الدرس في شرح السياسة الشرعية 52، الدرس الثاني والخمسون:من( الفصل الخامس:حقوق الزوج والزوجة ... مثل بيع الغرر وبيع حبل الحبلة وبيع الطير في الهواء والسمك في الماء ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول حقوق وواجبات الزوج والزوجة في الإسلام، مبينا أهمية المعاملة الحسنة بينهما. يشدد على الواجبات المتبادلة مثل النفقة والطاعة والعشرة بالمعروف.
يجب الحكم بالعدل في الأموال والمعاملات المالية كما أمر الله ورسوله، ويشمل ذلك قسمة المواريث والبيع والإيجار وغيرها. العدل في هذه المعاملات أساس صلاح الدنيا والآخرة.
يناقش تحريم المعاملات المالية الفاسدة مثل الربا والميسر وبيع الغرر، ويحذر من بيع الجهالة والغرر. يشدد على ضرورة منعها وتأديب المخالفين ودور ولي الأمر في تطبيق العدل.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: الفصل الخامس. قال: حقوق الزوج والزوجة. قال: ومن الحقوق الأبضع، فالواجب الحكم بين الزوجين بما أمر الله تعالى به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. قال: فيجب على كل من الزوجين أن يؤدي إلى الآخر حقوقه بطيب نفس وانشراح صدر. فإن للمرأة على الزوج حقا في ماله، وهو الصداق والنفقة بالمعروف، وحقا في بدنه، وهو العشر والمتعة. بحيث لو آل منها استحقت الفرقة بإجماع المسلمين. وكذلك لو كان مجبوبا أو عنينا لا يمكن جماعها، فلها الفرقة. ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء. جعل رحمه الله هذا الفصل مخصوصا في حق الزوج والزوجة، ومن تفاصيل السياسة الشرعية رعاية الأسرة. وأشار إلى ذلك بهذا الفصل، والاعتناء بحقوق الأسرة قد جاء التنصيص عليه في نصوص الكتاب والسنة، في آيات كثيرة وأحاديث عديدة. بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص النساء في يوم العيد بالخطبة، أو بالخطبة بما يظن أنه يؤدي ما يحتاج إليه النساء، وهو ولي أمر المسلمين. فكذلك خلفاؤه من بعده، وولاة الأمور عليهم أن يتابعوا مثل هذه الحقوق ويراعوها. ثم ذكرها هنا، قال: ومن الحقوق الأبضع، يعني ما يكون من أمري الزوجية، وهو من ذكر البعض، والمراد به الكل. والبضع معروف، ولكنه أريد به ما يلحق به من أحكام ومسائل. ثم أشار هنا إلى ما يتعلق بعلاقة الزوجين، وأنها مبنية على هذا الأصل: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. والمراد بالمعروف المعروف شرعا وعرفا، كما سيأتي معنا إن شاء الله، ودلت عليه الأدلة الكثيرة. ثم أشار إلى الإحسان في هذا الباب، من أن كل من الزوجين يجب عليه أداء ما عليه من حقوق بطيب نفس وانشراح صدر، طاعة لله أولا، وإعانة لديمومة هذه العشرة بينهما، حتى تتحقق معاني المودة والمحبة والألفة التي ينبغي أن تكون بين الزوجين. ثم ذكر هذين الأصلين: الأصل الأول فيما يتعلق بالنفقة، من الصداق والنفقة بعد ذلك على الزوجة، فهي على الزوج. وكذلك طاعة الزوج لها بالمعروف، في مقابل ذلك، والعشرة، وهو حق لهما جميعا: حق للزوج، وحق للزوجة، وسيأتي تفاصيل في ذلك. وقوله: بحيث لو آل منها استحقت الفرقة، الإيلاء هو حلف الرجل أن لا يقرب امرأته لسبب أو لآخر. فقد جعل الشرع له حدا، وهو أربعة أشهر: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۞ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فالذي يحلف أن لا يقرب امرأته يمهل أربعة أشهر، إما أن يكفر عن يمينه فيرجع ويعاشر أهله، وإما أن يطلق أو يفرق بينهما الحاكم إذا أبى أن يفعل ذلك. وقوله: وكذلك لو كان مجبوبا، يعني مقطوع البضع، أو عنينا، يعني أن عضوه ضعيف لا يقوم ولا يؤدي المقصود، لا يمكنه جماعها، فلها الفرقة؛ لأن هذا حق لها، ولها الحق بتقصيره أن تطلب الفرقة. ثم قال: ووطؤها واجب عليه عند أكثر العلماء، وهذا هو الصحيح. قال: وقد قيل: إنه لا يجب، اكتفاء بالباعث الطبيعي، يعني من ميل الزوجين بعضهما لبعض. قال: والصواب أنه واجب، كما دل عليه الكتاب والسنة والأصول، يعني عمومات الشريعة وأصولها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما رآه يكثر الصوم والصلاة، والحديث طويل في الصحيحين: «إن لزوجك عليك حقا». وهذا هو الشاهد. ومن حق الزوجة العشرة، فلا يجوز أن يمنعها حقها. قال: ثم قيل: يجب عليه وطؤها كل أربعة أشهر مرة. وقيل: يجب وطؤها بالمعروف، على قدر قوته وحاجتها، كما تجب النفقة بالمعروف كذلك. وهذا أشبه، ومعنى هذا أقرب إلى الصواب، يعني إذا علمنا أنه واجب، فما هو حد هذا الواجب؟ هل مرة في السنة، أو كل ستة أشهر مرة، أو كل أربعة أشهر مرة؟ قال: الصحيح أنه بحسب العرف شرعا وعرفا. وعرفا يجب وطؤها بالمعروف، فالنساء يختلفن، والرجال يختلفون. ولهذا كان هذا هو القول الصحيح والصواب: أنه على قدر قوته وحاجتها. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، كذلك لا ضرر ولا ضرار، لا ضرر عليه ولا ضرر كذلك عليها. ولكن إذا حصل الخلاف، هل هناك أصل يعرف به الحد الأدنى؟ الجواب: نعم، وهو ما ذكر: أربعة أشهر، يعني إذا اختلفوا وحصلت المشاحة، فأقله أربعة أشهر، لعموم الآية: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. وجاء كذلك في قصة عمر رضي الله عنه، حين سمع امرأة تقول أبياتا، وقد غاب عنها زوجها في الغزو. فسأل ابنته: كم تصبر المرأة على زوجها؟ فقالت: خمسة إلى ستة أشهر. فجعل أن المقاتل يجلس أربعة أشهر، وشهر للذهاب، وشهر للإياب، ستة أشهر لا يزيد على ذلك، يتناوب المقاتلون كل أربعة أشهر يرجعون إلى أهاليهم. وهكذا كان كلام أكثر أهل العلم. وأما إذا لم تحصل المشاحة والخلاف، فالأصل كما ذكر: يكون بالمعروف، على قدر قوته وحاجتها. قال: وللرجل عليها أن يتمتع بها متى شاء، ما لم يضر بها أو يشغلها عن واجب، فيجب عليها أن تمكنه. كذلك يضر بها، كأن تكون مريضة مثلا، فلا يجوز له أن يضر بها. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر ولا ضرار». أو يشغلها عن واجب، كأن تكون مثلا هي صائمة صيام فرض، وهو مثلا مفطر لمرض، فلا يجوز له أن يشغلها عن هذا الواجب. وأما إذا لم يكن كذلك، فيجب عليها أن تمكنه. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل إذا دعا امرأته، وجب عليها أن تجيبه. فإذا لم تفعل، لم تزل الملائكة تلعنها، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وهذا كما هو له، كذلك هو لها، إذا احتاجت إليه، فكذلك عليه أن يلبي حاجتها إذا علم أن التأخر عنها يضر، فلا يجوز: لا ضرر ولا ضرار. ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: ولا تخرج من منزله إلا بإذنه، أو بإذن الشارع. بإذنه؛ لأنه الزوج، وهو له القوامة. وقد قال الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، والآيات كذلك في ذكر هذا المعنى كثيرة، ومن السنة كذلك. وبإذن الشارع، يعني فيما إذا كان هناك شيء يقتضي خروجها، ويأذن الشرع لمثله، مثل أن تخرج خشية الهلاك، مثل قصة الرجل الأنصاري الذي تزوج، وجد امرأته عند الباب، فحمل السيف عليها. فقالت له: ادخل. وكان حديث عهد بعرس، اشتدت غيرته. فقالت: ادخل لترى ما في الداخل. فدخل فرأى حية عظيمة، فاختلفا بالضرب، فمات جميعا: هو والحية، حتى لم يدرى أيهما ابتدأ بالآخر. فمثل هذا يأذن الشرع للمرأة أن تخرج بغير إذن الزوج؛ لأنه فيه ضرر: لا ضرر ولا ضرار. كون البيت فيه حريق، أو عندها مريض من أبنائها اضطرت أن تخرجه لتعالجه، فهذا من الضرورات التي تبيح المحظورات. وبغير ذلك لا يجوز لها أن تخرج إلا بإذن. ثم الإذن قد يكون لفظيا خاصا، أو لفظيا عاما، كأن يقول لها: آذن لك أن تخرجي لأهلك، لزيارة أهلك يوم في الأسبوع مثلا، أو لعلاج الأولاد إن احتيج، أو لكذا وكذا. أو إذن عام: يقول: إذا احتجت الخروج، اخرجي. اخرجي إذا احتجت الخروج. أو يكون الإذن عرفيا، وإن لم ينص، جرى العرف بأن مثل هذا يؤذن فيه، كالذهاب للحاجة التي لابد منها إلى أهلها، أو نحو ذلك من الحوائج الناس بحسب العرف. وإلا إذا كان الرجل يريد شيئا خلاف العرف، فعليها أن يشترط، يقول مثلا: انتبهي يا فلانا، ما أريدك تكون مثل نساء قومك، فأمنعك من كذا وكذا وكذا؛ لأنه خلاف الأصل، فلابد أن ينص عليه. قال: واختلف الفقهاء: هل عليها خدمة المنزل؟ كالفرش والكنس والطبخ ونحو ذلك. فقيل: يجب عليها. وقيل: لا يجب. وقيل: يجب الخفيف منه. وأشار شيخنا رحمه الله بالشرح: أن هذه الأقوال هي بحسب عرف كل قائل، فهذه الأقوال لا تختلف، فهي كلها صحيحة؛ لأن العبرة في ذلك بالمعروف، أي شرعا وعرفا: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فإذا كان البلد من عرفه أن خدمة المنزل على المرأة من وإلى، فكذلك. وكما قلنا: من أراد أن يخرج عن الأعراف، فليشترط. رجل زوج ابنته، ويريدها مثلا تنشغل بشيء، إما مثلا باب أبواب العلم والدعوة والتعليم، أو كذلك أن تعين أخواتها. فيقول مثلا لزوجها: أشترط عليك أن تخدم أمها المريضة. أشترط عليك أن لا تكلف عليها في عمال البيت. أشترط عليك أن تعينها على التعليم، أو نحو ذلك. خروج عن الأصل يحتاج إلى شرط. وإلا فالأصل أن الأمر يجري بما جرى عليه العرف. فإذا كان هناك تفصيل في العرف، فيقضى بما جرى به العرف. كما ذكر الشيخ رحمه الله في الأمثلة: قد يكون في بعض البلاد أن الأشياء الخفيفة تخدم به المرأة، والأشياء الثقيلة لا، مثل الولائم ونحوها، فيرجع في هذا إلى العرف. قال رحمه الله تعالى: الفصل السادس: الأموال. قال: وأما الأموال، فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل، كما أمر الله ورسوله، مثل قسم المواريث بين الورث، على ما جاء به الكتاب والسنة. وقد تنازع المسلمون في مسائل من ذلك. وكذلك في المعاملات، من المبايعات والإيجارات والوكالات والمشاركات والهبات والوقوف والوصايا، ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض. فإن العدل فيها هو قوام العالمين، لا تصلح الدنيا والآخرة إلا به، يعني العدل في هذه المعاملات جميعا. قوله: الفصل السادس: الأموال، يعني مما يجب أن تراعى فيه السياسة الشرعية، وذلك على الراعي والرعية. متابعة ومراقبة أحوال الناس في الأموال، وذلك يقتضي تعيين هيئات تقوم بذلك من قبل ولي الأمر. كما أن الفصل الذي قبله: أمر العناية بأمور الأسرة ومشاكل الأسرة، يقتضي تعيين هيئات تقوم بذلك. لأن السلطان لا يستطيع أن يقوم بهذه الأعمال والوظائف جميعا، ولكن يستطيع أن يأمر بتعيين هيئات تقوم بذلك، وينفق عليها من بيت المال. هيئة تتابع مشاكل الأسرة، وتنظر الحلول لهذه المشاكل الأسرية. وفي ثنايا هذه الهيئة كذلك أهل علم وأهل الاختصاص، لحل ما قد يحتاج إليه من مشاكل، بالرجوع إلى أهل الاختصاص. وكذلك في أمور الأموال يحتاج أن يعين ولي الأمر هيئة تتابع أمور الأموال، بما جاء في الشرع. وأمور الأموال كثيرة، منها قسمة المواريث، فتكون هناك لجان مختصة لقسمة المواريث، تعين الناس على ذلك، أو بعض القضاء يقومون بهذا الأمر. وكذلك مباحث البيوع، من أنواع المعاملات التي يحتاج إليها الناس، كما قال: من مبايعات وإيجارات ووكالات ومشاركات، وكلها واضحة. جمع المبايعات: جمع البيع، أنواع البيع. والإيجارات كذلك من الإيجارة. والوكالات من الوكالة، والمشاركات من أنواع المشاركات، وهي أنواع كثيرة، كما هو متقرر في كتب الفقه. وقد مر معنا في منهج السالكين أنواع المشاركات. والهبات كذلك؛ لأن هذه في الإسلام لها شروط وضوابط وأحكام، حتى لا يبغي الناس بعضهم على بعض. وهكذا الوقوف لها أحكام، جمع وقف. والوصايا لها أحكام، جمع وصية. ثم قال: ونحو ذلك من المعاملات المتعلقة بالعقود والقبوض. العقود: ما يتم به العقد، عقد بيع أو إيجارة أو وكالة أو مشاركة أو هبة أو وقف أو غير ذلك، ويشمل البيوع، ويشمل النكاح، ويشمل غير ذلك من العقود. والقبوض: أي كيفية القبض؛ لأنه يختلف من زمان إلى زمان. فقد يكون القبض بالنسبة للأموال في زمان بالتقابض يداً بيد، وفي زمان آخر قد يكون بأشياء أخرى، خصوصا في هذا الزمان مع توسع أنواع المعاملات والتجارات، وكذلك تداول الأموال. فوجدت مسميات كثيرة للقبوض، فهناك قبوض بالشيكات، وهناك قبوض بكذا الأسهم، ونحو ذلك. فكل هذا يحتاج إلى أن تجعل له لجان تتابع ذلك. فما استجد يفتي فيه العلماء ويجتمعون. وما احتاج إلى مراقبة ومتابعة، تكون له هناك لجان مراقبة ومتابعة، حتى تقوم أحوال الناس بالعدل. وليس العدل بالعقل، ولكنه بالشرع. قال رحمه الله: فمن العدل فيها ما هو ظاهر، يعرف كل أحد بعقله، يعني العقل السليم الصحيح لا يخالف الشرع. قال: كوجوب تسليم الثمن على المشتري، وهذا ظاهر، ما أحد عاقل يقول: إنه لا يجب من اشترى شيئا ألا يسدد ويسلم الثمن. وتسليم المبيع على البائع للمشتري، يعني إذا أعطي الثمن يسلم البضاعة المشتراة. وتحريم تطفيف المكيال والميزان، كذلك هذا بالعقل يعلم أنه حرام، ولا يجوز، وأنه ظلم. ووجوب الصدق والبيان، كذلك فالعقل والفطرة يقضيان بأن هذا مما يجب. وتحريم الكذب والخيانة والغش. وأن جزاء القرض الوفاء والحمد، هذا كله العقل والفطرة الصحيحة تقتضيه. ومعنى جزاء القرض الوفاء والحمد: يعني من أقرضك، وجب أن توفي له، وأن تشكره، جزاء ما أحسن إليك. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحسنكم قضاء». وغير ذلك، فهذا ليس فقط الشرع أمر به، بل الفطرة الصحيحة والعقل السليم يدل على هذا المعنى ويقتضيه. فكأنه يقول: مثل هذه الأمور الظاهرة قد لا يختلف فيها الناس، لكن الإشكال في الأمور الخفية التي يحتاج فيها إلى أهل العلم بالشرع. يكون هناك لجان يقضون بين الناس فيها، ويميزون الحلال من الحرام؛ لأن بعض دقائق هذه المسائل الخفية لا يعرفها كل أحد. قال: ومنها ما هو خفي، جاءت به الشرائع، أو شريعتنا أهل الإسلام، يعني من هذه الأمور الخفية ما اتفقت عليه الشرائع، ومنها ما كان هو في هذه الشريعة خاصة. قال: فإن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات، يعود إلى تحقيق العدل، والنهي عن الظلم دقه وجله. كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. فلا يجوز أكل مال أحد بالباطل والظلم والعدوان. قال: مثل أكل المال بالباطل، وهذا معنى عام تدخل تحته معاملات كثيرة. قال: وجنسه من الربا، من أكل المال بالباطل الربا. قال: والميسر، أنواع الربا والميسر التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، مثل بيع الغرر، وبيع حبل الحبلة، وبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، والبيع إلى أجل غير مسمى، وبيع المصرى، وبيع المدلس، أو بيع المدلس. المدلس البطاعة، والمدلس البائع، والملامس، والمنابذ، والمزابن، والمحاقل، والنجش، وبيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه. وما نهى عنه من أنواع المشاركات الفاسدة، كالمخابرة بزرع بقعة بعينها من الأرض. وهذه مجموعة من المعاملات تحتها تفاصيل ومسائل كثيرة، يذكرها الفقهاء في كتب الفقه المختصرة والمطولة. وفي المطولات دقائق وتفاصيل يعرفها أهل العلم. فيجب على ولي الأمر أن يعتني بالعدل في هذه جميعا. وكما قلنا: لا يمكنه هو أن يقوم بذلك، لكن يوكل لجان وهيئات تقضي بين الناس في هذا بالعدل. فمثلا اليوم هناك هيئات تقوم بمراقبة التجار في أسواقهم وفي مؤسساتهم وشركاتهم، وذلك بأن تبين لهم ما يجوز وما لا يجوز. فأي تاجر يحتاج لترخيص لتجارته، يعطى له مثل هذه الشروط: بأن يلتزم ببيع يوافق الشرع، ويلتزم بأن يجتنب كل ما يخالف الشرع. وممكن أن يكون هناك غرامات من التعزيرات الجائزة لكل من يخالف ذلك، حتى ينضبط الناس بالحلال، ويتركوا ويجتنبوا الحرام. وممكن أن يكون هناك لجان ينزلون فيراقبون سير وانضباط هؤلاء الناس من أهل التجارات. فمن خالف منهم، رفع فيه ما يكون به تأديبه. فالربا تحته تفاصيل كثيرة، وقد جاء النهي وتحريم الربا في نصوص الكتاب والسنة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فمن لوازم الإيمان ترك التعامل بالربا. وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه». خمسة لعنوا في أكل الربا. وفي رواية: والحديث أصله في صحيح مسلم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم «لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه». وفي رواية أخرى: حديث المسعود: أن الله «لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه». فالله ورسوله قد لعن آكل الربا، لعن الله آكل الربا، ولعن رسوله صلى الله عليه وسلم أكل الربا، وهذا يقتضي التشديد في هذا الباب. فلا يجوز لولي الأمر أن يقر معاملة فيها ربا، فضلا أن تفتح البنوك الربوية التي لا يجوز بقاؤها في دولة الإسلام، وهي مع حرمتها الشرعية، فقد أثبتت التجربة التجارية أنها فاشلة، أنها طريقة تجارية فاشلة، فاشلة من جهة الحس والواقع، فضلا عن كونها مخالفة للشرع. حتى صار الكثير من الكفار ينظر إلى حلول أخرى يستبدلون بها هذه الطرق التي أثبتت التجربة أنها فاشلة. ولو نجحت لما جاز للمسلمين أن يدخلوا فيها؛ فإنما عند الله لا ينال بالحرام. والمسلم لا يجوز له أن يقترب من الحرام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الربا: «أن أمره لا ينتهي إلا إلى قلة»، يعني أبدا لا يمكن أن يكون نهاية وثمرة الربا الزيادة، كما جاء في حديث بن مسعود بمعناه. بل قال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. ثم الربا تفاصيل وأقسام كثيرة، وبالإجمال هو ثلاثة أقسام: ربا فضل، وربا نسيئة، وربا قرض أو دين. كل قرض جر نفعا فهو ربا، فكل أنواع الربا لا يجوز إقرارها، ولا تركها بين الناس. وهكذا الميسر، ومعناه: كل معاملة يكون صاحبها بين الغنم والغرم، فيدخل فيها الميسر الذي عرفه أكثر الناس، من التعامل بالربح بواسطة الألعاب والطرق التي يتعاملون بها. كأخذ المال بلعب البطة، أو لعب الورق، أو الدمنة، أو غير ذلك، فكله من الميسر المحرم. أو كذلك أن تكون هناك دور تسمى بغير اسمها، قد يسمونها ملاهي، وهي في الحقيقة دور للميسر، فيها أنواع الألعاب التي مبناها على الميسر. أو كذلك قد يسمونها منتزهات، أو كازينوهات، أو كذلك محل مشروبات، مشروبات، وفي الحقيقة داخلها، أو في داخلها من أنواع الميسر. بل من الميسر ما يكون في بعض المعاملات التي أصلها حلال، فيدخل فيها بعض معاملات الميسر. فبعض شركات الهاتف قد تتعامل بمعنى من معاني الميسر، فيجب على ولي الأمر منع هذه المعاملات؛ لأنها معاملات محرمة، مثل أن يرسل مثلا مثل ما اشتهر الآن: رسائل لعدد من الناس: ساهم في رسالة تكسب عشرين ألفا، أو مليونا، ترسل رسالة بخمسين ريالا. ثم يقرع بين المجموعة، ومن جاء نصيبه كسب العشرين ألفا، هذا من الميسر، وهي معاملة محرمة، مع ما فيها من أكل أموال الناس بالباطل. فلا يجوز إقرار مثل هذه الشركات لمثل هذه المعاملات. أو شركات ترسل رسائل، سواء بالإيميلات أو غيرها، فتغرر بالناس في معاملات هي من جنس هذه المعاملات التي فيها معنى الميسر، صاحبها بين الغنم والغرم. وأحيانا تجد في بعض الجرائد، أو تأتيك على بعض الجوالات رسائل: اتصل بالرقم الفلاني تكسب سيارة كذا وكذا، إغراءات. ثم بعد قليل تأتيك رسالة ثانية: أنت اخترت من بين كذا وكذا، فقط اتصل على هذا الرقم، وأجب على الأسئلة. ثم يتصل، فإذا به قد أخذ عليه كل الوحدات التي في جواله. نصب، شركات نصب. فلا يجوز بقاء مثل هذه الشركات، بل ينبغي أن تحارب الجهات المختصة التي يوكلها ولي الأمر، مثل هذه المعاملات المحرمة. وقوله رحمه الله: مثل بيع الغرر، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، كما جاء في مسلم من حديث أبي هريرة. وبيع الغرر هو بيع الجهالة، هو بيع الجهالة، كل بيع فيه جهالة. ومنها هذه المعاملات التي ذكرها: بيع حبل الحبلة. وكان بيع يتعامل به أهل الجاهلية، وقد جاء به النص عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عنه. والمقصود منه هو ماذا؟ المقصود منه: أن هذا البائع يبيع الشيء بالمبلغ اليسير يتعجله، وذاك يرجو الشيء الكبير مع تلك المظنة بين الغنم والغرم. فهو معنى من معاني الميسر، والجهالة التي نهى عنها الشرع، فلا يجوز ذلك. ومعنى حبل الحبلة: يعني حمل الحمل، حمل الحمل إذا نزل هذا الحمل، فإذا حمل، كان: أنت، الله أعلم يكون أنت، أو ليس بأنت. وإذا صار أنت، وحمل، الله أعلم يحمل أو لا يحمل، يعيش أو لا يعيش. فإذا حمل بعد نزوله، فما يأتي بعد ذلك الحمل فهو لك بكذا وكذا. وهذا لا يجوز؛ لما فيه من الغرر، ومعنى الميسر، فصاحبه بين الغنم والغرم. وهكذا بيع الطير في الهواء: كيف تمسكه وهو في الهواء؟ وهكذا السمك في الماء، كل هذا من بيع الجهالة والغرر المحرم. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس اللاحق، والله أعلم.