الدرس في كتاب الصلاة 31، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام صلاة العيدين، حيث تُصلى ركعتين بتكبيرات قبل القراءة، يليها خطبة. وقتها يكون من ارتفاع الشمس إلى الزوال بدون أذان أو إقامة. يُستحب فيها التجمل والخروج إلى مكان خارج البلد للصلاة.
يناقش هذا الفصل حكم صلاة العيد، حيث اختلف العلماء بين وجوبها واستحبابها، مع ميل المؤلف إلى وجوبها لورود الأحاديث الدالة على ذلك. كما يُميز بين صلاة العيد وصلاة الجمعة في ترتيب الخطبة والصلاة، ويُشير إلى استحباب التجمل في العيد.
يغطي هذا الفصل عدة أحكام متفرقة تشمل تحريم لباس الحرير للرجال، وجواز الاكتحال، وحرية اختيار المسجد للصلاة، وأفضلية الحفظ على استخدام المصحف في قيام الليل. كما يلمح إلى اختلاف العلماء حول استخدام الكاميرات في المساجد والتجارة.
يُنهي هذا الفصل الدرس بالدعاء لله بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مما يعكس التزام المؤلف بالسنن النبوية واحترامه للنبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي مجموعة من المسائل المتعلقة بأحكام صلاة الجمعة. ومن هذه المسائل ما مر معنا مما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- من الرفص في ترك صلاة الجمعة، وذكر من الرفص اجتماع العيد مع الجمعة. ما هو الدليل لهذه المسألة؟ الدليل عند من؟ ما هو الحديث؟ إذا اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون. وتقدم معنا أن الحديث له طرق كثيرة فيها كلام، وأشار في التعليق إلى ما في هذه الطرق من ضعف أو إرسال أو نحوه، وأنها فيما يرى المحقق ضعيفة. والصحيح -كما قلنا- أنها بمجموع طرقها ترتقي إلى الحسن، وصححها شيخ للباني -رحمه الله- بالصحيحة. فاستفدنا من هذا أنه يرخص في ترك الجمعة إذا اجتمعت مع العيد. وهل معناه أن لا يصلي شيئًا؟ لا يصلي شيئًا عندك؟ ماذا يصلي أهل الحي وجوبًا كفائيًا صلاة الجمعة. ومن تركها، الجمعة، فماذا يصليها؟ ظهرًا. وبه نعرف خطأ قول من يقول: لا يصلي لا ظهرًا ولا جمعة. هذا خلاف الصواب. وعلمنا بعض الرخص، خلاصتها: ما هي الرخص الأخرى؟ المرض، السفر، الخوف الشديد. فما كان رخصة في صلاة الجماعة، فهو رخصة في صلاة الجمعة. ومنه المطر، حديث ابن عباس، وهكذا غيره من الأحاديث الأخرى. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب صلاة العيدين. قال: هي ركعتان، في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الثانية خمس تكبيرات كذلك، ويخطب بعدها. ويستحب التجمل والخروج إلى خارج البلد، ومخالفة الطريق، والأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى. ووقتها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال. ولا أذان فيها ولا إقامة. قول -رحمه الله-: باب صلاة العيدين. تقدم معنا وتكرر أن الباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام صلاة العيدين. والعيدان هما يوم الفطر والأضحى، كما سيأتي معنا إن شاء الله. ولا عيد لأهل الإسلام إلا بهذين العيدين، كما صحت الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال -رحمه الله تعالى-: أقول: قد اختلف أهل العلم: هل صلاة العيد واجبة أم لا؟ والحق الوجوب؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- مع ملازمته لها قد أمرنا بالخروج إليها، كما في حديث أمره -صلى الله عليه وسلم- للناس أن يغدوا إلى مصلاهم بعد أن أخبره الركب برؤية الهلال، وهو حديث صحيح. وثبت في الصحيح من حديث أم عطية، قالت: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نخرج في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور. فأما الحيض، فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. فالأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها، بفحو الخطاب. والرجال أولى من النساء بذلك. هذه المسألة الأولى من مسائل هذا الباب في حكم صلاة العيد، كما أشار -رحمه الله-. اختلف أهل العلم في حكم صلاة العيد على أقوال، من أشهرها ما أشار إليه: هل هي واجبة أم لا؟ ومنهم من قال: واجبة، ومنهم من قال: سنة مؤكدة، ومنهم من قال: غير ذلك. واختار المؤلف -رحمه الله- الوجوب؛ لهذه الأحاديث التي أشار إليها -رحمه الله تعالى-. والحديث الأول الذي أشار إليه: كون النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الناس أن يخرجوا إلى الصلاة. والأصل في الأمر الوجوب، إلا لصار هذا معنى. وجه الاستدلال في الحديث الذي أشار إليه: وهو حديث عمير بن أنس عن بعض عمومته، وسيأتي إن شاء الله. وهكذا أيضًا حديث أم عطية؛ فإنه فيه إخراج النساء، حتى الحيض وذوات الخدور، أي التي لا يخرجن. فدل هذا التأكيد على هذا المعنى الذي ذكره -رحمه الله تعالى-. وهل يرفع يديه في هذه التكبيرات؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. والصحيح أنه يرفع يديه في هذه التكبيرات؛ لعموم الأدلة الواردة في رفع اليدين في كل تكبير وكل خفض ورفع، ولوروده عن عدد من الصحابة، ولا يعلم لهم مخالف. وهذا كذلك من المسائل التي يسع فيها الخلاف، فلا ينبغي أن يشدد فيها كغيرها من المسائل التي اختلف فيها أهل العلم. قال -رحمه الله تعالى-: وأما كون الخطبة بعد الصلاة؛ فلما ثبت بالصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم. وإن كان يريد أن يقطع بعثًا أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف. وفي الباب من حديث جابر -رضي الله عنه- عند مسلم: وأول من خطب قبل الصلاة في العيد مروان، وأنكر عليه ذلك. وأخرج النسائي وأبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة العيد، فلما قضى الصلاة قال: إنا نريد أن نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب. فهذه من صفة صلاة العيد: أن يكون لها خطبة. والصحيح في هذه الخطبة -كما ذكر- أنها تكون بعد الصلاة، أنها تكون بعد الصلاة، خلاف صلاة الجمعة؛ فالخطبة تكون ماذا قبل الصلاة؟ أما صلاة العيد، فالخطبة تكون بعد الصلاة. هذه سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال -رحمه الله تعالى-: وأما كونه يستحب في العيد التجمل بالثياب؛ فقد ثبت بالصحيحين أن عمر وجد حلة بالسوق من استبرق تباع، فأخذها فأتى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ابتع هذه -يعني اشترها-، ومعنى استبرق: الفاخر من الحرير. قال: فتجمل بها للعيد والوفد. فقال: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ﴾ يعني؛ لأنها من الحرير، ولا يحل الحرير للرجال من هذه الأمة، كما صحت الأحاديث الكثيرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. ما حكم من يفعل الكحل للأعين؟ هل هو خاص بالنساء أو يجوز للرجل الكحل، وخصوصًا الإثمد؟ هذا ليس من خصائص النساء، فما كان ليس من خصائص النساء يجوز للرجال، بل قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يكتحل، كما في حديث ابن عباس وغيره، الصحيح في السنن: أنه كان يكتحل في العين اليمنى ثلاثًا، وفي العين اليسرى مرتين -يعني العينين خمس مرات-، وكان يكتحل بالإثمد. والإثمد أنواع، ومنه الإثمد الأحمر، مشهور ومعروف اليوم. والكحل فيه فوائد طبية كثيرة. وذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- في الطب النبوي الاكتحال، والاكتحال بالإثمد خاصة. فالاكتحال نوعان: بالكحل العادي الأسود، والكحل الإثمد بنوعيه الأسود والأحمر، وأحسنه الأحمر. فمن اكتحل اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وتطببًا وحفاظًا على صحة العين، والكحل يجلي البصر، فمن استطاع أن يفعله، فهذا أمر طيب. عندنا في القرية مسجد تقام فيه صلاة الجمعة، لكنني أذهب لمسجد آخر، فهل علي إثم؟ إن كان هناك سبب لا حرج في هذا، وإن كان الأفضل والأكمل أن تصلي مع أهل بلدتك؛ لأن من مصالح الاجتماع في الجمعة: فصل الألفة والمحبة والتعاون على الخير، وفصولًا طلبة العلم ينبغي أن يكونوا سبب رحمة في المجتمع، يتألفون الناس بالكلمة الطيبة والأخلاق الكريمة وحسن العشرة. يقول: ذكرتم أن من أعظم أسباب تثبيت القرآن وحفظه وإتقانه: مراجعته في قيام الليل. يقول: فإذا كان حفظي ليس متقنًا، فهل يجوز أن أقرأ من المصحف؟ الأفضل أن تقرأ من دون مصحف حتى تثبت الحفظ. وإذا أشكل عليك شيء، فلا بأس أن تفتح المصحف -يعني تستعين- تستعين بالمصحف أو بالجوال ليفتح عليك في حفظك في أجل؛ لئلا تستمر في مراجعة محفوظاتك، وستجد لذلك -بإذن الله- نشاطًا، بخلاف لو قرأت فقط من الجوال أو من المصحف، فسيثقل عليك مراجعة محفوظك. هل الكاميرات في المساجد والمحلات التجارية من الضرورات؟ مع التفصيل. الكاميرات لا يخفى عليكم أن فيها من مفسدة التصوير ما لا يخفى. ولكن مع ذلك فأهل العلم اختلفوا في حكمها. وأكثر مشايخنا وعلمائنا على الترخيص بها عند الحاجة والضرورة، إذا وجدت حاجة أو ضرورة فيرخص بها، بل قد تجب. بعض مشايخنا وعلمائنا يفتون بالوجوب في المواضع التي يكون فيها حفظ الضرورات الخمس: ما هي هذه الخمس؟ الدين والعرض والنفس والمال وخامس العقل. فما كان في حفظ هذه الخمس، فإنه يجب استخدامها. ولهذا ألزمت الكثير من الدول المسلمين باستخدامها إلزامًا؛ ليش؟ السبب: لحفظ هذه الخمس. فألزم بها في المحلات التجارية، في الأسواق، في المولات، في الأماكن التي هي مظنة الجريمة، ومظنة مرور المجرمين؛ سواء المجرم على الدين -كالخوارج وأهل الفساد- أو المجرمين على الأنفس، أو المجرمين على الأعراض. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.