الدرس في كتاب العلم وفضله وما يتعلق به 3، الدرس الثالث:من( وعن أبي موسى رضي الله عنه قال:قال رسول الله ... فإني منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا بمكانهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث أبي موسى وبيان أهمية العلم والفقه في حياة المسلمين، مع توضيح أقسام الناس في التعامل مع العلم. وأوضح أن العلم له أهمية كبيرة في حياة المسلمين.
يُبين أهمية العلم وفضل تعلمه، ويحذر من حمل العلم دون العمل به، ويوضح أن تعلم العلم عبادة لله عز وجل. كما يُقدم طلب العلم على نوافل الطاعات إذا تعارضا.
يُوضح أن طلب العلم جهادًا في سبيل الله، وتعليمه صدقة، ويعتبر العلم أنيسًا في الوحدة وصاحبًا في الخلوة. كما يشير إلى أن الله ينور قبور معلمي الخير ومتعلميهم.
يختتم بالتأكيد على أهمية الإعراض عن الأخبار الإسرائيلية غير المؤكدة، ويشكر المستمعين على حسن استماعهم. ويُنهي الحديث بتوجيهات حول التعامل مع مثل هذه الأخبار.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منه طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا. وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ». فذلك مثل من فقُه في دين الله، ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. أخرجاه في الصحيحين. قال: فانظر -رحمك الله- لهذا الحديث ما أوقعه على الخلق، فإن الفقهاء للفهم كمثل البقاع التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ؛ لأنهم عليموا وفهموا وفرعوا وعلموا. وغاية الناقلين من المحدثين الذين لم يرزقوا الفقه والفهم: أنهم كمثل الأجادب التي حفظت الماء، فانتفع بما عندهم. وأما الذين سمعوا ولم يتعلموا ولم يحفظوا: فهم العوام الجهلة. قال: وقال الحسن رحمه الله: «لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم». وقال معاذ بن جبر رضي الله تعالى عنه: «تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة». قال: وقال كعب رحمه الله: «أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن تعلم يا موسى الخير وعلمه الناس؛ فإني منور لمعلم الخير ومتعلمه أبورهم حتى لا يستوحشوا بمكانهم». ختم المؤلف رحمه الله هذا الفصل الذي جعله مقدمة للربع الأول من هذا الكتاب، فيما يتعلق بالعلم وفضله، وما يتعلق به من مسائل، بحديث أبي موسى، وهذه الآثار. أما حديث أبي موسى: فكما سمعتم، ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلا، والمراد بهذا المثل: هو إيضاح المعنى المقصود من أمر هذا الدين، وأن الناس إن قسموا في هذا المثل الذي هو المقصود به الهدى والعلم الذي بعث به النبي عليه الصلاة والسلام: ثلاثة أقسام، على ما ذكر وسمعنا. فأفاد هذا الحديث مسائل: أولا، أفاد ضرب الأمثال، واستحسان استعماله؛ فقد كان من هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل هو في كتاب الله عز وجل كثير. فإن ضرب المثل له فوائد كثيرة، من هذه الفوائد: ذكر لها ابن القيم رحمه الله فصلا في كتابه «البديع». من هذه الفوائد ثلاثة فوائد: فيه تقريب المعنى؛ فإن المعنى إذا ضرب بمثال محسوس: قرب وفهم أكثر. وفيه كذلك -أي ضرب الأمثال- تحويل الأمر المعنوي إلى أمر محسوس. ولهذا كذلك أثر؛ فإن في ذلك فوائد. من هذه الفوائد: أن يستشعر الناظر في هذا الأمر المعني ضرب المثل به: كيف نفعه؟ وكيف أثره؟ كما أنه كذلك يكون في ذاك الأمر المحسوس مثل هذا المثل. الآن العلم والهدى أمر معنوي قد لا يستشعر الإنسان أثره، لكن لما مثل بالغيث -أي المطر- صار استحضار نفع وأثر هذا العلم الهدى قريب. وهكذا كذلك كالمحسوس بماذا؟ بهذا المثل المضروب. وفيه كذلك إلحاق الأشياء بأشباهها ونظائرها، وأن الطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث. وقد استدل غير واحد من أهل العلم بالأمثال المضروبة على مشروعية القياس، وأن له أصل في الشريعة؛ لأن المقصود من ذلك إلحاق النظائر بأشباهها. فالطيب يلحق بالطيب، والخبيث يلحق بالخبيث، والنافع يلحق بالنافع، والضار يلحق بالضار. ومن كمل وصفه: يلحق بما كمل وصفه. ومن نقص وصفه: ألحق بما نقص وصفه. وانظر إلى هذا المثل: مثل النبي صلى الله عليه وسلم العلم والهدى بالغيث. كما أن الغيث فيه نفع، فالعلم والهدى فيه نفع. وكما أن الغيث يأتي من السماء، فالعلم والهدى يأتي كذلك من أين؟ من السماء وحي الله سبحانه وتعالى. وانظر إلى وجه الشبه والإلحاق في هذا المثل المضروب. وكما أن الهدى والعلم يطهر: فكما أن الغيث يطهر، فكذلك الهدى والعلم يطهر. قال الله عز وجل: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. كذلك العلم والهدى يطهر، يطهر القلوب من أدرانها، ويطهر الجوارح من آفاتها، ويقيم الناس على أكمل ما يحبوا أن يكونوا عليه. كما قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. فالتزكية والتطهير تكون بماذا؟ بالعلم والهدى. وهكذا كذلك، انظر إلى المثل المضروب في أحوال الناس مع هذا العلم الهدى، كأحوال أنواع الأرض مع هذا الماء. لو تأملت النوع الأول من الأرض التي أصابها الماء: طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. هذه الأرض الخصبة التي تستقبل الماء فتنتفع منه وتثمر العشب والخير الكثير -يعني من أشجار وثمار وغير ذلك-. وهكذا كذلك من كان طينته طيبة، فإذا جاءه العلم الهدى، فإنه لا يزداد بنزول هذا العلم الهدى إلا أمرا طيبا، فيأخذه ويثمر به. يأخذه في نفسه ويثمر به. فإذا مثل من أخذ بالعلم وعمل به: كمثل تلك الأرض الخصبة الطيبة التي تنتفع بذلكم الغيث والمطر. وهكذا كذلك من أخذ العلم واستفاد منه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «فذلك مثل من فقُه في دين الله، ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلم». فعلم أن كمال الانتفاع ليس بأخذ العلم فقط، ولكن بأخذ العلم والعمل به. ومن العمل بالعلم: ماذا؟ تعليمه الغير. من العمل بالعلم تعليمه الغير. فمن علم ولم يعلم: فهو ليس من الدرجة العليا الكاملة، بل عنده نقص. ومن علم ولم يعمل: كذلك. ومثله في الأنواع الأخرى التي ذكرت في هذا الحديث. وأما قول المؤلف رحمه الله: أن هذا في حق الفقهاء، وأن المحدثين الناقلين لم يرزقوا الفقه والفهم: هذا قد يصح في بعض من يحمل الحديث، لكن ليس كل من يحمل الحديث ليس عنده فقه لا. ولكن هذا نشأ عن معنى فاسد من شيء نزغ به الشيطان بين الفقهاء والمحدثين، حتى تحامل بعض الفقهاء على بعض المحدثين، وتحامل بعض المحدثين على بعض الفقهاء. فصار بعض المحدثين يقول: الفقهاء ليس عندهم علم الحديث، وهم يتكلمون بغير أدلة. وصار بعض الفقهاء يقول: المحدثون محدثون، ليس عندهم فقه، وهم يتكلمون بظاهرية، ليس عندهم فهم. يتكلمون بظاهرية، ليس عندهم فهم. وهذا ليس بصحيح، هذا التعميم في الحكم ليس بصحيح. فقد يوجد في هؤلاء من هو مقصر، وقد يوجد في هؤلاء من هو مقصر. والكمال أن يجمع الإنسان بين جمع الحديث وحفظه وكتابته، وبين التفقه فيه. وعلم الحديث في الحقيقة هو تركة النبي عليه الصلاة والسلام. فشرف أن يحصره الإنسان، ويكمل الشرف بأن يتفقه في هذا العلم الذي أحمله. قال: وفي ضرب المثل كذلك: «وكان منها أجاذب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا». الأجاذب: الأرض الصلبة التي لا تزرع، لكن إذا نزل فيها المطر تحفظ، تحفظ الماء، فيبقى الماء فيها، فترة من الزمن، يتأخر، يتأخر الماء فيها. فماذا يحصل في هذا النوع من الأرض؟ يشرب الناس وينتفعون، لكن هي في نفسها: هل تنتفع؟ الجواب: لا، ما تنتفع. وهكذا كذلك مثل الذي يحمل العلم ولا يعمل به. مثل الشمعة: يحرق نفسه ويضيء لغيره، يحرق نفسه ويضيء لغيره. غيره يستفيدون من الضوء والنور، لكنه هو ما يستفيد شيئا، يحرق نفسه. والمقصود التحذير من هذا النوع -يعني انتبه أن تكون ممن يحمل العلم ولا يعمل به-؛ فإن لذلك عواقب سيئة، عواقب سيئة. ثم ذكر القسم الثالث: «القيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ». والقيعان: هي الأراضي المنخفضة التي تكون غالبا من الرمل، لا يصلح تربتها لنبات، ولا تستطيع أن تمسك ماء. ينزل فيها الغيث فيذهب، ولا تستفيد منه شيئا. وهذا المثل مضروب لحال الكثير من الناس الذين يعرضون عن تعلم العلم وعن العمل به، فجمعوا بين سيئتين: السيئة الأولى: عدم الاعتناء بالعلم والهدى الذي أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام. والسيئة الثانية: الإعراض كذلك عن العمل بما قد بلغهم من بعض العلم. وفيه إشارة إلى أن من الناس من عنده جهل إعراض. فجهله بجهل الإعراض: لا يعذره من العقاب. بعض الناس يقول: أنا جاهل. يقول له: أنت جاهل؛ لأنك رضيت لنفسك بالجهل. فإذا رضيت لنفسك بالجهل: أنت تعاقب. بخلاف الجاهل الذي لم يبلغه العلم: هذا معذور. الجاهل الذي لم يبلغه العلم: معذور. رجل يعيش في بادية بعيدة، أو إنسان يعيش في أطراف الدنيا، ليس عنده أحد يعلمه، ولا بلغه شيء من العلم. فمثل هذا قد يعذر. لكن إنسان يعيش بين المسلمين، وكأنه خلق للأكل والشرب والشهوة، لم يخلق إلا لذلك. يسمع أن هناك قرآن، وأن هناك سنة، وأن هناك دين، لكنه يعرض، ما كأنه مخاطب بهذا، كأنه لطائف خاصة من الناس، وهو ليس منهم. هذا النوع من الناس يسمى جهله جهل إعراض. وصاحب جهل الإعراض يعاقب ويعذب على إعراضه: إعراض عن العلم، وإعراضه عن العمل بالعلم. والناس درجات في هذا النوع من الجهل. من الناس من جهله كثير، إعراضه -مثلا في الصلاة، في الصيام، في الزكاة، في العقيدة، في مسائل البيع والشراء، في مسائل التربية، تربية الأبناء، في مسائل كذلك القيام بحقوق الزوجات، وسائر الحقوق الأخرى-. ومن الناس من جهله في باب خاص. على قدر هذا الإعراض: يكون التعذيب، أو يكون كذلك الوعيد. وطبعا أهل المعاصي عند أهل السنة تحت المشيئة: إن شاء الله عذبهم، وإن شاء غفر لهم. ثم ذكر رحمه الله تعالى توضيحا لهذا الحديث، وهو ظاهر -إن شاء الله-. ثم انتقل إلى ذكر ثلاثة آثار. الأثر الأول: عن الحسن، وهو ابن أبي الحسن البصري رحمه الله تعالى، أحد إئمة التابعين، وأحد العلماء المعروفين. يقول رحمه الله: «لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم». يعني أن العلماء أخرجوا الناس من معاني الحيوانية إلى معاني الإنسانية. الإنسان إنسان بماذا؟ بالعلم والعمل الصالح. ما الفرق بين الإنسان والحيوان؟ إذا صار الإنسان يتبع مأكله ومشربه وشهوته: ما في فرق بينه وبين البهيمة. البهيمة تريد أكل، وتريد شرب، وتريد شهوة. فإذا صار الإنسان مثل البهيمة: لا فرق. لكن إذا صار الإنسان يأخذ العلم ويعمل بالعلم الذي يأخذ: هذا هو الإنسان الذي حق له أن يأخذ بمعنى الإنسان. ولهذا الكافر حياته حياة البهائم؛ الكافر لأنه معرض، أو فاقد للعلم، يعيش حياة البهائم قديما وحديثا. تجد الكفار ليس لهم هدف إلا الاستزادة من المآكل، والتفنن في المشارب، والتفنن كذلك في الملابس، وتتبع الشهوات بأنواعها. ما يعيشون إلا لذلك. وربما يكون هناك اتفاق بين المسلم والكافر في شيء، وهذا الاتفاق فيه افتراق في نفس الوقت. فالمؤمن يعلم أن الدنيا قصيرة، والكافر يعلم أن الدنيا قصيرة. فالمؤمن لعلمه أن الدنيا قصيرة: ماذا يفعل؟ يكثر من العمل الصالح ويحسن. والكافر بمفهومه الدنيا قصيرة: إذا ماذا يفعل؟ يكثر من التخبط في هذه الدنيا؛ لأنه يريد أن يخرج وقد أخذ من كل لذاتها وكل شهواتها. الاتفاق في شيء، لكن الافتراق في العمل. الافتراق في العمل: هذا عمله حسن بعلمه وعمله، وذاك عمله سيء بكذلك جهله وكفره. ولهذا شبههم الله عز وجل بالدواب في آيات كثيرة. قال: وقال معاذ بن جبر رضي الله عنه: «تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة إلى آخر كلامه». وهذه كلها من فضائل العلم -يعني من فضائل العلم- أنه يجلب الخشية، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وطلبه عبادة: أنت حين تحصل العلم، كل لحظة، وكل كذلك جهد، وكل مال تبدله في تحصيل العلم: أنت تتعبد لله عز وجل بذلك. يعني يكتب لك أجر عبادة. ولهذا ذكر العلماء: أن بدل الوقت في العلم أعظم من بدله في النافلة -نافلة الطاعات كالصلاة وغيرها- لماذا؟ لأن نفع العلم متعدي، ونفع العبادة خاص غير متعدي. نفع العبادة خاص غير متعدي، ونفع العلم متعدي. فطلب العلم عبادة، وهو أفضل من العبادات الأخرى العملية -لماذا؟- لأن نفع العلم متعدي. وهنا مسألة: هل معنى ذلك أن الإنسان يترك النوافل لأجل العلم؟ الجواب: لا؛ لأن العلم يطلب العمل. فمن العلم: أن حامله يحرص على نوافل الطاعات، يحرص على ما تيسر من قيام الليل. لكن إذا عارض أيهما؟ يقدم العلم. مثلا هناك مجلس علم تحضره، ويعارض هذا المجلس -مثلا السن الراتبة- صل السن الراتبة، أو تجلس مجلس العلم؟ الجواب: لا تجلس مجلس العلم وتؤجل السن الراتبة. صليها قضاء، تصليها قضاء؛ لأن العلم أحب عند الله سبحانه وتعالى من نوافل الطاعات. وهكذا كذلك ما تبذله من مال: هو عبادة، عبادة تتعبد بها لله عز وجل. وانظر على أجور كثيرة تنالها في بدلك للعلم. مثلا اشتريت كتابا تتعلم به العلم: هذا الكتاب كم فيه من معلومات؟ كم فيه من كلمات؟ كم فيه من حروف؟ كل حرف من هذا الكتاب: يكتب لك به أجر. ليس يكتب لك به أجر فقط عند القراءة فيه والتعلم فيه، بل حتى وهو في الرف. حتى والكتاب في الرف: يكتب لك به أجر؛ ما دمت احتسبت شراء هذا الكتاب لأجل العلم، وحفظه حفظه في نفسك، وفي ذريتك، لحياتك إلى أن تموت. هو في الرف وأنت نائم، وأنت ماشي، وأنت قاعد: يكتب لك به أجر؛ لأنك صادق أخذته، ليس رياء ولا سمعة، ولم تأخذه كذلك استكثارا وفخرا. إنما أخذته ماذا؟ أخذته لتتعلم به، ولتحفظ به العلم في نفسك، وفي أهلك، وفي كذلك حياتك كلها. فأنت بهذا الاحتساب: يكتب لك به أجر في كل لحظة، بعدد ما فيه من حروف وكلمات وجمل وأوراق وغير ذلك. وهكذا قال: «ومدارسته تسبيح». مدارسة العلم: أعظم من التسبيح. أنت إذا قلت: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله: هذا عبادة وذكر، يكتب لك فيها أجر. مدارسة العلم: بالقراءة، وبالحفظ، وبحضور دروس العلم، وبالكتابة، وبالسماع، وبكذلك الجواب والسؤال: كل ذلك مثل التسبيح، بل أكثر -أكثر- لماذا؟ لأن التسبيح: هو ذكر لله سبحانه وتعالى، والعلم: ذكر لله. بل العلم أعظم من التسبيح؛ لأن العلم نفعه متعدي، والتسبيح نفعه خاص غير متعدي. وهذه كلها ذكرها لأجل أن يبين مزايا وخصائص وفضائل للعلم. يقول: «والبحث عنه جهاد». البحث عنه جهاد: أنت إذا خرجت تريد الجهاد في سبيل الله -لماذا الجهاد في سبيل الله؟ لأجل ماذا؟ ما هو الجهاد في سبيل الله؟ الذي يكون لأجل أن تكون كلمة الله هي ماذا؟ هي العليا. فكذلك طلبك للعلم: تكون به كلمة الله هي العليا. طلبك للعلم: تكون به كلمة الله هي العليا. ولهذا صار طلب العلم من الجهاد في سبيل الله. ومعنى ذلك مأخوذ من قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. فسمى تعلم القرآن، وتعليمه، ومجادلة الكافرين به: جهادا. سماه ربنا جل وعلا جهادا. ولهذا أفتى غير واحد من المحققين من أهل العلم: أن طالب العلم يجوز أن يعطى من الزكاة، كما يعطى المجاهد في سبيل الله. ولو كان طالب العلم غنيا: إذا كان هذا المال يعينه على التقوى في طلب العلم -مثلا طالب العلم ليس بفقير ولا مسكين، الحمد لله عنده- لكن رأى بعض أهل الخير أن هذا الطالب إذا أعطي مالا يستعين به في طلب العلم: بشراء مكتبة، أو كذلك بأشبيه أخرى تعينه على الاستزادة في طلب العلم: يبرز ويكون أكثر كذلك نفعا للناس. هل يجوز أن يعطى من الزكاة؟ قال العلماء: يجوز أن يعطى من الزكاة؛ يجوز أن يعطى من الزكاة؛ لأنه من المجاهدين في سبيل الله. وهذه فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وفتوى جماعة من أهل العلم. ومنهم شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. فإذا كان محتاجا: فمن باب أولى أنه يعطى لهذين الوجهين. فهو جهاد، والبحث عنه جهاد. قال: «وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة». يعني تعليم العلم لمن لا يعلم العلم: صدقة. أنت تحب الصدقة، تريد أن تتصدق بمال: هذا أمر طيب، حث الله عز وجل عليه. تريد أن تتصدق بأنواع من الصدقات الكثيرة: اعلم أن تعليم العلم من أعظم الصدقات، أحسن من الصدقة بالمال؛ لأن به حفظ الدين. لأن به حفظ الدين. وأي شيء أحب إليك أن تحفظ له دين أهلك وذريتك وأبنائك؟ أحسن ما تتصدق به عليهم: ماذا؟ ليس الثياب الجميلة التي تفرح بها إذا رأيتها على أبنائك. وليس الطعام الطيب الذي تفرح به إذا فرح أبناؤك بأكله. ولا البيت الجميل. ولا السيارة الفاخرة التي تفرح بفرحهم بسكناهم فيها، وركوبهم فيها. ولكن أعظم ما ينبغي أن تحبه لهم: العلم؛ لأن العلم سبب لخيريتهم في الدنيا وفي الآخرة. وهكذا قال: «وبذله لأهله قربة». بذله لأهله قربة: يعني إعطاءه لمن يستحقه: قربة إلى الله سبحانه وتعالى. رأيت رجلا لا يحسن الصلاة: تعلمه الصلاة. هذه من أعظم القرب عند الله سبحانه وتعالى -لماذا؟- لأنها إقامة للدين، وإكمال للنقص، وتزديد للخلل. ولهذا بذله لأهله قربة. وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا المعنى بأحاديث عامة وخاصة كثيرة. ومن ذلك: النصيحة لكل مسلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم، وغير ذلك. قال: «وهو الأنيس في الوحدة والصاحب في الخلوة». إذا كنت وحدك: فخير من يآنسك العلم. إذا كنت مع العلم: تجد للعلم حلاوة أعظم من حلاوة سائر ما في الدنيا من لذات وشهوات. مثلا كنت وحدك، فقرأت القرآن. في قراءتك للقرآن في وحدتك: تجد لذلك أنيس أعظم من أي أنيس آنسك. إذا كنت إنسان كنت في مكان وحدك، وجاء إنسان يكلمك: أنت تستأنس به -معنى تستأنس- يعني تذهب عنك الوحشة. انظر الأنس بهذا الإنسان الذي تتكلم معه. والأنس بالعلم الذي تتذاكر فيه -سواء حفظ تراجعه، أو كتاب تقرأه، أو شريط تسمعه، أو غير ذلك من مذاكرة العلم-. والصاحب في الخلوة كذلك: أحسن صاحب لا يؤذيك، ولا يجرحك، ولا يعتدي إليك، ولا يفتش ويتدخل في أمورك الخاصة. بل صاحب وفي. العلم صاحب وفي. لا تجد منه أي أذية -لا صغيرة ولا كبيرة- ولكن تجد منه ماذا؟ كل خير. تجد منه كل خير. ثم ذكر أثر كعب رحمه الله. وهذا من الأخبار الإسرائيلية. وكعب الأحبار: كعب. وكعب الأحبار مشهور بكثرة رواية الأخبار الإسرائيلية؛ فقد كان من أهل الكتاب ثم أسلم رحمه الله تعالى. والأخبار الإسرائيلية: لا نصدقها ولا نكذبها؛ كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه تفاصيل -أي يعني تحته مسائل- نكتفي بهذا التنبيه: أن الأخبار الإسرائيلية لا نصدقها ولا نكذبها. هذا إذا لم تأت في كتاب الله، ولا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. لا نصدقها ولا نكذبها؛ لأننا لا ندري ربما تكون صحيحة، وربما تكون غير صحيحة. ولأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا كذلك. لكن هل نبتدئ التحديث بها؟ الصحيح: لا. ففي الكتاب والسنة: غنية عن هذه الأخبار. في الكتاب والسنة: غنية عن هذه الأخبار الإسرائيلية. وهذا الأثر: معناه -أي هذا الخبر الإسرائيلي عن موسى- أن الله قال له: «تعلم يا موسى الخير وعلمه الناس؛ فإني منور لمعلم الخير ومتعلمه قبورهم حتى لا يستوحشوا بمكانهم». يعني أن من فضائل العلم والتعليم: أن الله يجعل لهؤلاء النور في قبورهم، فلا يجدون الوحشة. وهذا بالجملة معنى صحيح؛ لأن العلم من العمل الصالح، والعمل الصالح: سبب لحصول النور لصاحبه. كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾. لكن كما قلنا: الأخبار الإسرائيلية الأولى الإعراض عنها طيب. نكتفي بهذا. جزاكم الله خيرا، بارك الله فيكم.