شرح الفرائد البهية  13

شرح الفرائد البهية 13

الدرس في شرح الفرائد البهية 13، تابع : القاعدة الثانية:اليقين لا يزول بالشك . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك وتطبيقاتها

شرح القاعدة الثانية من القواعد الفقهية الشافعية 'اليقين لا يزول بالشك' وتوضيح كيفية التعامل مع التعارض بين الأصول والظواهر في المسائل الفقهية المختلفة.

استثناءات قاعدة اليقين ومسائل الشك

ذكر استثناءات قاعدة اليقين لا يزول بالشك مثل الشك في انقضاء مدة المسح على الخف، ومسائل أخرى تحتاج لتفصيل آراء العلماء فيها.

أحكام الشك والاستصحاب في الفقه

يتناول أحكام الشك في أصل الشيء أو حكمه، وكيفية التعامل مع الشكوك وتقدير الترجيحات، ومفهوم الاستصحاب ومدى جوازه.

اللجوء إلى المحاكم الشرعية في قضايا النكاح والطلاق

ينبغي اللجوء إلى المحاكم الشرعية أو المراكز الإسلامية في قضايا النكاح والطلاق، ودور الدعاة وأئمة المساجد في التوسط بين الناس والعلماء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وقوة الأصل بعاضد حصل من ظاهر أو غيره كما وصل، وجزموا بأحد الأصلين في حين ويجري الخلف حينًا فاعرفي، وتمتة والظاهران ربما تعارضا وهو قليل فاعلم، فوائد وربما اليقين زواله بالشك يستبين، وذاك في مسائل منحصرة تحكى عن ابن القاص فيما ذكره، وزاد فيها النووي عدة، كذلك السبكي زاد بعده». أورد رحمه الله تعالى هذه الأبيات في سياق ذكره لتفاصيل تتعلق بالقاعدة الثانية من القواعد الكلية العامة: «اليقين لا يزول بالشك». وقوله رحمه الله: «وقوة الأصل بعاضد حصل» معناه أن الأصل قد يقوى ولو عارضه شيء من الظاهر الذي قد احتف به شيء من الأمور الثلاثة السابقة، إذا عضد هذا الأصل بعاضد خارجي عنه. وقوله: «كما وصل» يعني من الأمثلة المضروبة التي ذكرها العلماء. وهذه الأمثلة التي ذكرت فيها خلاف مما يدل أن تعارض الأصل والظاهر إذا وقع اعتضاد للأصل مع وجود ظاهر معتضد لا يستلزم ذلك تقديم الأصل مطلقًا، بل قد يقدم الأصل وقد لا يقدم بحسب المسألة المذكورة. من الأمثلة التي مثلوا لها: العنين الذي أمهل مدة، وهو الذي لا يستطيع الوطء لسبب أو لآخر. فهنا قالوا: يمهل مدة، والمروي عن عمر رضي الله عنه، والذي عليه أكثر الفقهاء أنه يمهل سنة؛ لأن الناس يختلفون حسب ما يمر عليهم في السنة من صيف وشتاء أو غير ذلك. فإذا حصل الخلاف بينه وبين الزوجة فادعى أنه وطئ وادعت أنه لم يفعل، فهنا يقول الأصل أن الزوج يطأ، وعضد ذلك ما قد ثبت من سلامة عضوه. فهنا يقولون هذا العاضد يرجح الأصل. والمسألة فيها خلاف، ولهذا بعضهم قال: هذا لا يكفي، بل لابد من ثبوت الإنزال. ومثلوا له أيضًا بما إذا عضد الأصل من عذاد خارجي ظاهر أو غيره. وأما إذا عضد بغير الظاهر مثلوا له: لو وقعت نجاسة في الماء وشككنا في كثرة هذا الماء، فهل هو نجس أم طاهر؟ فهنا يقول أنهم رجحوا الطهورية، ونقل ذلك عن الإمام النووي رحمه الله؛ لأن الشك طارئ، والأصل هو عدم النجاسة لعدم حصول التغير. والمسألة فيها خلاف، لكن الصحيح أنه لا حد للفرق بين القليل والكثير، فتحديده بقلتين ليس بصحيح؛ لأن الشافعية يحدوه بالقلتين، والصحيح أن حديث القلتين على تقدير صحته يخرج أو خرج مخرج الغالب. فإذا لم يتغير الماء فهو طاهر ما دام أنه مظنة الكثير. وقوله رحمه الله: «وجزموا بأحد الأصلين في حين ويجري الخلف حينًا فاعرفي» معناه أنه إذا حصل تعارض بين أصل وأصل، فتارة يقدمون أحد الأصلين وتارة يقدمون الأصل الآخر. ومثلوا له بمثالين: من نوى وشك هل كانت نيته قبل الفجر أو بعده، يعني نوى الصوم وشك في هذه النية. فهنا يقولون الأصل عدم النية قبل الفجر، ولكون الليل باق، الأصل بقاء الليل. فهذا أصل وهذا أصل تعارضا. فإذا كان كذلك، إذن غلب هذا الأصل ما وقع فيه الشك، فصارت النية صار الصوم صحيح لتقديم هذا الأصل، وهو كون النية على كل حال صارت صحيحة. ومثل ذلك مثال آخر في جريان الخلف، يعني يعمل بالشك هناك ألغى الشك. فالمثال الثاني: أعمل الشك، مثل له ما لو أدرك الإمام هذا المأموم في ركوعه وشك هل حصل له طمئنان أو لم يحصل له طمئنان، يعني شك هل هذا الذي وقع منه يدرك به الركعة. فأدرك شيئًا من الركوع أو لم يدرك؟ فهنا قالوا: يعمل بالشك. لماذا؟ تعارض أصلان: الأصل الأول كونه وقع منه هذا الفعل، لكنه شك هل وقع مع طمئنان أو لم يقع مع طمئنان؟ فإذن هو أثبت إدراك الإمام، لكنه لم يتيقن من حصول الاطمئنان. وعرضه أصل آخر وهو أنه كونه أدرك هذا الإمام في هذا الموضع، فالأصل أنه أدرك. لكن هنا عمل على خلاف الأصل بتقديم الشك، قدم الشك. ولا شك أن هذا الإعمال ليس من دون قرينة، بل لوجود قرينة، وهو أن الاطمئنان في الركوع مطلوب شرعًا؛ لأنه ركن من أركان الصلاة. فما دام أنه شك في هذا الركن وقوع وعدم وقوعه، فالأصل العدم. فهنا تعارض أصلان وعمل بالشك، لكن لوجود قرينة. والحاصل كما ذكر رحمه الله: ليس هناك قاعدة مضطردة في تعارض الأصلين يعمل بأحدهما أو بهذا تارة وبهذا تارة، بل بحسب كل مسألة وما تقتضيه من قرائن محتفة به. وقوله رحمه الله: «تتمة والظاهران ربما تعارضا وهو قليل فاعلم» معناه هذا مثال أو هذا موضع آخر من مواضع التعارض مما ظاهره التعارض إذا تعارض ظاهران، وعلمنا أن الظاهر يطلق على معاني، فالمراد به ها هنا ما يظهر من المسألة. فإذا تعارض ظاهران، فهنا يقول: «ربما تتمة والظاهران ربما تعارضا وهو قليل فاعلم» يعني قد يحصل التعارض كذلك بين ظاهر وظاهر. فإذا وقع فبماذا يعمل؟ فلم يذكر ها هنا، وأشار في الشرح تبعًا للأصل إلى أنه تارة يعمل بهذا وتارة يعمل بهذا، يعني تارة تلغى قاعدة الشك وتارة يعمل بالشك مثل ما قيل في تعارض الأصلين. ومثلوا له من الأمثلة: لو أقرت الزوجة بالنكاح والصداق وأقر الزوج بذلك. فيقولون: أنه في الجديد -أي في مذهب الشافعي الجديد- قبول الإقرار. فلنا عندنا ظاهر وظاهر: ظاهر من كلام المرأة وظاهر من كلام الزوج. فإن أقرا بذلك فإنه يكون به حصول ما ظاهره قبول هذا الإقرار، فيلزم الزوج ذلك. وقال في القديم -يعني في المذهب القديم- إن كان بلديين، طول باب النية لمعارضة هذا الظاهر بظاهر آخر. والسبب في ذلك أن من كان في بلد واحد يكون بينهم عرف، ويسهل عند ذلك إقامة البينة عند الخصومة. وهذا يقال كما قيل في الذي قبله: ليس هناك قاعدة يجري عليها الأمر مضطردًا، ولكن كل مسألة بحسب ما تقتضيه. حتى أن هذه المسألة كما ترون اختلف القول فيها عن الإمام الشافعي، فكيف بالشافعية؟ فكيف بقول الفقهاء في المذاهب الأخرى؟ وقوله رحمه الله: «فوائد» يعني تتم لمباحث هذه القاعدة. «وَرُبَّمَا اليَقِينُ زَوَالُهُ بِالشَّكِّ يَسْتَبِينُ» يعني قليل؛ لأن ربا يؤتى بها للتقليل. قليل ما اليقين يزول بالشك. القاعدة: اليقين لا يزول بالشك، لكن قالوا: أحيانًا يزول اليقين بالشك. ثم قال: «وَذَاكَ فِي مَسَائِلَ مُنْحَصِرَةٍ تُحْكَى عَنْ ابْنِ الْقَاصِ فِيمَا ذَكَرَهُ» وهذه المسائل كما أشار تسع مسائل، والحقيقة فيها كذلك خلاف. وزاد فيها النووي عدة، كذلك السبكي زاد بعده. يعني بعضهم زاد فوق التسع المسائل مسائل أخرى، فزاد النووي مجموعة مسائل، وزاد السبكي مجموعة مسائل. وبه نعلم أن ذكر العدد ليس حصرًا؛ لأن المقصود هو معنى معين. فاليقين لا يزول بالشك هذا هو الأصل، لكن أحيانًا قد يزول هذا اليقين بالشك متى ذلك؟ إذا كان الشك معه قرينة تغلب ماذا العمل به على اليقين؟ مثل المسألة التي مرت معنا: شك الرجل في إدراك الركوع، هو أدرك الركوع لكن شك في الاطمئنان. فهنا لو قال: ما دام أدرك الركوع إذن نلغي الشك ونعمل باليقين. فيقال: ليس هكذا، إنما هو شك في الاطمئنان، ولم يشك في الركوع، أثبت الركوع لكن لم يثبت على وجه الاطمئنان. فما دام كذلك فالأصل عدم حصول الاطمئنان. فبعض المسائل قد يقال فيها: هي من باب إعمال الشك على اليقين. وليس كذلك. مثال آخر: إذا اشتبه حرام قليل بمباح كثير، لم يضر القليل الكثير. وهذا على خلاف ما مر معنا من قاعدة الاحتياط، وكذلك قاعدة ترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس. والسبب أن هذا مما قد يحصل به الضرر، ومن التكلف الذي لم يؤذن لنا بمثله. وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يصححه كثير من أهل العلم: «إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث». مع أن الخبث يسقط، لكن لا يضر، لا يضر ما دام الماء كثير أو مظنة الكثرة. فهنا يقال: من باب رفع المشقة، ومن باب ما قد يغرب على الظن من ضياع القليل في الكثير. ومثله على الصحيح إذا اشتبهت أخته بأهل بلد، لم يضره ذلك، ولا يمنعه من النكاح من أهل تلك البلد. بل نص بعض أهل العلم أنه لا يجب عليه التحري. ومثله لو اشتبهت ميتة بلحم لأهل بلد بأكمله، فكذلك لا يضره، ولا يمنعه الأكل من لحم ذلك البلد. ومنه كذلك عمل السلف: طين الشوارع وماءه، مع أنه قد يكون فيه شيء من النجاسة، لكن لا يضر؛ لهذه المشقة. ولو قدر أن هناك شيء قليل من النجاسة قد تقع، فهو مما يعفى عنه مع الكثير الذي هو الأصل، وهو الإباحة وعدم النجاسة. وهكذا قل في مسائل كثيرة بهذا المعنى. ومما مثلوا به من هذه المستثنيات ما ذكروه في تلك المسائل: قالوا تسع، وقالوا إحدى عشر مسألة. مثل قالوا: إذا شك من مسح على خفه في انقضاء المدة، الأصل أن هذا الشك لا يعمل به. هذا هو الأصل. شك من مسح على خفه في انقضاء المدة، الأصل لا يعمل به. قالوا: لكن يعمل هنا بالشك. لماذا؟ قالوا: لأن المسح هو رخصة من أصل، إذا الأصل المنع. فما دامت رخصة، فإذا وقع الشك فينبغي أن يعمل الشك ويترك الأصل. نحن قلنا: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، لكن يستثنى من ذلك ما إذا كان هذا الأصل هو أصلًا استثناء. لأن الأصل حقيقة ليس هو المسح، إنما الأصل هو غسل الرجل، فمسح الرجل استثناء بشروط معينة، وفي أحوال معينة يجوز ترك الغسل والانتقال للمسح. فإذا شك ولم يكن عنده يقين ولا غلب الظن، فهنا يقول: يعمل بالشك فيقطع المسح. مثاله: رجل مسافر مسح على خفه اليوم الأول والثاني، ثم شك هل هذا الثاني أم الثالث؟ لو شك في العدد لقلنا: يبني على ماذا؟ على الأقل. لكن هو لم يشك في العدد، إنما شك في انتهاء المدة، لا يدري هل المدة انتهت أو لم تنتهي؟ لكونه ليس عنده أصل لا من جهة عدد الأيام، لكن من جهة وقت المسح. لو كان عنده وقت أقل وأكثر لقلنا: بنى على ماذا؟ على الأقل؛ لأنه إذا شككنا في الأقل والأكثر بنى على الأقل. فإذا يقال: هذه المسألة تصح إذا لم يكن فيها أقل وأكثر. وأما إذا فيها أقل وأكثر، فإنه يعمل بالأقل على القاعدة المتقدمة. لكن إذا لم يكن عنده أقل وأكثر، حصل عنده ذهول ونسيان تام، فهنا يقال: خلص، ما دام الأمر كذلك، فأصل المسح هو استثناء. فإذا هنا نرجع إلى القاعدة التي تقدمت: وهي ترك ما لا بأس به حذرًا مما به بأس. فإذًا هذا المثال يقيد بمثل هذا المعنى المذكور. وهكذا كذلك مثال آخر، وبعض الأمثلة كما قلنا فيها شيء من الخلاف. قالوا: لو بال حيوان في ماء كثير، ثم وجده متغيرًا، ولم يدري أتغير بالبول أم بغيره؟ فيقول: هو نجس. الأصل هنا أن نبقي الماء على أصله فيكون طاهرًا، لكن هنا أعمل الشك. لماذا أعمل الشك؟ قالوا: لأجل حصول هذا التغير. مادام أن التغير حصل بعد بول هذا الحيوان، فهذا يغلب أنه حصل بنجاسة. وهذا إذا كان الحيوان مجهول. أما إذا كان الحيوان معلومًا، فهذا لا شك فيه. الآن الكلام إذا كان الحيوان مجهول. أما إذا كان معلومًا فقد يتغير ولا يستلزم التغير النجاسة، مثل إذا بال ما يؤكل لحمه على الصحيح. وبه نعرف الخطأ المثال الذي ضرب في تعليق بعض الشراح على الأبيات السابقة في بول الضبى. في بول الضبى إذا تغير به الماء القليل، فيقال: هذا المثال لا يصح أصلًا؛ لأن الضب مما يؤكل لحمه، فبوله لا يضر وليس بنجس. ثم تغير الماء لا يستلزم النجاسة؛ لأنه قد يتغير بطاهر؛ لأن الماء قد يتغير بطاهر. فكونه تغير لا يستلزم ذلك النجاسة. وإنما تغيره بالنجاسة معناه أنه تنجس، وتغيره بغير النجاسة معناه أنه لم يتنجس. فعلمنا بهذا المثال أنه في بعض المواضع قد يصح إعمال الشك، وفي مواضع أخرى قد لا يصح إعمال الشك. وهكذا يقال في غيره من الأمثلة التي ذكروها. قال رحمه الله تعالى: «نعم وذاك في مسائل منحصرة» طيب، هذا كما تقدم، يعني ذكروا عن ابن القاص عدد من المسائل، وكما قلنا ليست للحصر على الصحيح؛ بدليل زيادة غيره كما نقل عن النووي والسبكي وغيرهما. فإذن لا فائدة من حصرها، ويزداد هذا كذلك الأمر تأكيدًا إذا علمنا أن بعض هذه المسائل فيها خلاف وتحتاج لشيء من التفصيل. ثم قال رحمه الله: «والشك أضرب ثلاثة أخرى: شك على أصل محرم طرأ، وما على أصل مباح يطرأ، وما يكون أصله لا يدرى». والشك والظن بمعنى، فردي في كتب الفقه بغير جحدي. خاتمة: «والأصل قد يعبر عنه بالاستصحاب فيما يحضر». وهذه الخاتمة جعلها رحمه الله تعالى في ذكر أقسام الشك. فيقول: أن الشك ثلاثة أقسام. الأول: «شك على أصل محرم طرأ» فالأول شك طرأ على أصل محرم. ومثلوا له: لو كانت قرية فيها أهل إسلام وكفر، فوجدت شاه مذبوحة. فهنا يقول: لا تحل هذه الشاه حتى يعلم أنها ذكاة مسلم. يعني إذا كان الكفار ليسوا كتابيين كمجوس أو وثنيين. والسبب في ذلك كما تقدم معنا: أن الأصل في اللحوم الحرمة، وهذا كما ذكروا إذا حصل التساوي في طرفي الشك. أما إذا وجد غالب الظن يرجح أحد الطرفين فيعمل بذاك الطرف. فمثلا إذا وجد في موضع سكن المسلمين، فهذا مرجح يرجح أنها ذبيحة أهل هذه المنطقة، والغالب أن هناك تميز بين سكن الكفار وسكن المسلمين. هذا هو الغالب، وقليل ما يحصل الخلطة. المهم على تقدير أنه حصل التساوي في طرفي الشك، فهنا يترك هذا الأمر. فالأول قال: «شك على أصل محرم طرأ» يعني فيما كان هذا حاله، فإنه يترك؛ لأن الأصل هو بقاء الحرمة. فإذن نبقى على هذا الأصل. وكما مر معنا: الأصل في اللحوم الحرمة، فلا تحل إلا بشروط الحل. وقوله: «وما على أصل مباح يطرأ» هذا هو المثال أو الموضع والنوع الثاني من الشك، إذا ما شك على أصل مباح. ومثلوا له: لو وجد ماء متغير واحتمل أن هذا التغير كان بالنجاسة أو بطول المكث؟ فهنا يبقى على الأصل ولا يعمل بهذا الشك. فما هو الأصل في الماء؟ الطهارة، فنبقى على أصل الطهارة. ولكن هذا كما قلنا إذا كان كلا طرفي الشك يساوي الآخر. أما إذا وجد مرجح فيعمل بذلك المرجح أو قرينة. مثل ما تقدم في المثال الذي مر معنا: ما إذا وجد مثلا ريش حيوان وما يدل أن ميتة وحيوان مات في هذا الماء؟ فهنا يغلب هذا المعنى على الأصل؛ لأن الظاهر عُضِد بقرينة. وقوله: «وما يكون أصله لا يدرى» هذا هو النوع الثالث الذي لا يدرى ما أصله، مجهول الأصل، فشككت فما حكم هذا الشك؟ وهذا كما قلنا عند تساوي طرفي الشك. ومثلوا له: معاملة من في ماله خلطة بين حرام وحلال. فهنا لا يدرى هل ماله حرام أو ماله حلال؟ لكن هنا عندنا شيء آخر وهو الأصل حل المعاملات. انظر هنا شككنا في أصل هذا المال، لكن عندنا شيء آخر هو مرجح خارجي، مرجح خارجي. فيكون الأصل حل التعامل مع مجهول المال. ولكن لا شك أن الكراهة واقعة. لماذا؟ من باب التورع والبعد عن التعامل مع من في ماله شيء من الحرمة. نحن نجزم أن عنده مدخل دخل حرام، ونجزم أن عنده كذلك شيء حلال، لكن لا ندري هل هذا غلب أم هذا غلب؟ وهل هذا المال من هذا أو من هذا؟ الأصل الحل، لكن لو قال إنسان: أنا أتورع أن أتعامل مع مثل هذا الإنسان، هل علي إثم أو هل أنا متكلف؟ يقال: لا، لستم متكلفين. وإذا تيقن حتى إذا حصل اليقين فيه خلاف، فمن أهل العلم من قال: حرمة المال. ونحن نتكلم الآن على عين هذه المسألة باعتبار وصفه لا باعتبار عينه. يعني هذا دخل عليه بحرام ودخل عليه بحلال، أنا لا يضرني أنه دخل عليه بحلال، لو كان دخل عليه بحرام. فما من مال إلا وانتقل من حلال إلى حرام. كونه يتورع هذا شيء آخر. كونه يتورع هذا شيء آخر. أما أنه يقال: بأنه حرام وهو دخل عليه بطريق حلال، فهذا لا دليل عليه. وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل اليهود وسائر الكفار، وأموالهم مخلوطة بين حل وحرمة، ولم يأتي في نص واحد حرمة التعامل مع هؤلاء الكفار مع العلم أن مصادر هذه الأموال مخلوطة بين الحلال والحرام. ثم قال رحمه الله: «والشك والظن بمعنى فردي في كتب الفقه بغير جحدي» والمعنى أن لفظ الشك والظن يترددان، فأحيانًا يطلق ويراد به كذلك، وأحيانًا لا. وكما مر معنا في أوائل هذه الأبيات: الصحيح التفريق. فإن كان الظن الذي هو بمعنى الشك فيصح التعبير عن الشك والظن، وتكون مسائلهما واحدة. وهو ما لم يكن فيه ترجيح أحد الطرفين على الآخر، أو إذا كان من باب أولى الظن المرجوح الذي هو بمقابل الوهم. وأما إذا أريد به الظن الراجح، فهذا لا شك أنه يعمل به. الظن الراجح يعمل به. وقوله: «خاتمة والأصل قد يعبر عنه بالاستصحاب فيما يحضر» وهذا تنبيه ختم به هذه المسائل. وهي أن لفظ الأصل الذي مر معنا في الأبيات الأخيرة قد يعبر به ويراد به الاستصحاب. وهذا الاستصحاب يختلف من معنى إلى آخر ومن موضع إلى آخر، وهو فيه خلاف بين أهل العلم. والصحيح فيه التفصيل، فما دل الدليل على أصل فيه فيستصحب أصل ذلك الشيء. وما لم يدل الدليل على ذلك فلا يستصحب، بل التوسع في ذلك من أعظم أسباب الخطأ والخروج عن الصواب. وقد شدد ابن حزم رحمه الله تعالى فيمن عمل بقاعدة الاستصحاب لما في ذلك من الخروج عن الصواب إلى الخطأ بالتوسع في هذا الباب. والصواب أن يفصل فيقال: إن أريد بالاستصحاب ما دل الدليل على استصحاب أصله فهذا صحيح. وإن أريد بالاستصحاب ما لم يدل الدليل على استصحاب أصله فهذا ليس بصواب، والتوسع فيه من أعظم أسباب الخطأ. ولهذا ذكر العلماء الاستصحاب بمباحث خاصة وفصلوا وذكروا كلام أهل العلم وخلافهم فيه. وقد ذكرها هنا بعض الأمثلة، بعضها صحيحة وبعضها غير صحيح. فمثلًا قال في الشرح: من مسائل الاستصحاب لو حصل خلاف بين بائع ومشتري في الثمن؟ فهنا يقول: إذا حصل الخلاف يستصحب الأصل إذا كان هناك أصل في هذا الموضع. ومثال ذلك: لو جرى عرف فيستصحب العرف في معرفة هذا الثمن. فهنا يقال: الثمن كذا وكذا ما دام أنه حصل مثل هذا الخلاف. أو أقر المشتري بقول البائع، ولكن ادعى أن البائع وافق على إخفاض السعر والثمن. فهنا يستصحب الأصل فيقال: الأصل بقى ما أقررت به. وهذا استصحاب ما أقر به المشتري المدعي. فهنا يقال: الأصل بقى ما اعترفت وأقررت به. والدعوى الشيء الزائد يحتاج إلى بينة. فمثل هذه الأمثلة أمثلة صحيحة. وقد يكون في غيرها غير صحيح. هذا السؤال يقول: يأتي إلينا في الموقع عبر البريد أسئلة كثيرة من أخوات يصعب عليهن الزواج بسبب أو آخر. فأحيانًا يكون السبب شرعيًا لعدم توفر الشروط التي يريدها الأب في الخاطب، وأحيانًا قد يكون السبب غير شرعي كإرادة أن يكون من المنطقة الفلانية أو البلد الفلاني ولو لم يكن عنده دين واستقامة. فتحصل المشاكل والفوضى في هذا الباب لعدم وجود محاكم شرعية في بلاد الكفر أو مركز إسلامي معتبر عند الجميع. وكذلك في أمور الطلاق والخلع عند حصول الخلاف. ونعلم من بعض الدعاة أنهم يفتون في هذه المسائل، فصار هذا الأمر فوضى حتى تذهب المرأة إلى أي إمام مسجد أو داعي من الدعاة ويزوجها دون إذن وليها، وأحيانًا دون تثبت في صحة ما تذكر الأخت. السؤال: ما هي الطريق الشرعي الصحيحة التي تحل المشاكل في هذا الباب -أي باب النكاح والطلاق والخلع-؟ وما هي النصيحة للجميع؟ وإن جاءنا سؤال: هل نعرضه على المشايخ كما جاء؟ ما عدم علمنا بصدق السائلة؟ الجواب في الحقيقة كما ذكر في السؤال: الواجب إذا كان في بلد إسلامي أن يرجع إلى المحاكم الشرعية في مثل هذا الأمر؛ فالقاضي والحاكم بمثابة ولي الأمر، يقوم بما ينبغي من استدعاء الولي والنظر في القضية: هل هو معتد أو غير معتد؟ أهل المرأة فيما قالت صادقة أم كاذبة؟ وغير ذلك. وبعد ذلك يقضي بما علم من دين الله سبحانه وتعالى. فإذا لم يكن فالمراكز الإسلامية التي في بلاد الكفر، وفيها من أهل العلم من عندهم بالعلم الشرعي مع ما عندهم من الدين ما يقتضي أن يكون أمثال هؤلاء مرجعية صحيحة للمسلمين. فإن وجد مثل هذا فهؤلاء، فإن لم يوجد لا هذا ولا هذا، فالصحيح الذي عليه عمل مشائخنا: أنه لا ينبغي أن يفتح الباب على هذا الذي وقع في الكثير من البلاد حتى صار الأمر فوضى كما ذكر السائل. فالذهاب إلى إمام مسجد أو من عرف بعلم ودعوة ليس تصرف صحيح يكون به إمضاء مثل هذه المعاملات من أنكحة وطلاق وخلع، وخصوصًا وقد حصلت خصومات. وأكثر هؤلاء من حيث العلم الشرعي ليس عندهم أهلية إلا القليل النادر. ومن حيث إمكان التثبت لا يمكنه؛ لأنه ليس سلطة تنفيذية يستطيع أن يستدعي هذا ويتثبت ويطلب الشهود أو غير ذلك. وأمر ثالث: قلة الدين وكثرة الكذب بحسنية أو بسؤنية. كل هذا يقضي بأن ما كان هذا وصفه فينبغي التوقف فيه. فقد يقول قائل: إذا كان كذلك فبهذا تحصل مشقة وربما مضرة، فيلجأ بعض هؤلاء إلى غير أهل الحق. الجواب: يحال هؤلاء إلى العلماء. والحمد لله اليوم وسائل الاتصال كثيرة، فممكن أن يكون هؤلاء القائمين بالمساجد والدعاة واسطة بين أصحاب الأسئلة مع العلماء. ثم العلماء بالنظر في القضية يقضون ويوجهون بما يرون أنه أصلح مما يستبع فيه أعلى المصلحتين أو تدفع به أشد المفسدتين. أما أن يقال: لكل أحد يقضي في مثل هذه القضايا، فهذا غير صحيح. أو يذهب إلى أي أحد، فهذا غير صحيح كذلك. فهذا الباب باب عظيم، والأصل فيه الحرمة كما تقدم معنا؛ فالأصل في الأبضاع الحرمة. وأما القسم الثاني من السؤال، وهو: هل ما يأتي من أسئلة يعرض على المشايخ مع عدم علمنا بصدق السائل أو السائلة؟ الجواب: العالم الذي يسأل هو على علم بمثل هذا، وممكن أن ينبه. وبعد ذلك هو ينظر كيف يستطيع أن يتثبت أو يدعو مثلا الولي أن يتصل أو يوكل من عرف من طلبة العلم الموثوقين أن يجمع بين المرأة ووليها أو بين الزوج وطليقته أو من تطلب الخلع، وغير ذلك مما يكون به حصول التثبت وحل مثل هذه القضية. والحمد لله في أكثر المناطق يوجد من الدعاة وأئمة المساجد من لهم صلة ومعرفة بالمشايخ، وممكن أن يكون أمثال هؤلاء واسطة حق وخير في إصلاح أحوال الناس. وهذا قليل من كثير من شؤم البقاء في بلاد الكفر. نسأل الله عز وجل لنا ولجميع المسلمين التوفيق والسداد. والله تعالى أعلم.