الدرس في كتاب الطهارة 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الدرس ببيان مفهوم النجاسات وأمثلة عليها مثل غائط الإنسان وبوله، ويستدل على نجاستها بالأدلة الشرعية.
يشرح المقطع كيفية إزالة النجاسة وتطهيرها، حيث تزول بأي وسيلة تزيل عينها وأثرها دون اشتراط الماء أو النية.
يتناول حكم نجاسة أبوال وأرواث الحيوانات، حيث يفرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل بناءً على الأحاديث النبوية.
يؤكد على عدم جواز إثبات أو نفي أي حكم لم يرد في الشرع، مع البقاء على البراءة الأصلية لما لم يثبت فيه شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم موقع دار الحديث بالفيوج يقدم درس فضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي العدني حفظه الله في شرح كتاب الطهارة من الدرار المضية شرح الدرر البهية للعلامة الشوكان رحمه الله. والآن نترككم مع المادة المذكورة، رب العالمين، واشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله من مسائل تتم لباب المياه، ومن المسائل التي مرت معنا ما أشار إليه رحمه الله بالتفريق بين الماء المتحرك والساكن، فهل هذا التفريق صحيح؟ نعم، المن فضل هو الصحيح؟ نعم، الساكن الدائم لا ما يحتاج إلى تحريك. وما هو خلاصة ما يذكر في هذه المسألة؟ عندك؟ نعم، أربع صوتك؟ نعم، الماء إذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة فإنه ينجس، وإذا لم يتغير فإنه لا ينجس، ويكون النهي لأجل مضنة التغيير وعدم التلويث. نعم، والمسألة الثانية مستعمل وغير مستعمل، وعلمنا بهذا أن الصحيح في مدلة عليه الأدلة التفصيل على ماذا؟ نعم، أحد من الخلف أحد يشارك من الخلف وضل. نعم، المستعمل بالصواب مطهر. نعم، أنه يبقى طاهر مطهر، ويكون النهي للكراهة والتقدر. وبماذا نستدل على أنه طاهر مطهر؟ دليل؟ نعم، سأل النبي صلى الله عليه وسلم فضل ميمونه وعلى أزواجه، فأذي دل على هذا والله أعلم. طيب، نادي مراجعة يسيرة باختصار. طيب، درس اليوم قال رحمه الله تعالى: فصل والنجاسات هي غائط الإنسان مطلقًا وبوله إلا الذكر الرضيع، ولعاب كلب وروث ودم حيض ولحم خنزير، وفيما عدا ذلك خلاف، والأصل الطهارة، فلا ينقل عنها إلا ناقل صحيح لم يعاربه ما يساويه أو يقدم عليه. قوله فصل، الفصل غالبًا ما يورد في كتب أهل العلم يراد به كالملحق والاستثناء مما قبله، ولما ذكر في الباب الذي قبله باب المياه وأن المياه منها ما يتنجس ومنها ما لا، ومنه ما هو نجس ومنه ما هو طاهر، ناسب أن يجعل فيها في هذا الفصل توضيح النجاسات لأجل أن نعرف ما هي هذه النجاسات التي إذا خالطت المياه فغيرت أحد أوصافه صار الماء نجسًا لا يصح التطهر به، في إتماما للفائدة متدرجًا في المسائل أورد هذا الفصل فيما يتعلق بالنجاسات، وذكر كما نرى هذه النجاسات، وسيأتي إن شاء الله تفصيلها واحدًا واحدًا. قال رحمه الله: أما نجاسة غائط الإنسان وبوله، فبالأدلة الصحيحة المفيدة للقطع بذلك، بل نجاستها من باب الضرورة الدينية، كما لا يخفى على من له اشتغال بالأدلة الشرعية، وبما كان عليه الأمر في عصر النبوة، ولا يقلع بذلك التخفيف في تطهيرهما في بعض الأحوال، وهذا ظاهر. يعني أدلته مفيدة للقطع، ومعنى القطع أنه ليس ظني، معناه أنه بلغت حد التواتر، لأن أدلت ذلك معناها موجود في الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة لكثرة ما روية في هذا الباب. فالحدث كما جاء معناه في نصوص الكتاب والسنة الغائط والبول، قال الله عز وجل: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ أي المكان الذي يتغوط فيه وتقضى الحاجة فيه، وهذا موضع النجاسات. وكذلك أدل كثيرة في السنة كحديث ابن عباس في الصحيحين في الرجل الذي يعدد، فأحدهما كان لا يستنزه من بوله، فدل أن البول نجاس من النجاسات، وغير ذلك حديث أنس في الصحيحين، وبهريرة في الرجل الذي بال في المسجد، وأشياء أخرى كثيرة تدل على هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: أما الغائط فكما في حديث بهريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور»، وفي لفظ: «إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب»، وعواه أبو داود بن السكن والحاكم والبيهقي، وقد اختلف فيه على الأوزاعي. وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء أحدكم المسجد فليقلبن عليه وينظر فيهما فإن رأى خبتا فليمسحه بالأرض ثم ليصلي فيهما»، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح بحات في العلل الموصول. وأخرج أهل السنن عن أم سلمة مرفوعة بلفظ: «يطهرهما بعده»، وعن أنس عند البيهقي بسند ضعيف بنحوه، وكذلك عن امرأة من بني عبد الأشهل عند البيهقي أيضًا. فإن جعل التراب مع المسح مطهرًا لذلك لا يخرج عن كونه نجسًا. أورد هذه الأدلة كما نرى ليثبت أن الغائط نجس بدليل أمر النبي صلى الله عليه وسلم تطهيره بقوله: «فإن التراب له طهور». أما الحديث أول الحديث بفريرة فقد أشار في التعليق أنه اختلف فيه، وقد أشار المؤلف رحمه الله أنه اختلف فيه على الأوزاع، وجماعًا من أهل العلم ضعفوا هذا الحديث من حديث بفريرة، وجماعًا حسنوه، لأن الحديث إن كان في سناد ضعف، لكن له طرق كثيرة شواهد يشتد بها فيرتقي إلى الحسن، ومعناه لا ينافي ما ذكر في حديث أبي سعيد الصحيح الذي بعده، فالمعنى واحد. وقد جاءت له شواهد وطرق، فقد روي من حديث أبي هريرة وحديث عائشة وأبي سعيد وأمي سلمة، والجماعة من الصحابة كما أشير إلى ذلك في التعليق، كما ترون، وإن كان بعضها فيه ضعف شديد، لكن بالجملة فهناك روايات فيها شواهد ومتابعات كثيرة يرتقي بها هذا المعنى إلى الحسن، ولهذا صحاه الشيخ للباني رحمه الله في مواضع من كتبه كصحيح بداود صحيح الجامع وغيره. والشاهد منه قوله: «فإن التراب له طهور»، فالأذى هو الغائط، فيطهره إذا كان في النعل التراب الذي بعده، فاستفدنا من هذا أولًا نجاسة الغائط، وثانيًا أنه يطهر في هذا الوصف وهذا الحال بالتراب الذي بعده. وهكذا معناه جاء في عدة أحاديث، فإن بعض النجاسات يطهرها مرورها على الطاهر الذي بعده. وهذا يدلنا على مسألة أخرى وهي أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن النجاسة لا يشترط في إزالتها وإزالة حكمها تطهيرها بالماء، فللصحيح إذا طهرت النجاسة بأي نوع من أنواع التطهير فأزيلت وأزيل عينها وأثرها فلم يبقى لها عين ولا أثر زال حكمها. أولًا لهذه الأدلة، فإن الأدلة دلتها هنا أنه يصلح إزالة النجاسة بغير الماء، كما جاء في هذه الروايات، وبحديث جلباب المرأة وغيره من الأدلة الأخرى. فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدما، فإذا قدر أن النجاسة أزيلت من اللباس بغير الماء، مثل بعض أنواع الغسيل الحديث يغسل بالبخار، فهل تصبح هذه الطريقة في إزالة النجاسة الصحيح أنها تصبح كذلك إذا زال العين والأثر؟ فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدما. وهكذا لوزيلة النجاسة بأنواع من المزيلات غير الماء كالبنزين وما كان بمعناه من المطهرات أو المنقيات الحديثة، فكذلك على الصحيح إذا زال العين والأثر زال الحكم. فليس من شرط إزالة النجاسة أن يزال بالماء، فالدليل هذه الأدلة وغيرها كثير مما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك في هذه الأدلة دليل على أن إزالة النجاسة لا يحتاج إلى نية، لأنه من التروق، وقد فرق العلماء من الفقهاء والأصوليين وغيرهم أن باب التروق لا يحتاج إلى نية. فلذلك لو وقعت النجاسة في ثوب فزالت هذه النجاسة دون علم صاحبها، فجاء من يعلمه أن هذا الثوب قد وقعت فيه نجاسة، فهل أزلتها؟ فقال: لا، ولكنه لم يجد أثر هذه النجاسة، زالت هذه النجاسة بما بعد كما في حديث الجلباب وغيره يطهره ما بعد. فزالت أثر النجاسة دون علم صاحب هذا صاحبة هذا الجلباب أو ذاك الفوق أو تلك النعل، فهل يلزمه شيء؟ الصحيح لا يلزمه شيء، لأن الحكم دور مع ماذا؟ مع علته وجودًا وعدما. فهذه الأدلة كما نرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يطهره ما بعده»، لم يشترط فيه العلم ولا النية، لأنه من باب التروق، لأنه من باب التروق، بمجرد زوال العين والأثر يزول ماذا؟ يزول الحكم، بمجرد زوال العين والأثر يزول الحكم، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة خلافًا لمن خالف فيها. هذا على وجه الاختصار، وإلا بعض هذه المسائل فيها تفاصيل وفروع وخلاف كثير، ولكن هذا هو الخلاصة كما دلت عليه الأدلة والله أعلم. والمسألة الرابعة مما يستفاد من هذه الأحاديث أنه يختص هذا بغائط وبول الإنسان كما ذكر المؤلف رحمه الله هنا، ولكن الصحيح عند التأمل ما سيأتي بعده إن شاء الله التفريق بين غائط وبول ما يؤكل لحمه وغائط وبول ما لا يؤكل لحمه، جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب، كما سيأتي معنا إن شاء الله. فليس يختص هذا الحكم بغائط وبول الإنسان، بل هو عام في غائط وبول كل ما لا يؤكل لحمه، وكل ما لا يؤكل لحمه حكمه واحد، لأن الشرع لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع. فلما رأينا هذا الحكم جاء في الإنسان، وجاء في الحمار، وبمعناه البغل، كما سيأتي معنا بقوله عليه الصلاة والسلام: «إنها ركس»، «إنها روثة حمار»، «إنها روثة حمار»، فنظر العلماء هذا من جهة الدليل، بقي من جهة التعليل، ما هو الجامع بين الخارج من الإنسان والخارج من الحمار حتى يكون حكمها واحد؟ قالوا: لم نجد شيئًا يجمع إلا أن يقال: ما لا يؤكل لحمه فإنه يكون هذا حكمه، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الصلاة في مرابض ماذا؟ الغنم، في مرابض الغنم، ولم يأذن ذلك في الإبل، لا لأجل النجاسة على الصحيح، ولكن لأجل الخوف على المصلي من أن تؤذيه تلك الإبل. ولهذا جاء بحديث أنس في الصيحي في قصة العرانيين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فدل هذا على طهارة أبوال ماذا؟ الإبل. فالإبل ما هو الجامع بين الإبل والغنم؟ الجامع أنها يؤكل لحمها، ولهذا كان الصحيح لهذه المسألة التفصيل بهذا المعنى، كل ما يؤكل لحمه فإن بوله وغائطه طاهر، وما لا يؤكل لحمه فهو ليس بطاهر، جمعًا بين الأدل، الوارد في هذا الباب. وما أشار إليه في آخر هذه الفقرة يريد رحمه الله أن كما أنه لا يجوز إبطال ما جاء ثبوته بالشرع، فكذلك لا يجوز إثبات ما لم يثبت ثبوته في الشرع. فالواجب البقاء على مدلة عليه الأدلة الشرعية إثباتًا ونفيًا، وما لم يثبت فيه إثباتًا ولا نفيًا فيبقى على البراءة الأصلية، يبقى على البراءة الأصلية، كما سبق وأشار رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وأما التخفيف في تطهير البول فكما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يراق على الأعراب ذنوبًا من ماء، وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث بأرير وأنس. والمعنى أن بول الأعراب اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بصب ذنوب من ماء في تطهيره. ويرى الإمام الشوكان رحمه الله في هذا الموضع أن هذا تخفيف في تطهير البول، يعني لم يكتفى بإزالة العين، ولكن الصحيح أن هذا ليس تخفيف في تطهير البول مطلقًا، ولكن التخفيف في تطهير مجاسة البول فيما كان في مثل هذا الوصف، يعني في الأرض. لأن النجاسة ستنزل إلى الأسفل إذا صب على النجاسة الماء في الأعلى، فإن النجاسة ستنزل إلى الأسفل. أما إذا كانت في الثوب فإذا صببت الماء على الثوب فإنه سينتشر في الثوب، سينتشر في الثوب، ولهذا الصحيح أنه يغسل، وبدليل حديث أم قيس من تمحصن الأسدية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في بول الصبي الذي يرضع النضح والرش. ففهم من هذا أن غير بول الصبي ماذا يفعل به؟ يغسل، أنه يغسل، فلا يكتف فيه بالنضح والصب بخلاف البول في التراب. كيف تغسله؟ ما يحتاج لغسل، إنما تصب عليه الماء، تصب عليه الماء، ولهذا فهم العلماء من هذا أن إزالة النجاسة تختلف بحسب الشيء الذي يراد تطيره. فالثياب تغسل، والأرض يصب عليها الماء، فيراق عليها. والمياه تنزح، المياه تنزح، يعني إذا أردت أن تطهر بئر فيه نجاسة كيف تطهر هذه البئر؟ قالوا: تطهره بأحد طريقين، إما أن تنزح منه الماء إذا كان يمكن نزح الماء النجس، فإذا كان الماء النجس يمكن نزحه فينزح الماء النجس حتى يبقى الطاهر. ومثله البركة إذا وقعت فيه نجاسة فتزيل النجاسة وما حولها حتى لا يبقى للنجاسة أثر بهذه البركة، فهذه طريقة، وهو النزح. والطريقة الأخرى المكاثرة، المكاثرة، تكثر الماء حتى يذهب عين النجاسة ويزول، فإذا الحكم يدور مع علته وجودًا وعدما، إذا زالت النجاسة زال الحكم في أي طريقة كانت. وهنا تأتي مسألة: هل يزول حكم النجاسة بالتشميس؟ يعني إذا وضعت الثوب في الشمس فزال أثر النجاسة، هل يصبح التطهير الصحيح أن التشميس لا يصبح للتطهير بالنسبة للثياب؟ لماذا؟ لأن الشرع جعل الغسل للثياب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يغسل من بول الجارية»، فعلم أن مثل هذا حقه الغسل، هذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الموضع. ولكن ما لم يعلم فيطهر، لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدما. فمثلًا صليت في مكان تأكد أنه أو غلب على ظنك أنه ليس به نجاسة، لم تشم رائحة النجاسة، ولم تجد فيه أثر نجاسة، فصليت، فجاء من يخبرك أن هذا المكان قد بال فيه صبي، ولم يغسل هذا المكان، فهل صلاتك يضرها شيء؟ الجواب الصحيح لا، مدام النجاسة ليس لها أثر، وسواء زالت هذه النجاسة بالتشميس أو زالت بطول الوقت، التهوية ونحوه، فالصحيح أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدما. لكن لا مانع من زيادة يقين، وكذلك تطهير يمسح هذا المكان، كذلك بعض الأشياء يكون إزالة النجاسة منها بمسحها، مثل السكين وما كان بمعناه من الأسطح الملساء. يعني مثلًا تعرفون اليوم يوجد بعض أنواع البلاط السيراميك والرخام اللامع، فهل يشترط في إزالة النجاسة منه الغسل؟ الصحيح لا يشترط الغسل، لو مسح مسحًا فزالت أثر النجاسة، ولم يبقى لها أي أثر، زال الحكم على الصحيح، زال الحكم على الصحيح، والله تعالى أعلم. قال رحمه الله تعالى: وأما ما عدا غائط الآدمي وبوله من الأبوال والأزبال، فلم يحصل الاتفاق على شيء في شأنها، ولدلة مختلفة. فورد في بعضها ما يدل على طهارتها، كأبوال الإبل، إنه ورد في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرانيين بأن يشربوا من ألبانها، من أبوال الإبل. ومن ذلك حديث: «لا بأس ببول ما يوكل لحمه»، وهو حديث ضعيف، أخرجه الدار قطني من حديث جابر والبراء، وفي سنادي عمر بن الحسين العقيل، وهو ضعيف جدًا. وورد ما يدل على نجاس في الروث، كما أخرجه البخاري وغيره، وقال صلى الله عليه وسلم في الروثة: «إنها ركس»، والركس نجس. وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير، ولكنه زاد: «ولكنه زاد بن خزيمة والصحيح أنه ليس من الخيل»، ولكن البغال والحمير، كما رجح غير واحد من أهل اللغة أن الركس لفظ يطلق على أي الروث، الروث يطلق على ما يخرج من البغال والحمير. قال: «ولكنه زاد بن خزيمة في رواية: إنها ركس، إنها روثة حمار». ولا يخف عليك أن الأصل في كل شيء أنه طاهر، قال: لأن القول بنجاسته يستلزم تعبد العباد بحكم من الأحكام، والأصل عدم ذلك، والبراءة قاضية بأنه لا تكليف بالمحتمل أو بالمحتمل حتى يثبت ثبوتًا ينقل عن ذلك. وليس من أثبت الأحكام المنسوبة إلى الشرع بدون دليل بأقل إثمًا ممن أبطل ما قد ثبت دليله في الأحكام. هكذا فيه: «أنني غير من الأحكام». نعم، قال: «فالكل إما من التقول على الله تعالى بما لم يقول»، أو من إبطال ما قد شرعه لعباده بلا حجة. طيب، هذه المسألة جعلها رحمه الله في مدون غائط الآدم وبوله من الأبوال والأزبال، يعني الخارج من غير الإنسان. والصواب في هذه المسألة ما تقدم: التفريق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه، للأحاديث الواردة. فإن الجامع لهذه الأحاديث هو هذا المعنى. فحديث العرانيين يدل على أن أبوال الإبل طاهر، وهكذا كذلك إذن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة في مرابط الغنم. وهكذا كذلك قوله في هذا الحديث: «إنها رجس»، «إنها روثة حمار». أما حديث: «لا بأس ببول ما يؤكل لحمه»، فهو حديث ضعيف من جهة الرواية، ولكن معناه صحيح، معناه صحيح، تدل عليه الأدلة كما تقدم. ولكن «لا بأس ببول ما يؤكل لحمه» ليس شربًا، وإنما معناه من جهة حكم النجاسة، من حيث حكم النجاسة، ليس بنجس، ليس بنجس. وقوله في الروث أنه مختص بالخيل والبغال والحمير، الصحيح أنه ليس كذلك، بل في البغال والحمير، كما رجحه غير واحد من أهل اللغة، ويؤكده رواية ابن خزيمة كما أشار رحمه الله. فالخلاصة يفهم من هذه الأحاديث وغيرها أن ما يؤكل لحمه فبوله وروثه ليس بنجس، وما لا يؤكل فهو نجس، جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب. وما أشار إليه في آخر هذه الفقرة يريد رحمه الله أن كما أنه لا يجوز إبطال ما جاء ثبوته بالشرع، فكذلك لا يجوز إثبات ما لم يثبت ثبوته في الشرع. فالواجب البقاء على مدلة عليه الأدلة الشرعية إثباتًا ونفيًا، وما لم يثبت فيه إثباتًا ولا نفيًا فيبقى على البراءة الأصلية، يبقى على البراءة الأصلية، كما سبق وأشار رحمه الله تعالى.