الدرس في كتاب آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق 4، الدرس الرابع (فصل في بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته ... واحذر كثرة المزاح فإن اللبيب يحقد عليك في المزاح والسفية يجترئ عليك). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الحديث بأهمية اختيار الصاحب الصالح وذكر صفاته وفقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم. يُعدّد خمس خصال مهمة لاختيار الصاحب.
يتناول حقوق الأخوة في الإسلام، ويذكر سبعة حقوق مهمة للإنسان تجاه أخيه، مثل قضاء الحاجات ونصرة الأخ في غيبته.
يُركّز على بعض الخصال والآداب الإسلامية المتعلقة بالأخوة والمعاشرة، مثل العفو والدعاء والوفاء، ويشدد على أهمية التمسك بالدين.
يشير إلى نهاية النص ويتضمن صلاة الله وسلامه على النبي محمد، مؤكداً على ما سبق من توجيهات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فمواصلة في المباحث التي ذكرها الإمام المقدسي رحمه الله في "آداب الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق"، قال رحمه الله تعالى: "فصل في بيان الصفات المشروطة في من تختار صحبته". قال: "روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»". قال: "واعلم أنه لا يصلح للصحبة كل أحد، ولا بد أن يتميز المصحوب بصفات وخصال يرغب بسببها في صحبته". وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة، وهي إما دنيوية كالانتفاع بالمال والجاه، أو بمجرد الاستئناس بالمشاهدة والمحاورة، وليس ذلك غرضنا. وإما دينية، وتجتمع فيها أغراض مختلفة، منها الاستفادة بالعلم والعمل، ومنها الاستفادة من الجاه تحصينا عن إيذاء من يكدر القلب ويصد عن العبادة، ومنها الاستفادة من المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات في طلب القوت، ومنها الاستعانة بالمهمات، وتكون عدة في المصائب وقوة في الأحوال، ومنها انتظار الشفاعة في الآخرة. كما قال بعض السلف: "استكثروا من الإخوان فإن لكل مؤمن شفاعة". فهي فوائد تستدعي كل فائدة شروطًا لا تحصل إلا بها. وفي الجملة، فينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: طيب، ابتدأ المؤلف رحمه الله هذا الفصل في الكلام على دليل هذا الفصل، والدليل كثيرة، لكن المقام مقام اختصار، فذكر هذا الدليل. وهو حديث أبي هريرة عند أبي داود والترمذي وغيرهما بإسناد حسن، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، أي من يصاحب. ومعنى أن الإنسان يتأثر بصاحبه الذي يخالطه ويصاحبه، وهذا دليل واضح في الدلالة على المقصود من هذا الفصل، وهو يشير بهذا الدليل إلى أهمية اختيار الصاحب، فهو يؤثر عليك ويؤثر كذلك إن كان لغيرك على من يصاحبه. ثم ذكر رحمه الله معنى هذا الحديث بالإجمال، فإنه يفيد أنه لا يصلح للصحبة كل أحد، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام باختيار الصاحب، «فلينظر أحدكم من يخالل». وأشار أنه لا بد أن يتميز المصحوب بصفات وخصال تكون سببًا لانتقائه. ولا شك أن المقصود من هذه الصفات والخصال هي الصفات والخصال التي أمر بها الشرع، وسيأتي التنبيه على بعضها. ثم بيّن رحمه الله أن الناس عمومًا، يعني المسلم والكافر والبر والفاجر، لهم أغراض في مصاحباتهم ومخالطاتهم بعضهم مع بعض. فمنها دنيوية، ومثل ببعض الأمثلة للدنيوية كالانتفاع بالمال، يعني إما بمقابل كالبيع والشراء والتجارة والإجارة، أو بغير مقابل كالصدقة أو الهدية أو نحو ذلك. وإما لجاه، يعني عنده منصب أو شيء يريد أن توصل به إلى دراسة أو وظيفة أو نحو ذلك. أو استئناس بمشاهدة ومحاورة، بعض الناس يستأنسون برؤية بعضهم أو بحسن كلامهم. وهذا من أغراض الناس عمومًا، ويدخل فيهم كما تقدم المؤمن والكافر والبر والفاجر. ومنها أشياء دينية، ثم مثل من الدينية الاستفادة من العلم والعمل، تخالط العلماء والصالحين لتستفيد من علمهم وصلاحهم فيكون سببًا في صلاحك. وهكذا تخالط أحيانًا من الأغراض الدينية تخالط، يعني ولو لفترة محدودة، من عنده جاه لتستفيد من ذلك دفع الأذية عن نفسك لتحمي دينك. ومثل هذا النوع لا يكثر صاحب الدين من مخالطته، إنما يخالطه بحسب حاجته. قال: "وفي الجملة، فينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلًا، حسن الخلق، غير فاسق، ولا مبتدع، ولا حريص على الدنيا". هذه الخصال الخمس: العقل، وحسن الخلق، وعدم الفسوق، وعدم البدعة، وعدم الحرص على الدنيا. أما العقل، فهو رأس المال، ولا خير في صحبة الأحمق؛ لأنه يريد أن ينفعك فيضرك. ونعني بالعاقل الذي يفهم الأمور على ما هي عليه، إما بنفسه، وإما أن يكون بحيث إذا أفهم فهم. وأما حسن الخلق، فلابد منه؛ إذ رب عاقل يغلبه غضب أو شهوة فيطيع هواه، فلا خير في صحبته. وأما الفاسق، فإنه لا يخاف الله، ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته، ولا يوثق به. وأما المبتدع، فيخاف من صحبته بسراية بدعته. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "عليك بإخوان الصدق، تعيش في أكنافهم؛ فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء". ثم ذكر أثر يحيى بن معاذ، وفيه: "بئس الصديق تحتاج أن تقول له: اذكرني في دعائك، وأن تعيش معه بالمدارة". وذكر أثر الحسن البصري، وفيه: "دخل جماعة على الحسن وهو نائم، فجعل بعضهم يأكل من فاكهة في البيت، فقال: رحمك الله، هذا والله فعل الإخوان". قال رحمه الله تعالى: "فصل في بيان ما على الإنسان لأخيه من الحقوق". هذا الفصل كما سيمر معنا إن شاء الله هو عبارة عن تفصيل لما سبق ذكره في الفصل الذي قبله. وذكر رحمه الله تعالى من هذه الحقوق سبعة حقوق. الحق الأول: قضاء الحاجات والقيام بها، وذلك درجات. أدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة، مع البشاشة والاستبشار. وأوسطها القيام بالحوائج من غير سؤال. وأعلاها تقديم حوائجه على حوائج النفس. قال: "والحق الثاني على اللسان، بالسكوت تارة، وبالنطق أخرى". أما السكوت، فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في حضوره وغيبته، وعن الرد عليه ومماراته ومناقشته، وعن السؤال عما يكره ظهوره من أحواله. ولا يسأله إذا لقيه إلى أين؟ فربما لا يريد إعلامه بذلك. وأن يكتم سره ولو بعد القطيعة، ولا يقدح في أحبابه وأهله، ولا يبلغه قدح، ولا يبلغه قدح غيره فيه. الحق الثالث: أن يسكت عن كل ما يكرهه، إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف أو نهي عن منكر، ولم يجد رخصة في السكوت. فإن مواجهته بذلك إحسان إليه. قال: "واعلم أنك إن طلبت منزها عن كل عيب لم تجد، ومن غلبت محاسنه على مساويه فهو الغاية". ومعنى أن الإنسان مهما كمل فهو عنده نقص. قال: "وينبغي أن تترك إساءة الظن بأخيك، وأن تحمل فعله على الحسن ما أمكن". وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث». والحديث في الصحيح من حديث أبي هريرة. قال: "واعلم أن سؤال الظن يدعو إلى التجسس المنهي عنه، وأن ستر العيوب والتغافل عنها شيمة أهل الدين". وهذا تأكيد لما تقدم من حسن الظن، وأن تغافلك عن العيوب هذا من حسن خلقك. قال: "واعلم أنه لا يكون إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". يعني كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به". ثم ذكر الحق الرابع، قال: "على اللسان بالنطق". فإن الأخوة كما تقتضي السكوت عن المكروه، تقتضي النطق بالمحبوب. بل هو أخص بالأخوة؛ لأن من قنع بالسكوت، صاحب أهل القبور. قال: "ومن ذلك أن يدعوه بأحب أسمائه إليه". قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ثلاث يصفين لك ود أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليك". وهذه الخصال الثلاث جاءت بها السنة. قال: "ومن ذلك كنيته إن كان يحبها". قال: "ومن ذلك أن يثني عليه بما يعرفه من محاسن أحواله عند من يؤثر الثناء عنده". وكذلك الثناء على أولاده وأهله وأفعاله. قال: "وكذلك ينبغي أن يبلغه ثناء من أثنى عليه مع إظهار الفرح به؛ فإن إخفاء ذلك محض الحسد". قال: "ومن ذلك أن يشكره على صنيعه في حقك، وأن يذب عنه في غيبته إذا قصد بسوء". فحق خوة التشمير في الحماية والنصرة. قال: "ومتى أهمل الذب عن عرضه، كان قد أسلمه". قال: "ولك في ذلك معياران: أحدهما أن تقدر أن الذي قيل فيه قد قيل فيك، وهو حاضر، فتقول ما تحب أن يقوله". والثاني: أن تقدر أنه حاضر وراء جدار يتسمع عليك، فما تحرك في قلبك من نصرته في حضوره، ينبغي أن يتحرك في غيبته. قال: "وما لم يكن مخلصًا في إخائه، فهو منافق". قال: "وينبغي أن يكون نصحك إياه سرًا". والفرق بين التوبيخ والنصيحة: الإعلان والإصرار. كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة: بالغرض الباعث عن الإغضاء. فإن أغضيت لسلامة دينك، ولما ترى فيه إصلاح أخيك بالإغضاء، فأنت مدار. وإن أغضيت لحظ نفسك، واجتلاب شهواتك، وسلامة جاهك، فأنت مداه. قال: "ومن ذلك العفو عن الزلات". فإن كانت زلته في دينه، فتلطف في نصحه ما أمكن، لا تترك زجره ووعظه. فإن أبى، فالمصارمة، خصوصًا إذا تبين أنه نادم على تلك الزلة. الحق الخامس: الدعاء للأخ في حياته وبعد موته بكل ما تدعو به لنفسك. وفي أفراد مسلم من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل ذلك». قال: "وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يدعو لخلق كثير من إخوانه، يسميهم بأسمائهم". وهذا من العمل بالعلم. قال: "وكذلك ينبغي نحن ألا نبخل بالدعاء لإخواننا". الحق السادس: الوفاء والإخلاص. ومعنى الوفاء: التبات على الحب إلى الموت، وبعد موت الأخ مع أولاده وأصدقائه. وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم عجوزًا، وقال: «إنها كانت تغشانا في أيام خديجة، إن حسن العهد من الإيمان». وهذا الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يغني عنه ما جاء في الصحيح من حديث عائشة. قال: "ومن الوفاء ألا يتغير عن أخيه بالتواضع، وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه". وأعظم من هذا أن الوفاء والإخلاص يبقى ويثبت، حتى ولو أراد أناس أن يغيروه. قال: "واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الدين". ثم ذكر قصة الإمام الشافعي رحمه الله، وهي قصة لم تصح. قال: "فقد كان الشافعي رحمه الله آخذًا عن محمد بن الحكم". قال: "الحق السابع: التخفيف وترك التكلف والتكليف". وذلك أن لا يكلف أخاه ما يشق عليه، بل يروح سره عن مهماته وحاجاته. ومعنى أنه من خصال الأخوة أن يكون خفيفا على أخيه. قال: "ولا يستمد من جاهه ولا ماله، ولا يكلفه التفقد لأحواله والقيام بحقوقه والتواضع له". ومعنى كما تقدم: كأنه لم يدخل عليه، لا يكلف عليه. قال: "بل يكون قصده بمحبته الله وحده، والتبرك بدعائه، والاستئناس بلقائه، والاستعانة على دينه". قال: "وتمام التخفيف: طي بصاط الاحتشام، حتى لا يستحي منه فيما لا يستحي فيه من نفسه". قال جعفر بن محمد: "أذقى الإخوان علي من يتكلف لي، وأتحفظ منه". وقال بعض الحكماء: "من سقطت كلفته، دامت ألفته". قال: "فصل جملة من آداب المعاشرة للخلق". وكما سيمر معنا، هو يذكر بعض الأشياء تنبيها على غيرها. فمن حسن المعاشرة أن تتوقر من غير كبر، وتتواضع بغير ذلة. قال: "وأن تلقى الصديق والعدو بوجه الرضا، من غير دل لهم ولا خوف منهم". قال: "وتتحفظ في مجالسك من تشبيك أصابعك، وإدخال أصابعك في أنفك، وكثرة بصاقك، والتثاؤب". وهذه بعضها متفق عليه أنه مذموم، وبعضها بحسب عرف الناس. قال: "وأصغي إلى محدثك، ولا تسأله الإعادة، ولا تحدث بإعجابك بولدك". قال: "ولا تتصنع تصنع المرأة في التزيين، ولا تتبدل تبدل العبد". قال: "وخوف أهلك في غير عنف، ولن لهم من غير ضعف". قال: "ولا تهازل أمتك؛ فيسقط وقارك". قال: "ولا تكثر الالتفات لورائك". قال: "ولا تجالس السلطان؛ لما في المجالسة من فتن كثيرة". فإن فعلت، فاحذر الذنوب والغيبة؛ لأن تلك المجالس لا تسلم من هذا. قال: "وصن سره؛ لأن هذا يضر بدينك وبدنياك". قال: "واحذر المداعبة عنده". قال: "وإن قربك، فكن منه على حذر". قال: "وإن استرسل إليك، فلا تأمن انقلابه عليك". قال: "وإياك وصديق العافية". قال: "ولا تجعل مالك أكرم من عرضك". قال: "وإذا دخلت مجلسًا، فاجلس فيما هو أقرب للتواضع". قال: "ولا تجلس على الطريق، فإذا جلست فغض البصر، وانصر المظلوم، وارشد الظالم". قال: "ولا تبصق في جهة القبلة، ولا عن يمينك، ولكن عن يسارك تحت قدمك اليسرى". قال: "واحذر مجالسة العوام؛ فإن فعلت، فعليك بالتغافل عما يجري من سوء أخلاقهم، وترك الخوض بحديثهم". قال: "واحذر كثرة المزاح؛ فإن اللبيب يحقد عليك، والسفيه يجتر عليك". وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل وهذا الكتاب، ونسأل الله عز وجل أن ينفعنا به. فما كان من صواب، فمن الله، وما كان من خطأ، فمني ومن الشيطان. واستغفروا الله العظيم، وسامحونا على الإطالة، فأردنا إتمام هذا الخير. وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.