عثمان، وجماعة من الصحابة. كما أنه يجوز مرتين مرتين، ومرة مرة؛ كما جاء معناه في حديث ابن عباس، وتقدم معناه. فإذن: هنا ذكر الأفضل والأكمل: أن يغسل وجهه ثلاثًا، أي: ثلاث مرات. وقوله: «وحده من منابت شعر الرأس»، أي: حدود الوجه الذي يجب أن يغسل. من منابت شعر الرأس تعرفون شعر الرأس، هو الذي في أعلى الجبهة، وتختلف ابتداء منابت شعر الرأس من إنسان إلى آخر. المهم: أن حد الوجه شرعًا وعرفًا ولغة هو من منابت شعر الرأس. وكل إنسان يختلف منابت شعره عن الآخر، هذا من جهة الطول. فمن الأعلى: منابت شعر الرأس. وقوله: «إلى منتهى اللحيين والذقن طولًا»، معناه: منتهى من جهة الأسفل إلى منتهى اللحيين. اللحيين هما هذان العظمان اللذان يحملان الأسنان في الفك الأسفل، لحي في جهة اليمين تحت الخد الأيمن، وعظم آخر يسمى لحي في الخد الأيسر، كلاهما يحمل الأسنان والفك الأسفل. وقوله: «والذقن طولًا»، يعني: من كانت له لحية طويلة وذقن، فإنه يشملها ذلك. كما أن الذقن مسمى يطلق على محل اجتماع اللحيين من اليمين واليسار، هذا تحت الشفة، وتحت العنفطة هذه العنفطة، فهذا الموضع هو منتهى غسل الوجه. فإن كانت هناك لحية، مر الماء على اللحية. واختلف أهل العلم في تخليل اللحية: هل يجب أو لا يجب؟ الصحيح: التفصيل، جمعًا بين الأدلة. يفصل: إن كانت اللحية خفيفة ترى البشرة من تحتها، يجب أن يخلل عند ذلك هذه اللحية؛ ما دام يستطيع إيصال الماء إلى البشرة التي ترى. وإن كانت اللحية كثة، فلا يجب، ولكن يستحب يخلل ما تيسر، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وعلى هذا تحمل الأدلة التي وردت في هذا الباب. وهذا خلاصة ما يذكر على وجه الاختصار في هذه المسألة. وقوله: «من الأذن إلى الأذن عرضًا»، يعني: من الأذن اليمنى إلى الأذن اليسرى عرضًا. ومر معنا وتقدم: أن غسل الأذنين اختلف أهل العلم فيها، فمنهم من يرى أنها تغسل مع الوجه، ومنهم من يرى أنها تغسل مع الرأس، ومنهم من يرى أن ظاهرها يغسل مع الوجه، وباطنها يغسل مع الرأس، إلى آخر ما سبقت الإشارة إليه. والخلاصة: أن الأمر في هذا واسع، ولكن الأفضل والأكمل أن يغسل المسلم الأذنين مع الرأس؛ لما ورد من حديث هو حسن عند أكثر أهل العلم: «الأذنان من الرأس». وقوله: «وما فيه من شعر خفيف»، يعني: إن وجد في الوجه شعر خفيف، أو حول الأذن، يعني: من جهة اللحية أو من أطراف الأذن، فإنه يمسها بالماء. قال: «ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثًا، ويدخلهما في الغسل». أي: بعد غسل الوجه ينتقل إلى غسل اليدين. فـ«ثم» تفيد الترتيب. ويغسل اليدين من أطراف الأصابع إلى المرفقين. والمرفقان: العظمان الناتئان في آخر الذراع، وما قبل العضد. هذا العضد: العضلة التي قبل الكتف، تسمى عضد. والعضدان تحتهما مرفقان. وقوله: «ويدخلهما في الغسل»، أي: يدخل المرفقين في الغسل، معناه: أن الماء يصل إلى المرفقين. ومر معنا في دروس سابقة الإشارة إلى هذا المعنى في مسألة إدخال المغيّ في المغيّ فيه. وأن «إلى» على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو كذلك في اللغة والشرع والعرف، تقتضي إدخال المغيّ في المغيّ فيه غالبًا. قال: سائل: «إذا حضر شخص خطبة الجمعة وانتقض الوضوء أثناء الخطبة، فذهب يجدد الوضوء، وعندما رجع وجد الصلاة قد انتهت، هل يصلي أربعًا من اثنتين؟» الجواب: يصلي أربعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». والحديث في الصحيحين عن أبي هريرة. وجاء في لفظ خارج الصحيح، وهو حديث صحيح: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة». وهذا معناه: أن من يدرك من الجمعة ركعة، فإنه لم يدرك الجمعة، إذن يصلي ظهرًا. قال: سائل آخر: «بالنسبة للمضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، هل يخرج الماء أولًا من الفم ثم من الأنف، أم من الاثنين معًا؟» الجواب: نبهنا على سنة ربما لم ننبه عليها في هذا الموضع، وإن كان ربما في دروس أخرى حصل التنبيه عليها، ألا وهي أن المضمضة والاستنشاق تكونان بغرفة واحدة. فقد جاء في حديث عبد الله بن زيد، وأحاديث أخرى: أنه يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يعني: للمضمضة والاستنشاق لكل منهما غرفة واحدة، تغرف الماء غرفة واحدة، نصف الكف للفم ونصفه للأنف بنفس الغرفة الواحدة. إذن: ثلاث غرفات تصلح للفم والأنف للثلاث المرات. وأما كيفية إخراج هذا الماء، فيفعل الإنسان الأيسر، والأمر سهل. ولا شك أن الأيسر في الغالب أن يخرج ما في الأنف أولًا، ويؤخر الفم. إذا فعل ذلك دفعة واحدة. وأما إذا تمضمض أولًا، ثم أدخل الماء الباقي للأنف ثانيًا، فإنه في هذه الحالة سيقدم إخراج ماء المضمضة على ماء الاستنشاق. والأمر في هذا واسع، يفعل الإنسان الأيسر له. قال: سائل: «ما حكم صلاة شخص إذا شعر أو لم يشعر بسائل أبيض، يعني كأنه يخرج من القضيب؟» الجواب: إذا لم يشعر فهو غير مكلف بهذا، وإنما كلف الإنسان بما علم. وأما ما لم يعلم فهو ليس مؤاخذًا به. فإذا كان قد شعر بخروج شيء، وهو متأكد من خروج هذا الشيء، فإنه يخرج من الصلاة، ويستنجي ويتوضأ ثم يصلي، إلا أن يكون هذا الخارج يخرج منه على وجه الاستمرار، فهو مثل صاحب السلس، لا يضره ما خرج، ويبقى عليه أن يتوضأ لكل صلاة، ولا يبالي بما خرج بعد ذلك. إذن: الأحوال ثلاثة: إنسان لم يدري ما خرج منه، فهو غير مؤاخذ بذلك. فإذا كان علم بعد الانتهاء من الصلاة، واستيقن من هذا الخارج، فيعيد الصلاة. وقبله طبعًا يستنجي ويعيد الوضوء. والحالة الثانية: رجل علم بالخروج، ولكنه يأتيه على وجه الشك، أحيانًا يخرج وأحيانًا لا يخرج، فهذا لا يبالي بما يخرج حتى يستيقن أنه خرج منه شيء، فإذا خرج منه شيء على وجه اليقين، فإنه يخرج ويستنجي ويتوضأ ويعيد الصلاة. والحالة الثالثة: إنسان مبتلى بشيء من السلس، فيخرج منه شيء مستمر، فهذا يتوضأ لكل صلاة، ولا يبالي بما خرج، ويتحفظ أثناء صلاته. قال: سائل: «ما الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة مع التمثيل إن أمكن؟» الجواب: الفرق بينهما على وجه الاختصار: أن البدعة هو إحداث شيء ينافي الشرع، فيكون الإحداث في دين الله، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أحدثنا بأمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وأما المصلحة المرسلة، فأصل معناه هو استعمال الأمور المحدثة فيما فيه منفعة للناس في دينهم أو دنياهم، بما لا يعارض الشرع. هذا هو الأصل. لكن في الحقيقة المصالح المرسلة في الواقع تنقسم لقسمين: القسم الأول يوافق المعنى المذكور سابقًا، وهي مصالح مرسلة صحيحة. مثاله: استعمال مكبرات الصوت في الأذان، فهذا من المصالح المرسلة، وهو في أمور دينية؛ لأنه لا ينافي الشرع، بل الشرع دل عليه. فقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على أن يكون المؤذن أندى صوتًا، يعني: أوضح وأرفع. وجاء في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في فضل الأذان: أنه لا يسمع صوت المؤذن حجر ولا غيره إلا وشهد له يوم القيامة. فعلم أن إبلاغ الأذان إلى منتهى ما يمكن الإبلاغ فيه مطلوب شرعي. فاستعمال مكبرات الصوت من المصالح المرسلة، وهو لا ينافي الشرع، وليس من البدع. وهكذا في الأمور الدنيوية من المصالح المرسلة، مثلا: استعمال إشارات المرور، كالإشارات الضوئية والرموز واللوائح وغيرها، فهذا من المصالح المرسلة. فهو إحداث استعمال شيء من المحدثات، لكنه لا ينافي الدين، بل هو هنا ليس في الدين أصلا. فهذان المثالان مثالان صحيحان في المصالح المرسلة الصحيحة. وقد يدعى في بعض الأعمال أنها من المصالح المرسلة، وليست من المصالح المرسلة، بل هي من البدع. مثاله: إحداث بعض الناس بعض البدع في عباداتهم، بحجة أنها من المصالح المرسلة، كزيادة بعض الأذكار في أول الأذان أو في آخره في صلاة الفجر، بحجة أن هذا يعين الناس على الاستيقاظ للصلاة، مثل ما يسميه بعض الناس بالتراحيم. أو في بعض البلاد يشغلون القرآن قبل الأذان بنصف ساعة، ومثله يوم الجمعة ربما يشغل القرآن قبل الأذان بنصف ساعة أو ساعة، ويزعمون أن هذا من المصالح المرسلة. والمقصود منه هو تذكير الناس بهذه الصلاة. وهذا ليس بالصحيح؛ لأن باب العبادات توقيفي، لا يجوز إحداث شيء لم يدل الشرع عليه. وبه نعرف الفرق بين استعمال مكبرات الصوت الذي دل عليه الشرع، أي: على معناه، وبين استعمال القرآن، مع أن له أصل، ولكنه في هذا الموضع بدعة، سواء في أذان الفجر أي قبله، أو قبل أذان الجمعة. وهكذا قل في مسائل كثيرة يدعى أنها من المصالح المرسلة، وليست هي من المصالح المرسلة. حتى قال بعض أهل العلم: «إنما الدعوى فيه أنه من المصالح المرسلة من المسائل الخارجة عن القاعدة أكثر من الداخل فيها»، يعني: المنضبط الصحيح قليل، والمدعى كذبًا كثير. فلذلك ينبغي الانتباه لمدعي أنه من المصالح المرسلة. قالت سائلة: «امرأة حامل يخرج منها ماء أبيض في كثير من الأحيان، فماذا عليها أن تفعل؟» الجواب: هذا الماء الذي يخرج من النساء، سواء في الحمل أو في غيره، وهو ما يسمى برطوبة فرج المرأة، هو يخرج في الغالب من جهة موضع الحمل. وفي الغالب أن المرأة يكثر منها مثل هذا الخروج، وهي لا تستطيع أن تمنع خروجه. فإذا كان كذلك فلا يضر خروج مثل هذا الماء. وهذه فتوى جماعة من أهل العلم: بأن هذا الماء الخارج من موضع الولد، وما يسمى برطوبة فرج المرأة: طاهر، ليس بنجس. والصحيح: أنه لا ينقض الوضوء. وبعض أهل العلم يقول: لو قيل إنه ينقض الوضوء، فيكفيها أن تتوضأ لكل صلاة، يكفيها أن تتوضأ لكل صلاة، فيكون حكمه حكم السلس. والصحيح: أنه لا ينقض الوضوء، ولا يوجد شيء صحيح صريح يدل على أن مثل هذا ينتقض به الوضوء. قال: سائل: «أنا شاب أدرس في كلية الطب، وهي مختلطة، وأنا في آخر سنة، ولكن هذا الاختلاط بدأ يؤثر علي كثيرًا في عباداتي ونفسي. وأيضًا هناك عملي في المستشفى، حيث هناك عورات مغلظة. ولكن إذا تركت الدراسة، فإنه سوف يسبب لي مفسدة كبيرة مع أهلي. وقد طلبت منهم أن أتزوج، وقالوا لي: يجب أن تكمل الدراسة». الجواب: نسأل الله عز وجل العظيم رب العرش الكريم أن يحفظ هذا الشاب، وأن ينجيه من هذه الفتنة والمحنة. هذا السؤال يتكرر كثيرًا لأمثال هؤلاء الشباب الذين يبتلون بالمدارس المختلطة، فإنها سبب لتعريض دين المرء للفتنة. وهذه هي الحكمة التي من أجلها حرم الإسلام الاختلاط؛ لما فيه من المفاسد الكثيرة العاجلة والآجلة على أديان الناس وأخلاقهم وغير ذلك. فلذلك نقول لهذا الشاب: ننصحك بأن تترك هذه الكلية. ومن اتقى الله عز وجل فلن يضيعه الله. قال الله سبحانه وتعالى: «وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ». أنت بإمكانك أن تبحث عن كلية أخرى ليس فيها اختلاط، سواء كلية الطب تلتحق بها في نفس البلد، في محافظة أخرى، أو خارج البلد، أو عبر شبكة الإنترنت، أو حتى تنتقل إلى كلية أخرى ليست كلية الطب، إذا كان بإمكانك ذلك. انتقل، فسلامة الدين لا يساويها شيء. وأما مسألة اعتراض الأهل، فبين لهم أن سلامة الدين لا يساويها شيء. قل لهم: «فلان - أي: أنت - مرضت فلم تستطع المواصلة، صار لك حادث، ابتليت بكذا»، فأيهم أفضل: أن يسلم الإنسان بدينه، أو أن يحصل له شيء؟ فتكون القناعة بعد قدر الله سبحانه وتعالى. فالمهم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ومع ذلك لا يلزم أنك تترك الدراسة، فيمكنك إكمال الدراسة بوسائل أخرى ليس فيها اختلاط. ويمكنك كذلك استرضاء الأهل ببدائل أخرى ليس فيها كما يظنون ضياع المستقبل. وأنت احرص، وإن شاء الله لن يضيعك الله سبحانه وتعالى. ولعلك إن وجدت أحدًا من أهل العلم في بلدك يكون أعرف بحالك وحال بلدك، يدلك على طرق أحسن وأفضل مما سمعت، تنجو بها من هذه الفتنة، وتصل بها إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، وسلامة نفسك ودينك في الدارين. أسأل الله عز وجل: وفقك لذلك. وبهذا ننتهي، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.