كتاب الصلاة 5

كتاب الصلاة 5

الدرس في كتاب الصلاة 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شروط الصلاة ووجوب الطهارة

يناقش واجبات الصلاة عند الإمام الشوكاني، ويشير إلى وجوب تطهير الثوب والبدن والمكان وستر العورة مستدلًا بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية. يُبرز الخلاف بين كونها شروطًا أو واجبات.

حكم التطهير في الصلاة وفرق بين العامد وغيره

يُوضح أن تطهير البدن والثياب والمكان واجب وليس شرطًا لصحة الصلاة، ومن تعمد عدم التطهير بطلت صلاته، بينما من فعل ذلك جاهلًا أو ناسيًا فهو معذور. يُفرق بين العامد وغير العامد في حكم الصلاة.

ستر العورة في الصلاة وآراء الفقهاء

يتناول حكم ستر العورة، حيث يرى الجمهور أنه شرط لصحة الصلاة، بينما يرى البعض أنه واجب وليس شرطًا مستدلين بأحاديث نبوية وأحداث تاريخية. يُبرز الخلاف بين الفقهاء في هذا الشأن.

حكم الصلاة مع كشف العورة وتفاصيله

إذا تعمد الشخص كشف عورته أثناء الصلاة وهو قادر على سترها، فصلاته باطلة وهو آثم. أما إذا كان ذلك عن غير تعمد، فالصلاة صحيحة ولا إثم عليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى-: «بابٌ: ويجب على المصلِّي تطهير ثوبه وبدنه ومكانه من النجاسة، وستر عورته، ولا يشتمل الصمَّاء، ولا يزدل، ولا يُصبل، ولا يكفت، ولا يُصلي في ثوب حرير، ولا ثوب شهرة، ولا مغصوب، وعليه استقبال الكعبة إن كان مشاهدًا لها، أو في حكم المشاهد، وغير المشاهد يستقبل الجهة بعد التحري». هذه مجموعة من المسائل أوردها -رحمه الله تعالى- في متنه «الإمام الشوكاني -رحمه الله- متن الدرر البهية»، وشرح هذا في شرحه عليها في «الدرار المضيَّة». فقوله: «بابٌ» كما تقدَّم معنا: الباب لغةً ما يُدخل منه ويُخرج، والمراد الدخول والخروج المعنوي. ولم يذكرها هنا تسمية لهذا الباب، وغالبًا مثل هذا إن من يكون تبعًا لما قبله، أو فيه شبه مع اختلاف، فيكون بهذا الاعتبار لم تذكر تسمية لوجود الشبه بما قبله، ودُعي بباب مُنفصل لوجود معنى المفارقة في بعض أبوابه. ووجهٌ آخر ذكره بعض الشرح: أنه لأن هذا الباب اجتمع على مجموعة مسائل وأحكام متفرقة لم تجتمع على حكمٍ واحد، فلذلك لم يذكر لها بابًا مُسمى. فعلى سبيل المثال، ذكر في هذا الباب شروطًا وواجبات ومسائل تلحق بالشروط والواجبات للصلاة، ولكن في كثير من هذه المسائل -كما سيمر معنا إن شاء الله- يرجِّح المؤلِّف -رحمه الله- فيما جعله الجمهور شروطًا أنها واجبات، كما سيأتي معنا إن شاء الله. فقوله: «ويجب على المصلِّي تطهير ثوبه وبدنه ومكانه» إلى قوله: «وسَتر عورته» إلى آخره، هذه الأربع: طهارة الثوب والبدن والمكان مع سَتر العورة، عند الجمهور شروط وليست بواجبات، ولكنه ذكر أنها من الواجبات، وسيأتي الكلام عليه بالشرح إن شاء الله. قال -رحمه الله تعالى-: أقول: أما تطهير الثياب فلنص القرآن: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله: «هل يصلي بالثوب الذي يأتي فيه أهله؟» فقال: «نعم، إلا أن ترى فيه شيئًا فتغسله» أخرجه أحمد وابن ماجة، ورجال إسناده ثقات. ومثله عن معاوية -رضي الله عنه- قال: «قلت لأم حبيبة: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يكن فيه أذى» أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة بإسناد رجال وثقات. ومنها حديث خلع النبي صلى الله عليه وسلم للنعليْن أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وابن خزيمة وابن حبان، وله طرق عن جماعة من الصحابة يقوي بعضها بعضًا. ومنها الأدلة المتقدمة في تعيين النجاسات. هذه المسألة الأولى، وهي مسألة طهارة الثياب، طهارة الثياب أي الثياب الملبوسة. وأشار إلى الوجوب بالآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وقد مر معنا أن الطهارة طهارتان: حسية ومعنوية. ومن الحسية طهارة الثوب والبدن والأرض، ويدل عليه الأحاديث التي أشار إليها. وهذه الأحاديث بين الصحيح وحسن يرتقي للتحسين والتصحيح. وفي معنى هذه الأحاديث أحاديث كثيرة صحيحة، وهي تدل على ثلاثة أمور. الأمر الأول: أنه لا مانع من الصلاة في الثوب المجامع فيه، هذا للرجل والمرأة، وهذا فيه دليل على طهارة ماء الرجل وماء المرأة، وأنه لا يمنع من الصلاة. وفي الصحيحين في عدة أحاديث عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يخرج إلى الصلاة وفي ثوبه أثر المني، فإن كان رطبًا كشطته، وإن كان يابسًا فركته». وهذا يدل على أنه ليس بنجس، وإن كان الأفضل والأكمل إزالة أثره. وأما المسألة الثانية: ففيه دليل على أنه لا يجوز الصلاة في الثوب إذا كانت فيه نجاسة. ولكن هل هذا يدل على الشرطية أم يدل على الوجوب؟ في هذا خلاف، فالجمهور يرون أنه شرط. والفرق أنه إن كان شرطًا فمعناه أن الصلاة تبطل بتخلُّف هذا الشرط، سواء كان عن جهل أو علم، أو كان عن عمد أو خطأ، لا فرق في ذلك. فمن صلى صلاة بغير طهارة، عالِمًا أو جاهلًا، عامدًا أو ناسيًا، أو مخطئًا، صلاته غير صحيحة؛ لأنه ترك ماذا؟ شرطًا من شروط الصلاة، وهو الطهارة. فإذا كانت إزالة النجاسة من الثياب شرطًا، فهذا يدل على أنه لا يفرق بين مخطئ وعامد، وناسي وعالم، وجاهل وغير ذلك. والأدلة تدل على خلاف هذا. ولهذا قال الكثير من المالكية، وجماعة من الظاهرية: إنه واجب وليس بشرط. ونرى هنا الشيخ الشوكاني -رحمه الله- والعلامة الشوكاني -رحمه الله- ينتصر له، يقولون: بأنه واجب وليس بشرط. وسيُدلوا بأدلة منها حديث النعلين الذي أشار إليه الشوكاني -رحمه الله-، ومر معنا في أبواب متقدمة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه لكون بهما أذى، أخبره جبريل -عليه الصلاة والسلام- فخلع عليه فخلع الناس نعالهم، فسألهم وأخبرهم أنه أخبره جبريل آنفًا أن في نعليه أذى. والشاهد: إكمال النبي صلى الله عليه وسلم لصلاته دليل على أن وجود النجاسة ليس بشرط، ولكن ماذا؟ واجب. ولو كان شرطًا لا عاد واستأنف الصلاة -عليه الصلاة والسلام-. وهذا مع ما تقدم من أدلة يُجمع بينها بهذا القول. وهذا الذي ألمح إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مواضع من كتبه، في الفتاوى وغيرها: بأن من فعل ذلك جاهلًا أو ناسيًا فإنه يُعذر، فلا تبطل صلاته، ولا يأثم. وإن فعلها عامدًا فتبطل صلاته ويأثم. وهذا هو الصواب: أننا نفرق بين من فعل عامدًا ومن فعل جاهلًا. فمن تعمد فعل ذلك بطلت صلاته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وأما من فعله جاهلًا أو ناسيًا أو مخطئًا فإنه لا حرج عليه ولا يأثم. وهذا يتماشى مع كونه شرطًا أم واجبًا، واجب. وهذا هو الصحيح والراجح، وهو الذي ألمح إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مواضع من كتبه بما ذكرنا وما سنسمعه. فهذه المسألة الأولى من مسائل الباب. قال -رحمه الله تعالى-: «وأما تطهير البدن فلأنه أولى من تطهير الثوب، ولما ورد من وجوب تطهيره». تطهير البدن كذلك وقع فيه الخلاف الذي وقع في تطهير الثوب. فالجمهور يقولون: إنه شرط. وذهب الكثير من المالكية وجماعة من الظاهرية إلى أن الصحيح أنه ماذا؟ واجب وليس بشرط. وألمح شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى التفصيل الذي سبق أن ذكرناه في المسألة التي قبلها في تطهير الثياب. فالصحيح: أن تطهير البدن وتطهير الثياب شيء واحد، فهو واجب وليس بشرط. والفرق: أن من تعمد عدم الطهارة والصلاة بغير طهارة، صلاته باطلة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». وأما من فعل ذلك جاهلًا أو ناسيًا أو مخطئًا فهو معذور ولا يأثم. وهذا هو الصحيح والذي تقتضيه عمومات الأدلة والشريعة، ويدل عليه كذلك الدليل الخاص فيما تقدم في طهارة الثياب. والشرع لا يفرق بين متفق ولا يجمع بين مُفترق. وطهارة الثياب أخف من طهارة البدن، وهذا يدل بعموم الأدلة والقياس الأولوي: أن البدن من باب أولى حكمه كحكم ماذا؟ كحكم الثياب. والبلاء به أشد من البلاء بالثياب. قال -رحمه الله تعالى-: «وأما المكان فلما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من رش ذنوب على بول الأعرابي ونحو ذلك». وقد ذهب الجمهور إلى وجوب تطهير الثلاثة للصلاة، وذهب جمع إلى أن ذلك شرط لصحة الصلاة. والصحيح العكس: ذهب الجمهور إلى أنه ماذا؟ شرط. وذهب بعضهم إلى أنه واجب. قال -رحمه الله-: وذهب آخرون إلى أنه سنة. والحق: الوجوب. فمن صلى مُلابسًا لنجاسة عامدًا فقد أخل بواجب، وصلاته صحيحة. والصحيح: أن صلاته ماذا؟ باطلة. ليست بالصحيحة. من تعمد أن يصلي في مكان نجس، الصحيح: أن صلاته غير صحيحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقد أمر -كما في حديث أبي هريرة- في الصحيحين: بأن يُرش بذنوب من ماء على المكان الذي بال فيه الأعرابي، فدل على وجوب تطهير المكان الذي يصلى فيه. وعمومات الأدلة تدل على ذلك. واستدل العلماء بدلالة الإيماء والتنبيه والإشارة -كما سيأتي معنا قريبًا في درس الأصول-: أن قوله جل وعلا: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ لا يقف عند الثياب، بل الثياب والبدن والمكان، فحكمها واحد. فأنتم مأمورون -يا أيها المصلي- بأن تطهر ثيابك وبدنك ومكان صلاتك. وهذا الدليل العام، وما أشارت إليه معاني هذه الأدلة الواردة، أكدتها السنة. فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وأنس المتقدم أمر بتطهير الأرض التي وقعت فيها النجاسة في المسجد. وكذلك عموم الأدلة في أن المساجد ينبغي أن تطهر وأن تحفظ. وهذا هو الصحيح. فهذه المسألة الثالثة يقال فيها كما قيل في المسألتين السابقتين، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة كذلك. قال -رحمه الله تعالى-: «وأما وجوب ستر العورة فلما وقع منه صلى الله عليه وسلم من الأمر بسترها في كل الأحوال». كما في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك. قال: قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: فإن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها. قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: الله تبارك وتعالى أحق أن يستحيا منه» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وعلقه البخاري، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعلي: «لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم والبزار، وفي إسناده ما قال، ولكنه يعضد حديث محمد بن جحش قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر، غط فخذيك؛ فإن الفخذين عورة» أخرجه أحمد، والبخاري في صحيحه تعليقًا، وأخرج أيضًا في تاريخه، والحاكم في المستدرك. قال: وروى الترمذي وأحمد والبخاري في صحيحه من حديث ابن عباس مرفوعًا: «الفخذ عورة». وخرج نحوه مالك في الموطأ، وأحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه، وابن حبان وصححه، وعلقه البخاري. وورد في الركبة ما يفيد أنها تستر، وما يخالف ذلك. وأما المرأة، فورد حديث: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم. وقد روي مرفوعًا، موقوفًا من حديث عائشة -رضي الله عنها-، ومن حديث قتادة. ومما يفيد وجوب ستر العورة أحاديث النهي عن الصلاة في الثوب الواحد، ليس على عائد المصلِّي منه شيء. وفي بعضها: «فليخالف بين طرفيه». وفي بعضها: «وإن كان ضيقًا فليتزر به». وكلها في الصحيح. هذه مجموعة من المسائل تتعلق بستر العورة. نأخذ المسألة الأولى: وهي هل ستر العورة شرط أم واجب؟ وهذه المسألة وقع فيها الخلاف كالمسائل الثلاث التي سبقت. فالجمهور يرون أن ذلك شرطًا. وذهب بعض أو جماعة من المالكية والظاهرية: أنها من الواجبات وليست بشرط. والصحيح: الثاني. ويدل على ذلك ما جاء في عدة أحاديث. وقد تقدم معنا: أن لازم الشرطية عدم التفريق بين العمد والخطأ، والجهل والعلم، أو النسيان. وقد ثبت في البخاري وغيره في قصة عمر بن سلمة: أنه صلى بهم، وكان أقرأهم، وانكشفت عورته في الصلاة لكون ثوبه قصير، ولا يملك غيره، فقالت بعض النسوة: «واروا عنا عورة قارئكم». في رواية: «ألا تجدون ما تسترون عورة صاحبكم؟» فقام قومه فاشتروا له ثوبًا عمانيًا. قال: «فما فرحت بشيء فرحي بثوب ذلك». الشاهد: أن الرجل هذا الشاب الذي كان يصلي بهم، وكان صغيرًا، إن كشفت عورته في الصلاة، ومع ذلك لم يؤمر بإعادة الصلاة؛ لأنه لم يتعمد كشف العورة. وأكثر الصحابة كانوا في فقر وفاقة، قد تنكشف عوراتهم في الصلاة. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح كذلك: أنه نهى أن يقوم النساء قبل أن يقوم الرجال؛ حتى لا يرى النساء ما قد ينكشف من عورات الرجال. وفي هذا دليل آخر: أن عورات الرجال كانت تنكشف أحيانًا؛ لقصر وقلة ذات اليد. فالأصل: أن الواحد منهم إذا قام عورته مستورة، ولكنه إذا سجد وركع قد تنكشف عورته. فهذا فيه دليل. وهذا هو الصحيح في المسألة: أن ستر العورة واجب وليس بشرط. ولكن كونه واجبًا ليس يعني أن يتساهل في كشفه، بل من تعمد كشف عورته مع القدرة على سترها فهو ماذا؟ آثم. وصلاته باطلة. ليست بالصحيحة. فإن قال قائل: كيف الصحابة يصلون؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا وهذا؟ معنى ذلك أنه يتكرر ولم تبطل صلاتهم؟ فبهذا دليل على جواز صحة الصلاة لمن وقعت منه ذلك؟ الجواب: لا. بل فيه دليل على أن من لم يستطع فيصلي بقدر ما استطاع. لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. وهذا هو الصحيح. ولذلك قد يضطر المسلم أن يصلي وعورته مكشوفة في حال الضرورة. وفي حال الضرورة يكون لها حكم ما ليس في حال غير الضرورة. ولهذا ذكر الفقهاء في حكم صلاة العريان: أن صلاته تصح إذا لم يجد ماذا؟ ما يستر عورته. قد يحصل للإنسان أن يضطر أن يصلي عريانًا. ماذا نقول له؟ صلاتك باطلة؟ صلاتك صحيحة؛ لأنه لم يجد ما يستر به عورته. إنسان فقير غاية في الفقر، لا يوجد هذا -بفضل من الله- في هذا الزمان، لكن في زمان الصحابة كان موجود. ما كان الرجل يجد ما يستر به عورته. بل أخبرنا بعض الأجداد، ومن رأيناهم: أنهم أدركوا زمنًا لا يجدون ما يسترون أعلى أجسادهم. يعني: كان بعض أجدادنا لا يجدون إلا ما يسترون ما بين السرة والركبة، ثوب واحد طوال السنة، ما يجد غيره. هذا الثوب يصلي فيه، ويعيد فيه، وينام فيه، ويخرج فيه، ويشتغل فيه، ما عنده غيره أبدًا. وهؤلاء كيف لا يُعذرون؟ أين يأتي بالمال؟ ما عنده مال يأكل، ولا يطعم من معه. فإن كان معه شيء فإنه يجعله للأكل. فمثل هذا لا شك أنه يُعذر أن يصلي على هذا الحال. فاتقوا الله ما استطعتم. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. لا يكلف الله نفسًا ما آتاها. فإذن: لابد أن نفرق. لا نقول: إن هذا معناه أن صلاة مثل هؤلاء تصح. هذا غير صحيح. بل الصحيح: معنى واجب: أي إذا تعمد ذلك وهو يستطيع ستر عورته، فصلاته باطلة، وهو آثم. وأما إذا لم يتعمد، حصل عن خطأ أو نسيان أو جهل أو نحو ذلك، فصلاته صحيحة. وبهذا تجتمع الأدلة. والله تعالى أعلم. نقف إلى هنا، وانتقل -إن شاء الله- إلى الكتاب الآخر.