الدرس في كتاب الصوم وأسراره ومهماته وما يتعلق به 3، الدرس الثالث:من(أما صوم الدهر:ففي أفراد مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه ... فكان يكثر الفطر حتى يقدر على التلاوة وكل إنسان أعلم بحاله وما يصلحه). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
صيام الدهر يعني الصيام المستمر دون انقطاع، وقد وردت أحاديث نبوية تنهى عنه وتعتبره غير مشروع. يرى بعض العلماء أنه محرم أو مكروه لما فيه من ضرر ومخالفة للسنة.
ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز صيام الدهر لما فيه من ضرر وتضييع للحقوق، بينما رأى بعضهم كراهته إذا لم يكن فيه ضرر. استدلوا بأحاديث نبوية تنهى عن صيام الدهر.
أجاب العلماء عن صيام الدهر بثلاثة أجوبة: ضعف أسانيد الروايات، وتأويل ما صح منها، وإمكانية عدم بلوغ النهي للصحابة والتابعين أو اجتهادهم وخطأهم.
لا يدخل صيام الأيام المستثناة في صيام الدهر، والأفضل هو موافقة سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام. نكتفي بهذا القدر من الشرح حول هذا الموضوع.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ أحمد بن عبد الرحمن المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر منهاج القاصدين»: قال: «فأما صوم الدهر»، قال: فأما صوم الدهر، ففي أفراد مسلم -يعني ممن فرد به مسلم- من حديث أبي قتادة رضي الله عنه: أن عمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كيف بمن يصوم الدهر كله؟ فقال: «لا صام ولا أفطر»، أو «لم يصم ولم يفطر». قال: وهذا محمول على من سرد الصوم في الأيام المنهي عن صيامها، فأما إذا أفطر يومي العيدين وأيام التشريق، فلا بأس بذلك. وهذا أحد الأقوال في المسألة، وسيأتي -إن شاء الله- تنبيه عليها. قال: وقد روي عن شام بن عروة رحمه الله: أن أباه كان يسرد الصوم، وكانت عائشة رضي الله عنها تسرد. وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: سرد أبو طلحة الصوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين عاما. قال: واعلم أن من رزق فطنة -علم المقصود بالصوم- فحمل نفسه قدر ما لا يعجزه عما هو أفضل منه، فقد كان ابن مسعود قليل الصوم، وكان يقول: إذا صمت ضعفت عن الصلاة، وأنا أختار الصلاة على الصوم. وكان بعضهم إذا صام ضعف عن قراءة القرآن، فكان يكثر الفطرة حتى يقدر على التلاوة. وكل إنسان أعلم بحاله وما يصلحه. أورد رحمه الله تعالى هذه الخاتمة لهذا الفصل فيما يتعلق بالصيام المستحب، وجعله في صيام الدهر. فقال: «فأما صوم الدهر»، ومعنى صوم الدهر: أن يسرد الصيام ولا يفطر أبدا، يستمر بالصيام، سواء بنية الصيام حتى الوفاة، أو بمتابعة الصيام لسنة أو سنتين أو أكثر؛ لأن أقل الدهر سنة. أقل الدهر سنة، فمن نوى صيام أقل من سنة، ليس -عند أهل العلم- يسمى صيام الدهر، وإنما صيام الدهر من نوى سرد الصيام وعدم الإفطار، ولو لسنة. وهذه المسألة وردت فيها أدلة، كما أشار، وسيأتي -إن شاء الله- في النهي عنها. ومع ذلك اختلف أهل العلم في حكمها، فذهب بعض أهل العلم إلى حرمة صيام الدهر؛ لما ورد من الأدلة من النهي عن ذلك، وهي كثيرة؛ منها حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين، ونحوه في قصة أبي الدرداء، وهكذا في حديث أبي قتادة الذي أذكره المؤلف رحمه الله. ففي بعض ألفاظ حديث عبد الله بن عمر، وهو لفظ البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «لا صام من صام الدهر»، «لا صام من صام الدهر». فقولهم -قول أهل العلم بالتحريم- أخذ من مثل هذا الحديث. قالوا: لا يدعو النبي عليه الصلاة والسلام إلا على محرم؛ لأن هذا دعاء. «لا صام من صام الدهر»، دعاء، معناه: لا يوفق الله من يصوم -يصوم صوم الدهر-. وقال بعده: «صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله». فحتى عليه الصلاة والسلام على صيام ثلاثة أيام. وفي بعض الروايات: استمر مع عبد الله بن عمر وهو يقول: يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك، حتى قال له: «صم يوما وافطر يوما؛ فإنه كان صيام نبي الله داود، وكان أعبد الناس». قال: يا رسول الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «لا أفضل من ذلك». وهذا صريح في النهي عن صيام الدهر. وهكذا في حديث أبي قتادة، هذا الذي ذكره في قصة عمر، قال: كيف بمن يصوم الدهر كله؟ سأل النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا صام ولا أفطر»، أو «لم يصم ولم يفطر». أما لم يفطر، فظاهر؛ لأنه استمر في الصيام. وأما لم يصم، قال العلماء: لأنه لا أجر له؛ هذا الذي يصوم الدهر محروم الأجر. لماذا؟ لأنه فعل منهي عنه. وبهذا استدل من أهل العلم من أنه لا يجوز صيام الدهر؛ ما دام أن الإنسان سيتعب، ولا يكتب له أجر، فما الفائدة من هذا التعب؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» -يعني عمله مردود-. وهذا الحديث يؤيده: «لا صام ولا أفطر»، أو «لم يصم ولم يفطر» -يعني من صام الدهر-. وذهب بعض أهل العلم إلى أن صيام الدهر مكروه، ويجوز عند الحاجة. وأخذوا بالأحاديث المروية في ذلك أنها محمولة على قضايا أعيان، علم النبي عليه الصلاة والسلام من أصحابها أنهم يتضررون. ولهذا بوب الإمام النووي رحمه الله في جمعه لصحيح مسلم، قال: «باب من صام الدهر بغير ضرر»، «باب من صام الدهر لغير ضرر». وهذا يدل أنه رحمه الله كان يرى مشروعية صيام الدهر إذا لم يكن فيه ضرر. فإذا كان فيه ضرر -كحديث عبد الله بن عمر؛ لأن عبد الله بن عمر بن العاص جاء، فشكى عمر بن العاص إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه حلف على نفسه يصوم الدهر، ويقوم الليل، لا يفطر ولا ينام، فزوجه أبوه، وجاء بعد فترة من الزمن إلى زوجة ابنه، فسألها: كيف حال الولد؟ قالت: ما قربني -من يوم تزوج- ما قرب زوجته. هذا فيه ضر-. فعلى هذا حمل من حمل بالكراهة، ومثله قصة الدرداء، وحديث أبي قتادة. وهذا محتمل، لولا أن بعض الأحاديث -كما ترون- كحديث أبي قتادة عام، ليس فيه قضية عين، حتى يقال: إنه فيما إذا كان هناك ضرر. ففي حديث أبيه -كما ترون- «لا صام ولا أفطر»، وقال: «ولم يصم ولم يفطر»، ولم يقيد. ويقول: إلا إذا لم يكن هناك ضرر، وعدم البيان وقت الحاجة ممتنع؛ فدل ذلك أن النهي على عمومه. والأصل في النهي ماذا؟ للتحريم، إلا أن يصرفه صارف، ولا يوجد صارف يصرف هذه الأحاديث التي ورد فيها النهي من التحريم إلى الكراهة. وهذا هو الصحيح. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه كذلك يكره صيام الدهر، ليس فقط إذا كان فيه ضرر، قالوا: ولكن إذا كان فيه تفريط في واجب آخر؛ فالتفريط الواجب إثم، والإضرار بالنفس مباح -يعني إذا الإنسان رضي لنفسه بالإضرار فلا بأس-. وهذا غير صحيح كذلك. واستأنسوا ببعض الآثار المروية عن بعض الصحابة، كهذه الآثار التي ذكرتها هنا، ونحو ما روي عن ابن عمر، وابن الزبير، وجماعة من الصحابة. والصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم، ودلت عليه الأدلة: النهي عن صيام الدهر، وأنه لا يجوز صيام الدهر. ويتأكد هذا النهي إذا كان هناك ضرر، أو تضييع للحقوق. ولم ينه عن صيام الدهر إلا وهو في الغالب -ولا يكاد يخطئ- يكون فيه سبب للإضرار بالنفس، أو بالغير، وفيه سبب للتضييع حقوق أخرى. فمن حكمة الله: أن جعل على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام النهي عن صيام الدهر. وهذا هو الصحيح. وأفضل الصيام هو صيام نبي الله داود، كما جاء صريحا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه. بل نص بعض أهل العلم: أنه لو نذر صيام الدهر، فلا يوفي بالنذر. سواء إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل نذر أن يصوم الليل، وأن يصوم النهار، ويقوم الليل -أي كله-، فأفتى رحمه الله بأنه لا يجب الوفاء بهذا النذر؛ لأنه خلاف السنة؛ لأنه خلاف السنة. ونحوه فتوى جاءت للجنة الدائمة، وأفتوا بنحوه -فتوى شيخ الإسلام-، ونقلوا فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب. فإن قال قائل: إذا كان هكذا، فلماذا ورد عن بعض الصحابة والسلف من التابعين ولئمة صيام الدهر؟ كما روي عن ابن الزبير، وعن عبد الله بن عمر، وعن أبي طلحة، وعن جماعة من الصحابة، وهكذا من التابعين: الأسود بن يزيد النخعي، وجماعة من التابعين، وأتباع التابعين ولئمة؟ أجاب العلماء عن ذلك بثلاثة أجوبة. الجواب الأول: أن الكثير من هذا لم يروى بأسانيد صحيحة، أكثره يروى بغير أسانيد، فيكون مما فيه بعض المبالغات. ثم ما صح منه، ليس فيه صيام الدهر، وإنما فيه سرد الصيام في أيام معدودات. وهذا الصحيح: أنه لا يدخل في النهي. ولكنه كذلك يكره سرد الصيام. مثلا: روي عن ابن الزبير أنه سرد صيام خمسة عشر يوما. فيقال: لو كان يصوم خمسة عشر يوما، لا يفطر إلا في المغرب مثلا، فهذا يحمل على أنه أراد أن يعوض أيام غفل فيها، وأراد أن يقضي شيء مستحب. ويجوز قضاء المستحب. قضاء المستحب يجوز. لو أن إنسانا مثلا متعود على صيام الاثنين والخميس، فعرض له مرض أو غيره -أو ليس مرض-، المرض يكتب له فيه الأجر. قل: عرض له مثلا شيء يشغله، فكره أن تفوته الأشهر التي فاتته، ولم يصمها، إلا ويقضي عدد أيام ما فاته من الصيام. فإن سأل مثل هذا السائل: هل يقال له: لا يجوز؟ يقال له: يجوز. فصام مثلا ثمانية أيام متتابعة، أو ستة عشر يوما متتابعا، محافظة منه على شهرين ماضيين لم يصم فيهم الاثنين والخميس. هل يجوز له أن يصم ستة عشر يوما متتابعا؟ الجواب: يجوز. وليس هذا من صيام الدهر، وإنما المقصود من صيام الدهر سرد الصيام بغير فطر. وهذا لم يسرد سردا، لم يفطر فيه. وهنا يأتي التنبيه على مسألة، بها يتبين وجه آخر يرد فيه هذا الاستدلال. رواية عن عبد الله بن الزبير: أنه كان يسرد صيام خمسة عشر يوما، أو سرد صيام خمسة عشر يوما، لم يفطر فيها أبدا -يعني بعد خمسة عشر يوم شرب وأكل-. وهذا الفعل لو صح، هل هو يوافق السنة؟ الجواب: يخالف السنة. فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل، فواصل بعض أصحابه. وكان قد نهاهم عن الوصال، فلما واصلوا، واصل بهم، حتى كاد أن يتم بهم الشهر -يعني كالمنك لهم-، فقالوا: يا رسول الله، ولكنك تواصل؟ لما علموا أنه كره وشدد عليهم، قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل، قال: «إني لست كهيئتكم، إني أبات أطعم وأسقى». جاء في حديث أبي هريرة، ومعناه في حديث أنس. ثم قال في بعض الروايات: قال: «من شاء منكم أن يواصل، فليواصل إلى السحر». قال العلماء: في هذا دليل على جواز مواصلة الصائم الصيام على ما فوق المغرب إلى وقت السحور -يعني لا يجوز صيام يومين متتابعين، لابد في وقت السحور يفطر ويتسحر ليصوم اليوم الذي بعده يجب-. ومع ذلك، فهذه المواصلة هل هي مستحبة؟ قال العلماء: هي مكروهة. بل المستحب هو تعجيل الفطر؛ لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من الأمر بتعجيل الفطر. فهنا يأتي الجواب على ما روي عن عبد الله بن الزبير لو صح، فيقال: إذن عبد الله بن الزبير إما أنه لم يبلغه هذا الحديث، فهو معذور، وغيره غير معذور. ومثله يقال فيما روي. وهذا الجواب الثاني فيما روي عن بعض الصحابة والتابعين فيما يتعلق بصيام الدهر: إما أنه لم يبلغهم، فهم معذورون، ومن بلغه العلم فهو ليس بمعذور. وإما -وهذا الوجه الثاني- يكون بلغه، ولكن ظن أنه ليس على وجه العزم، فاجتهد وأخطأ في اجتهاده. ومن اجتهد -ومن اجتهد وهو أهل للاجتهاد فأخطأ- فهو معذور، وغيره غير معذور. والجواب الثالث: أن بعض أهل العلم حمل هذا المروي عن بعض الصحابة والتابعين: أنه ليس في صيام الدهر على الوجه المنهي عنه، وإنما في سرد أيام لا تصل إلى صيام الدهر -في سرد أيام لا تصل إلى صيام الدهر-، كان يصوم خمسة عشر يوما، أو يصوم شهرا ثم يفطر بعد ذلك. فما كان كذلك فهذا لا يدخل -والله أعلم- في صيام الدهر. وعلى كل الأحوال، لا شك أن موافقة سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو الأفضل والأكمل. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.