مختصر سيرة الرسول  11

مختصر سيرة الرسول 11

الدرس في مختصر سيرة الرسول 11، تابع : فصل في أخلاقه صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أخلاق النبي في التعامل مع الناس

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الناس بحكمة ورفق، يستألف أهل الشرف ويكرم أهل الفضل. كما كان يرى اللعب المباح فلا ينكره ويعامل الناس بلطف.

خلق النبي في التعامل مع الأهل والخدم

كان النبي صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا، ويعامل الخدم بالرفق واللطف، ويعينهم على العمل. كما كان يعمر وقته بطاعة الله أو بما لا بد منه.

صفات النبي وأخلاقه وختام الحديث

النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحلى بالأخلاق الكريمة مثل الرحمة واللين والصبر، وكان خلقه القرآن. وقد اكتفى المتحدث بالقدر المعطى من الحديث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الحافظ محمد بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى، في سياق ذكره لأخلاقه عليه الصلاة والسلام: «وكان يحب الطيب، ويكره الريح الكريهة». قد تقدم. قال: «يستألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بشره عن أحد، ولا يجفو عليه». ومعناه أنه من خلق عليه الصلاة والسلام مراعاة منازل الناس وأحوالهم، يستألف أهل الشرف، لا يتذلل لهم تذلل المحتاج، ولا يترفع عليهم، ولكن يستألف أهل الشرف. وهذا الاستئلاف يكون تارة بطلاقة الوجه، وتارة بالكلام الحسن والاحترام بالضيافة، وتارة بتقديم شيء من العطاء الذي يستجلب به ويستألف به القلب. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويحرص على دعوة رؤوس قبائل العرب. فقد أعطى بعض رؤوس أهل نجد مئة من الإبل، وأعطى آخر وآخر، حتى وقع في نفوس بعض الأنصار كما في قصة غزوة حنين، إذ أعطى هؤلاء ولم يعط المهاجرين والأنصار مثلهم، فوقع في نفوس بعضهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام ما قال، مما هو معلوم مشهور في تلك الغزوة. جمعهم عليه الصلاة والسلام، وقال مقالة بلغتني عنكم: «أما لو شئتم لقلتم: جئتنا طريدا فآويناك، وضعيفا فنصرناك...» إلى آخر ما قال. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «الناس دثار، والأنصار شعار. لو سلك الأنصار واديا وشعبا لسلكت شعب وادي الأنصار». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الأنصار، أو أغضبتم للعاعة من لعاعة الدنيا؟ أعطيتها بعض الناس أتألفهم بها؟» وهذا والشاهد: «أتألفهم بها على دين الله، وتركت أقواما لإيمانهم. ألا تحبون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟». ثم قال: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار». فبكى الأنصار جميعا حتى أخضروا لحاهم من البكاء. فالشاهد: كان عليه الصلاة والسلام يتألف أهل الشرف، يتألف أهل الشرف. وهذا التألف كما قلنا: تارة ببذل المال، وتارة بحسن الضيافة، وتارة بحسن الكلام، وتارة بالبشاشة، وغير ذلك. يتألفه لا لضعف دينك، ولا كذلك للطمع بما في يديه، لأجل أن نفهم؛ لأن بعض الناس يأخذ هذا الحديث ثم يستعمله لأجل غرض الدنيا، لا، هذا خطأ. هناك فرق بين أن تتألف لأنك تريد أن تدخله بدين الله، وتحببه إلى شريعة الله، وغير ذلك من المقاصد الشرعية الطيبة، وبين أن تداهن رغبة ورهبة. فالشاهد أنه عليه الصلاة والسلام «يكرم أهل الفضل»، يعني ولو لم يكن له شرف، لكن له فضل، فضل شرعي، كأهل العلم وأهل الجهاد وأهل الخير والتعاون عليه، فهؤلاء من أهل الفضل الفضل الشرعي، فإنهم يكرمون. ولابد أن تفرق بين أهل الفضل وغيرهم، ليس إذا جاء إلى مجلسك عامة الناس يكون معاملته كمعاملة من وفقه الله لشيء من أبواب الفضل. فهذا يكرم، ولكن انظر إلى الترتيب، ترتيب أهل العلم. قدموا أهل الشرف وأخروا أهل الفضل؟ يستألف أهل الشرف ويكرم أهل الفضل. فأهل الشرف لأنهم ليس عندهم من الدين ما يعطيهم الصبر وما يعطيهم الإيثار يقدمون. وأهل الفضل لأن عندهم شيء من العلم والدين قد يؤخرون؛ لأنهم يوكلون إلى دينهم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعنا في غزوة حنين. «ولا يطوي بشره عن أحد» يعني لا يبخل ولا يتأخر ولا يتردد، لا يطوي يعني لا يمتنع ببشاشة وجهه واستبشاره عن أحد، استبشر مع كل أحد، حتى ولو كان هذا الأحد عدو لدفع شره، كما جاء في حديث عائشة: تعجبت حين ابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وبش له. فلما خرج ذكره النبي عليه الصلاة والسلام بما ذكر، فاتسألته عائشة رضي الله عنها، قال: «إننا لنبتسم أو قال: نستبشر في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم» يعني لنفاقهم، ولكن دفعا لشرهم يستبشر. فأنت قد تدفع شر ذوي الشر بالتبسم، من باب أولى إذا كنت ترجو هدايته ورجوعه تفعل ذلك بهذين المعنيين: نية تأليفه، ونية دفع شره. وعسى الله عز وجل أن يهديه بمثل هذا الخلق الحسن. وأما من جاهر بالفساد والشر فمثل هذا يهجر، وليس له مكان لصحبة ولا بشاشة، كما استدل العلماء بقصة الثلاثة الذين هجرهم النبي عليه الصلاة والسلام في تخلفهم عن غزوة تبوك. قال النووي رحمه الله: استدل أهل العلم بهذا الحديث على أصل هجر أهل البدع والمعاصي، أو كما قال رحمه الله. «ولا يجفو عليه» يعني لا يجفو، هذا هو الأصل في محل لا يستحسن فيه الجفاء. وأما في محل يستحسن فيه الجفاء للتعليم والتأديب والتربية، فإنه يكون كذلك، كما فعل مع المتخلفين لأجل التربية والتأديب والتعليم. والجفاء والهجر عند أهل العلم يستعمل للعلاج، فهو يراع فيه المصلحة من المفسدة. فأهل البدع والأهواء يهجرون؛ لأن العلاج بهجرهم بعد أن نوصحوا ولم يستجيبوا ولم ينفع معهم، حماية للمجتمع من شرهم أن لا يغتر بهم أحد، وكذلك تأديبا وردعا لهم لعلهم يتوبون ويرجعون. فإذا لم ينفع معهم اللين لعل الشدة تنفع معهم، فلهذين المعنيين ولغير ذلك يهجر أهل الأهواء. وهكذا أهل المعاصي المجاهرون بمعاصيهم. وأما المستتر فإنه لا يفضح، بل يعان على التوبة مع النصيحة إذا علم عن أمره بالستر، كما أن معصيته في الستر، فنصيحته تكون في الستر. ومن جاهر فيكون له بما يكون إصلاحه بحسب ما يقتضيه المقام. قال رحمه الله: «ويرى اللعب المباح فلا ينكره» يعني يقره ما دام لعبا مباحا، كما جاء في قصة الحبش الذين كانوا يلعبون بالحراب يوم العيد في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. والحديث في الصحيحين عن أبي هريرة، وجاء كذلك في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها. بل لما دخل عمر فأخذ الحصباء ورماهم بها وزجرهم وقال: «دعهم يا عمر، ليعلم الناس أن لعيدا». وقال: «أمنا يا بني أنجشة» يعني ليس عليكم خوف قد أمنتكم، ولا يضركم أحد. ولكن كما قال: اللعب المباح. وأما إذا كان غير مباح مما فيه مخالف للشرع أو فيه ضرر فإنه ينهى عنه. قال: «ويمزح ولا يقول إلا حقا» كذلك من خلق عليه الصلاة والسلام الحسن العظيم. وقد قال عنه سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. أنه كان يمزح، ولكن لا يقول إلا حقا، لا يقول إلا حقا، كما قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقا». رواه ابن حبان عن ابن عمر، وجاء معناه من حديث أنس، وهو حديث حسن، وذكره الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع وفي مواضع من كتبه. بل قال له الصحابة رضي الله عنهم كما في حديث أبي هريرة: «إنك لتداعبنا يا رسول الله». قال: «نعم، ولكني لا أقول إلا حقا»، لا أقول إلا حقا. قال: «ويقبل عذر المعتذر إليه» يعني إذا أخطأ في حقه. وأما إذا كان في حق الله سبحانه وتعالى فيرجعه إلى حكم الله، كما في قصة الثلاثة لما كان حقا لله جاءوا يعتذرون. وقالوا: «يا رسول الله، ليس لنا عذر، قد تخلفنا بكذا وكذا وكذا». أما المنافقون أقسموا الأيمان الكاذبة، وأما هؤلاء الثلاثة فقالوا الحق والصدق، فتركهم وأنظرهم إلى أمر الله عز وجل فيهم. فما كان حقا لله فهو إلى الله، وما كان حقا لك فالسنة النبي صلى الله عليه وسلم وخلقه الحسن أنه يقبل اعتذار المعتذر، يقبل اعتذار المعتذر. وهذا كثير في سيرته عليه الصلاة والسلام. ولا أدل على ذلك ما وقع له عليه الصلاة والسلام فيما كان قبل الهجرة. فإنه لما فتح الله عز وجل عليه مكة أطلقهم وعفى عنهم عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بحقه. وهكذا كذلك علم أصحابه فيما يتعلق بحقهم. وكذلك في مواضع كثيرة. قال: «هؤلاء عبيد وإماء لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس». كذلك كان عليه الصلاة والسلام من حسن خلقه، كمال وعظيم تواضعه. وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وألبس كما يلبس العبد». كما جاء من حديث عائشة وغيرها، وذكروا العلامة الألباني في الصحيحة وفي غيرها. فكان النبي عليه الصلاة والسلام له عبيد وإماء، لا يرتفع عليهم لا في مأكل ولا في ملبس، يأكل كما يأكلون، ويلبس مما يلبسون. وإذا من الله عليه بشيء ألبسهم مثل ما يلبس. وجاء في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ويوصي. والحديث فيه قصة، قال: «إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليأكل منه مما يأكل، وليكسوه مما يكسو». فكان أبو ذر لا يرى إلا وقد كسى خادمه مثل كسوته، حتى أنكر عليه بعضهم إذ رآه عليه حمار ومعه جبة. ومع خادمه كذلك، فقالوا له في ذلك، فذكر لهم هذا الحديث. وفي هذا الحديث في آخره، والحديث في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «ولا تكلفوه من العمل ما لا يطيقون، أو ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم»، فأعينوهم. فليس فقط أن تكرمه بالظاهر وتكلفه بالعمل، بل تحرص على الرفق به حتى في العمل الذي يعمله. فإن كلفته شيئا يظهر عليك أنه ثقيل عليه فأعينه على ذلك، وخفف عنه. وهذا من عظيم خلقه عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: «لا يمضي له وقت في غير عمل لله أو في ما لا بد له ولأهله منه». ومعناه أنه كان عليه الصلاة والسلام يعمر وقته إما بطاعة الله أو بما لا بد منه مما يحتاجه هو أو المسلمون أو أهل بيته. فكان عليه الصلاة والسلام يصوم حتى يقول القائل: لا يفطر. وكان عليه الصلاة والسلام يفطر حتى يقول القائل: لا يصوم، فيصوم وقت اقتضاء المصلحة الصيام، ويفطر عند اقتضاء المصلحة الفطر. فإذا اقتضت المصلحة الفطر لضيف أو لأهل أو لغير ذلك أفطر. وهذا من الاعتدال وحسن الخلق في استغلال الوقت. وهكذا كذلك من كل الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة: من أوله، وسطه، وآخره. وكان آخر قيامه إلى السحر. وهذا معناه كذلك أنه كان يعمر وقته بطاعة الله. فالمسلم كذلك متى ما وجد في نفسه نشاطا في أول الليل وخشي أن لا يقوم في آخره قام أول الليل. وإن استطاع أن يقوم في آخره قام في آخره. وهكذا كذلك حتى في الجمع بين الأعمال الصالحة وبين ما يحتاجه الإنسان أو ينفع به المسلمين. فقد كان عليه الصلاة والسلام يسم إبل الصدقة بيده وبنفسه عليه الصلاة والسلام، مع أن مثل هذا العمل قد يقوم به العبد، قد يقوم به العبد والخادم ويغني عن ذلك. بل الكثير من الصحابة لو أمرهم أو أشار إليهم لأغنوهم عن ذلك. لكنه كان عليه الصلاة والسلام يحب ذلك لنفسه؛ لأنه من أبواب الأجر والخير، ولأنه كذلك يسن في الناس سنة حسنة. والإنسان عموما، فضلا عن المسلم، فضلا عن من يريد الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، لا يستغني عن مثل هذه المعاني؛ لما فيها مصلحة له في دينه وفي دنياه. أما في دينه فزيادة الأجر، وسن السنة الحسنة. وأما في دنياه بما يكون ضد الخمول والكسل، وغير ذلك من المعاني الأخرى. وهكذا كذلك شأنه الخاص. وقد كان يصلح نعله عليه الصلاة والسلام، ويخيط ثوبه عليه الصلاة والسلام. يعني إذا احتاج إلى ذلك بنفسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في حديث عائشة في الصحيح. وهكذا مع أهله، ربما أعان أهله في مؤنتهم. وقد كان يقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». قال رحمه الله: «ورعى الغنم». وقال: «ما من نبي إلا وقد رعاها». وهو حديث جابر، كما أشار في الصحيحين، وصح عنه عليه الصلاة والسلام في البخاري وغيره. عن أبي هريرة أنه قال: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم». قال: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «حتى أنا، رعيتها على قراريط لأهل مكة». فهذا من حسن خلقه. وما وفقه الله عز وجل أن يرعى الغنم، ففيه إعانة الإنسان على أن لا يكون عنده شيء من الرفعة. الإنسان إذا رعى الغنم تكون عنده بساطة في العيش، وشيء من البساطة، وكذلك التواضع والصبر، وغير ذلك من معاني الرحمة واللين والصبر التي يكتسبها برعي الغنم؛ إذ رعي الغنم تكسب هذه الأخلاق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الرحمة في أهل الغنم، والغضاضة والجفاء في أهل الإبل». لأن تربية الغنم تقتضي الرحمة واللين، وتربية الإبل تقتضي الغلظة والجفاء. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم. وكما قال: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم». وهذا حكم من الله سبحانه وتعالى حتى يجمع من الأخلاق الفاضل الكريمة، ويزداد فوق ما آتاه الله. وهكذا من قبله من الأنبياء فيعينه على رعاية الأمة، على رعاية الأمة. قال: «وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه». والحديث كذلك في الصحيح، في صحيح مسلم وغيره. وجاءت له ألفاظ خارج الصحيح كثيرة. والشاهد أنه كان يحرص على العمل بالقرآن، كان يحرص على العمل بالقرآن. فمعنى قول عائشة: «خلقه القرآن» يعني يعمل بما في القرآن، ما تجد في القرآن من معاني الأخلاق الكريمة والخير والفضل، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل به. قال: «و «صح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما مسست ديباجا ولا حريرا أليا من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قط كانت أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم». ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين. فما قال لي: «أف»، ولا لشيء فعلت: «لما فعلت كذا؟» ولا لشيء لم تفعله: «ألا فعلت كذا وكذا؟» والحديث كما أشار في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه. والشاهد منه أنه عليه الصلاة والسلام كان لينا، حليما، رحيما في أخلاقه. ومعنى: «لي» في أخلاقه رحيم. وهكذا كذلك في بشرة يده عليه الصلاة والسلام، كان فيها شيء من اللين، كما قال: «ما مسست ديباجا ولا حريرا أليا من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم». فأعطاه الله عز وجل كمالا خلقيا وخلقيا صلى الله عليه وسلم. «ولا شممت رائحة قط كانت أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم» يعني مما كان من أصل خلقته على رائحة طيبة. وكذلك فسر بأنه مما يحرص على الطيب، وقد تقدم معنا معنى ذلك. وكلا الأمرين قد كان منه عليه الصلاة والسلام. وقوله في الحديث: «ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين». ومعناه: مع كثرة هذه السنين لم أر منه شيئا من التعنيف ولا التلوم، لا لوم ولا تعنيف. ما قال لشيء فعلته: «لو أنك فعلت». ولا لشيء لم تفعله: «لو أنك لم تفعل». بل ذكر كما في رواية للبخاري أنه في أول خدمته للنبي صلى الله عليه وسلم وكان صغيرا، قال له عليه الصلاة والسلام: «يا أنس، هل تذهب لتأتي بكذا؟» قال: «فقلت: ونفسي أن ألعب مع الأولاد، فقلت: والله لا أذهب». فخرجت، وفي نفسي أني سأذهب. فعلم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «فخرج بعدي، فأتاني من قفاي، فأخذ بمنكبي، وقال في أذني: هل ذهبت؟» فقلت: «سأذهب الآن يا رسول الله، وأنا ألعب مع الأولاد». قال: «أذهب الآن يا رسول الله». قال: «فتبسم في وجهي»، قال: «فذهبت». يعني معناه: إذا أراد شيئا يكرر السؤال، ولا يلوم ولا يعنف، لا يلوم ولا يعنف. فإذا أمرت أحدا: «هل تذهب؟» انظر فرق بين أن تقول: «اذهب» وبين أن تقول: «هل تذهب؟» هذا من اللطف ومن الرفق. وهكذا كذلك إذا لم يذهب، فرق أن تقول: «ما ذهبت إلى الآن؟ لم تذهب؟ يا عاصي، يا كذا وكذا؟». ربما يقول بعبارات أشد وأشد وأشد، كما يفعل بعض الناس. لكن أتى النبي عليه الصلاة والسلام، ومن رفقه أخذ بمنكبيه، ثم قال له من خلفه في أذنه: «هل ذهبت؟» فماذا قال؟ قال: «الآن أذهب يا رسول الله»، فذهب رضي الله عنه وأرضاه. وكما لا يخفى: عشرة عشر سنين ليست بقليلة، يظهر خلق الإنسان، ربما في مجلس أو مجلسين أو في سفر. وكيف بعشر سنين؟ فدل ذلك على عظيم خلقه عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك نحن نتأسى بأخلاقه عليه الصلاة والسلام، مما فيها من الرحمة والرفق واللين ومعاني الخير التي تهذب أخلاقنا وأقوالنا وأفعالنا. قال رحمه الله تعالى: «قد جمع الله تعالى له كمال الأخلاق ومحاسن الأفعال، وآتاه الله تعالى علم الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلم له من البشر، نشأ في بلاد الجهل والصحاري». وهذه معاني تقتضي فوات مثل هذه الأخلاق؛ لأن حياة الجهل مليئة بالجفاء والخروج عن الاستقامة. ولهذا كان من مظاهرها بغي الأعراب بعضهم على بعض، القوي أكل الضعيف، هذه حياة أهل الجهل وأهل البوادي والأعراب. ولهذا تجد الناس كلما كثر فيهم الجهل كثر فيهم البغي والظلم والعدوان، وكلما بث فيهم العلم حصل لهم من الأمن والطمأنينة والرحمة ما يكون سببا لحصول الأخلاق الكريمة فيما بينهم. وحياة الصحراء كذلك حياة شديدة تقتضي شدة وجفاء وبخلا، وغير ذلك من المعاني الأخرى التي هي من لوازم أو من مؤثرات الحياة في الصحراء. ومع ذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام على هذا الخلق العظيم، وهو لا يقرأ ولا يكتب، وليس له معلم يعلمه من البشر، ولكن عناية ربانية وكرم أكرمه الله عز وجل به: خلقا وخلقا عليه أفضل الصلاة والسلام. قال رحمه الله: «أتاه الله ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره على جميع الأولين والآخرين، فصلوات الله عليه دائما إلى يوم الدين». فصل الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم.