الدرس في جواهر البلاغة 104، الدرس الرابع بعد المائة:من( المبحث الأول:في إجمال مواضع الوصل ... وقصد تشريك الجملة الثانية لها في الأعراب حيث لا مانع نحو علي يقول ويفعل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول شرح مواضع الوصل في اللغة العربية، حيث يكون الوصل بثلاثة مواضع إذا اتحدت الجملتان في الخبرية أو الإنشائية. يشرح الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك هذه المواضع مع الأمثلة من القرآن الكريم والشعر العربي.
يتناول شرح الاتحاد اللفظي والمعنوي في الجمل مع أمثلة من القرآن الكريم، مثل آية 'إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم'. كما يشرح كيفية التفريق بين الجمل الخبرية والإنشائية.
يشرح موضعًا من مواضع الوصل بين الجمل عندما تشترك في الحكم الإعرابي، ويجب أن تتفق في الإسمية والفعلية، مع جواز العدول لأغراض بلاغية مثل حكاية الحال واستحضار الصورة الغريبة.
يفسر استخدام الجملة الفعلية في الدلالة على التجدد والاستمرار، والجملة الإسمية في الثبوت والدوام، كما في مثال 'الصديق يكاتبني وأنا مقيم على وده'.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الملف، رحمه الله تعالى: المبحث الأول في إجمال مواضع الوصل. قال رحمه الله تعالى: الوصل عطف جملة على أخرى بالواو، ويقع في ثلاثة مواضع. مر معنا فيما سبق الكلام على تعريف الوصل والفصل وبلاغة الوصل مع تعليقات مجملة في هذا المبحث، وعلمنا هناك شيئًا مجملًا، وهنا ناسب أن يذكر شيئًا من التفصيل في مباحث هذا الباب. قوله رحمه الله: «والوصل عطف جملة على أخرى بالواو» كما قلنا: إن هذا هو غالب الوصل، والمراد بالوصل الذي له معنى، أي ما له تعلق بالمعاني البلاغية. وقوله: «ويقع في ثلاثة مواضع» علق قائلًا: الوصل يقع وجوبًا بين جملتين متناسبتين، لا متحدتين ولا مختلفتين، كما سيأتي تفصيل ذلك. وقد مر معنا الإشارة فيما سبق إلى معنى هذا الكلام. قال رحمه الله تعالى: الأول، أي الموضع الأول، إذا اتحدت الجملتان في الخبرية والإنشائية لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، ولم يكن هناك سبب يقتضي الفصل بينهما، وكانت بينهما مناسبة تامة في المعنى. فمثال الخبريتين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾، ومثال الإنشائيتين قوله تعالى: ﴿فَادْعُوا وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، وصل جملة «ولا تشركوا» بجملة «واعبدوا» لاتحادهما في الإنشاء. قال: ولي أن المطلوب بهما مما يجب على الإنسان أن يؤديه لخالقه ويختصه به. ومن هذا النوع قول المرحوم شوقي بك: «عالجوا الحكمة واستشفوا بها وانشدوا ما حل منها في السير أو في السير» فقد وصل بين ثلاث جمل تتناسب في أنها مما يتعلق بأمر الحكمة وبواجب الشباب في طلبها والانتفاع بها. قوله هنا في الموضع الأول: إذا اتحدت الجملتان في الخبرية والإنشائية لفظًا ومعنى، يعني من مواضع الوصل. وكما مر معنا أن الوصل هنا يكون بالواو، فتوصل الجملة بالجملة في هذا الموضع إذا اتحدت كلتا الجملتين في الخبرية والإنشائية لفظًا ومعنى، أو معنى فقط. فالاتحاد اللفظي في نوعية الجملة، كونها خبرية أو كونها إنشائية، هذا الاتحاد اللفظي. فمثلًا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾، كلتا الجملتين الأولى «إن الأبرار لفي نعيم» خبرية، والثانية خبرية «إن الفجار لفي جحيم». وسبق معنا معرفة الخبر، وأنه ليس الخبر عند النحاة، ولكن الخبر عند البلاغيين ما يحتمل الصدق والكذب لا لذاته، والإنشاء ضد ذلك. قال رحمه الله تعالى: ومثال المختلفتين قوله سبحانه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، أي: إني أشهد الله وأشهدكم. فتكون الجملة الثانية في هذه الآية إنشائية لفظًا، ولكنها خبرية في المعنى. فهنا حصل الاتحاد في المعنى فقط. وأما في اللفظ فهو مختلف؛ لأن جملة «إني أشهد الله» خبرية، وجملة «واشهدوا» طلب، فهي إنشائية. قال رحمه الله تعالى: ونحو «اذهب لا فلان وتقول له كذا»، فتكون الجملة الثانية من هذا المثال خبرية لفظًا، ولكنها إنشائية معنى. وقل له: يعني «اذهب لا فلان وتقول له كذا» جملة، وتقول ظاهرها أنها خبرية، لكنها مضمنة معنى ماذا؟ معنى الأمر. وكونها مضمنة معنى الأمر حصل التوافق المعنوي مع الجملة الأولى، فصار ظاهرها الخبر وحقيقتها أو أنها مضمنة الإنشاء. قال رحمه الله تعالى: الثاني. قال: دفع توهم غير المراد، وذلك إذا اختلفت الجملتان في الخبرية والإنشائية، وكان الفصل يوهم خلاف المقصود، كما تقول مجيبًا لشخص بالنفي: «لا شفاه الله» لمن يسألك: «هل بريء علي من المرض؟» فترك الواو يوهم السامع الدعاء عليه، وهو خلاف المقصود؛ لأن الغرض الدعاء له. قال معلقًا رحمه الله: أما إذا لم يحصل إبهام خلاف المقصود، فيجب الفصل، نحو: «سافر هلان سلمه الله». فهنا يجب الفصل لعدم وجود الإشكال ولا التغيير للمعنى. قال رحمه الله تعالى: فجملة «شفاه الله» خبرية لفظًا، إنشائية معنى، والعبرة بالمعنى. واعلم أن الجملة الأولى المدلول عليها بكلمة «لا» جملة خبرية؛ إذ التقدير: «لا برأ حاصل له»، وهناك شيء محذوف. وهكذا يقدر المحذوف بحسب كل مثال يليق به. قال رحمه الله: الثالث، أي من مواضع الوصل، إذا كان للجملة الأولى محل من الإعراب، وقصد تشريك الجملة الثانية لها في الإعراب، حيث لا مانع، نحو: «علي يقول ويفعل»، في محل رفع خبر المبتدأ؛ لأنها خبر «علي». وكذلك جملة «ويفعل» معطوفة على جملة «يقول»، وتشاركها بأنها في محل رفع خبر ثاني للمبتدأ، أي نفس المبتدأ. فاشتراك الجملتين في الحكم الإعرابي يوجب الوصل، فحصل هنا توافق من جهة المعنى. قال: وحكم هذه الجملة حكم المفرد المقتضي مشاركة الثاني للأول في إعرابه. والأحسن أن تتفق الجملتان في الإسمية والفعلية، والفعلتان والفعليتان في الماضوية والمضارعية، أي أن تعطف الإسمية على مثلها، وتقول: وكل من الماضوية والمضارعية على مثلها. يعني مثلًا هنا كما ترى: «علي يقول ويفعل»، فهنا عطف جملة فعلية على جملة فعلية، وفي نفس الوقت جملة فعلية بالمضارع على جملة فعلية بالمضارع. قال: وكذا الاسميتان في نوع المسند من حيث الإفراد والجملة والظرفية. يعني إذا كان الخبر مفردًا فالمعطوف عليه ينبغي أن يكون مفردًا. والمفرد في باب الخبر، أي المبتدأ والخبر، ليس كالمفرد في غيره. وهكذا الجملة، يعني إذا كانت جملة مثل «يقول» أو الظرفية، يعني أن يكون ظرفًا أو قل شبه جملة، فينبغي أن يكون المعطوف عليه كذلك مثله. قال: ولا يحسن العدول عن ذلك إلا لأغراض، يعني الخروج عن هذا. قال: كحكاية الحال الماضية، واستحضار الصورة الغريبة في الذهن، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون. الشاهد: «كفروا» ماضي، و«يصدون» مضارع. والسبب في كونه ساغ أن يأتي على هذه الصورة كما قال رحمه الله: حكاية الحال الماضية، واستحضار الصورة الغريبة في الذهن، أي: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله، أي الآن جمعوا بين هذا وهذا؛ لأن الكفر قديم. قال: وكإفادة التجدد في إحداهما والثبوت في الأخرى، نحو: «أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين؟» فقد لوحظ في الأول إحداث تعاطي الحق، وفي الثانية الاستمرار على اللعب والثبات على حالة اللعب. فكذلك إذا حصل معنى يقتضي تمامه اختلاف الجملتين جاز ذلك. قال: ونحو «الصديق يكاتبني وأنا مقيم على وده»، وذلك لأن الدلالة على التجدد تكون بالجملة الفعلية، يعني استمرار المكاتبة، وعلى الثبات في الجملة الإسمية. الجملة الإسمية من معانيها الثبوت. ومثل هذا يحصل عند إرادة المضي في إحداهما والمضارعية في الأخرى. فإن المضي يفيد الثبوت والمضارع يفيد التجدد.