الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 27، الدرس السابع والعشرون:من( ثم قال رحمه الله:فجزها ممراً لا مقراً وكن بها*غريباً تعش فيها حميداً وتسلم ... ولكن بشرط أن يكون ذلك على الوجه الصحيح المطلوب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ينصح الشيخ ابن بريك بالابتعاد عن التعلق بالدنيا لأن ذلك يؤدي إلى الطغيان والانشغال عن الآخرة. يجب أن تكون الدنيا ممرا لا مقرا.
يجب علينا أن نتعظ بما يحدث في الدنيا ونستعد للآخرة بالعلم النافع والعمل الصالح. الحياة الطيبة تأتي بنور العلم والإيمان ولذة الطاعة.
يجب استخلاص العبر من الأحداث والمواعظ في الحياة الدنيا والاجتهاد في الأعمال الصالحة. على المسلم أن يكون مستعدا للرحيل عن الدنيا ويجعل حياته جهادا في طاعة الله.
كل إنسان له نهاية مهما طال عمره، فيجب على الإنسان إصلاح أعماله وأقواله وطلب العون من الله تعالى. الاعتماد على الله ضروري للنجاح في الدنيا والآخرة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: ثم قال رحمه الله: «فجزها ممرا لا مقرا، وكن بها غريبا تعيش فيها حميدا وتسلم». قال: وهذه نصيحة من ابن القيم رحمه الله أن يجوز الإنسان هذه الدنيا على أنها ممر لا مقر، وأن يكون فيها كالغريب الذي لا يريد الاستيطان فيها، حتى يعيش حميدا ويسلم. ولكن البلاء كل البلاء أن يتخذها الإنسان مقرا وموطنا، لأنه إذا اتخذها مقرا وموطنا ففلعن الآخرة بلا شك، لأنه يرى أن هذا هو موطنه، مع أنه يوم القيامة سيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، أي: هي الحياة العظيمة الحقيقية. ولهذا قال سبحانه: ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾، أي: الحياة الكاملة. وهذا كذلك من الناظم رحمه الله تعالى موعظة أخرى يعظ بها السائرين إلى بلاد الأفراح، فيعظهم أن لا يغتروا بهذه الدنيا، وأن يمروها مارين لا مستقرين، وأن يمروها وهم غرباء، ولا يمروها وهم مستوطنون. والفرق -كما ذكر شيخنا رحمه الله في الشرح- أن الإنسان إذا اتخذها مقرا وليس ممرا دعاه ذلك إلى أن يركن إليها، وإذا ركن إليها طغت عليه بشهواتها وزخرفها، فدعاه ذلك إلى التخلف عما أريد به من الوصول إلى بلاد الأفراح. فإن الإنسان إذا ركن إلى الدنيا كان ذلك مدعاه لتجاوز الحلال إلى الحرام، والتوسع في المباح إلى المشبوه، وغير ذلك مما هو من ثمرات وتبعات استيطان هذه الدنيا وعدم كون المار فيها غريبا. ولهذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». لأن الإنسان إذا كان في الدنيا غريبا أو عابر سبيل لم يحرص على الاستكتار منها، فانشغاله بالاستكتار منها يصرفه عما هو خير له من الحرص على استيفاء ما أوجب الله عليه وما كذلك رغب فيه، وكل ذلك ينفعه. قال رحمه الله: ثم قال رحمه الله: «أو ابن سبيل، قال في ظل دوحة وراح، وخلى ظلها يتقسم، أخا سفر لا يستقر قراره، إلى أن يرى أوطانه ويسلم». فيا عجبا كم مصرع وعظت به. قال: فيا عجبا كم مصرع وعظت به بنيها، ولكن عن مصارعها عموا. وهذا صحيح، فإن من العجب أن نرى مصارع الدنيا التي وعظت بها بنيها، ثم بعد ذلك نتعامى عن ذلك. فكم نرى من أناس كانوا أغنياء فأصبحوا فقراء، فبينما كان الناس يتكففون إليهم أيديهم، صاروا هم الذين يتكففون إليهم الناس. ومثل هؤلاء الموت خير لهم من الحياة؛ لأنهم ذاقوا الذل بعد العز. وكم من إنسان كان قوي العضلات وفي عنفوان شبابه وفي نظارة وجهه، ثم أصيب بحادث أهزله بعد السمن، وغبر وجهه بعد النظارة، حتى صار من يراه يرق له ويحزن عليه. وكم من إنسان بنى وأمل، وذهب خياله إلى زمن بعيد، ولكنه لم يسكن ما بنى. وكم من إنسان غرس وزرع، وكان يؤمل أن يستمتع بثمرات ما غرس وما زرع، ولكن حيل بينه وبين هذا. وكم من أناس نحن علمناهم في عصرنا، وسمعنا عنهم فيمن سبقنا، كانوا كثرة مجتمعين في بيت واحد أو في بيوت متقاربة، الأخ مع أخيه والأب مع أبنائه ومع بناته ومع أهله، وهم على أكثر ما يكون من الأنس والفرح والسرور، فإذا بهم يتفرقون بموت أو مصائب أو فقر أو عدو أو غير ذلك. ولذلك كان الواجب علينا أن نتعظ بما تعظ به الدنيا. وليس الاتعاظ معناه أن نبكي إذا ذكرنا هذه الأحوال، ولكن الاتعاظ هو أن نتخذ منها العبرة، وأن نفهم أنها ليست دار مقر ولا دار نعيم مقيم، بل الآخرة هي دار المقر ودار النعيم المقيم. وأن نأخذ منها سلما للآخرة، وكأنما نقدم الثمن لسلعة منتظرة. والمراد بالسلم يعني بيع السلم الذي يقدم الثمن وتؤخر السلعة، فكذلك أمر الآخرة، أنت تقدم الثمن بالدنيا وتقبض سلعتك يوم القيامة، وذلك بالعلم النافع والعمل الصالح. قال: «وكأنما نقدم الثمن لسلعة منتظرة، وحينئذ نربح الدنيا والآخرة؛ لأنك إذا حرصت على ذلك قنعك الله وأراحك الله وأعطاك الحياة الطيبة». فالحياة الطيبة ليست بكثرة الدور والقصور، ولا بالتوسع بالمباحات وأسباب الترف، ولكن حسب الإنسان أن يأخذ من هذه الدنيا الواسعة ما يحتاجه من زادي إلى الله سبحانه وتعالى في سيره إليه؛ لأنه لو توسع في ذلك لم يسلم أن يشغل عما ينفعه، فضلا عن الدخول في المشبوه أو المحرم. قال: «ولا أحد ألد وأنعم عيشا وأطيب قلبا وأهدأ بالا من المؤمن العام للصالحات». قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. هذه الحياة الطيبة بنور العلم والإيمان، وبلذة الطاعة والعبادة، وبحلاوة الذكر والقرآن، وكل معنى من معاني هذا الدين العظيم، فبها يجد الإنسان الحياة الطيبة الحقيقية. ولهذا يجد الإنسان في نفسه راحة إذا أقبل على هذه الطاعات في أفرادها، فكيف إذا اجتمعت عليه؟ يجد الإنسان لذة في صيامه وفي صلاته وهكذا، كذلك في سائر الطاعات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. فإذا اجتمعت هذه جميعا كانت سببا لحياة طيبة. وقوله رحمه الله تعالى: «وابن السبيل قال في ظل دوحة» هذا كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مالي وللدنيا إنما أنا كرجل استضل تحت شجرة ثم تركها». قال رحمه الله: «وأنا أقول لكم هذا مع أني مقصر، ولكني أرجو أن يكون في كلامي خير وبركة لي ولكم، فإن لله وإن إليه راجعون». فإذا قال هذا مثل شيخنا رحمه الله، فماذا عسانا أن نقول؟ فنسأل الله عز وجل أن يصلح ظاهرنا وباطننا وأن يعيننا على أنفسنا. قال: «والواجب علينا أن نلاحظ الأمر بدقة وأن نحاسب أنفسنا على أعمالنا، وأن يكون في قلوبنا إيمان به تتساوى عندنا أقدار الله عز وجل، ويستوي عندنا الشر والخير، فنطمئن؛ لأن الخير والشر من الله». وإن كان الشر لا ينسب إلى الله تعالى كما قال عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم من حديث علي: «والشر ليس إليك». فلا يضاف إلى الله عز وجل إضافة فعل ولا وصف، ولكنه يضاف إليه إضافة خلق. قل: أعوذ برب الفلق من شر ما خلق. الله سبحانه وتعالى يخلق الخير والشر، وليس من وصفه الشر ولا من فعله الشر، فعله كله خير، ولحكمة بل حكم عظيمة خلق الخير والشر. ولهذا حتى الشر الذي يخلقه يخلقه وهو ليس شرا محضا، بل هو شر فيما يرى الإنسان، وله حكم بالنسبة لما خلق الله جل وعلا. قال: «ولكنه من قضائه»، أي: من مقتضياته. فتجد الإنسان مطمئنا إن أصابته سراء شكر، ولم يحمله ذلك على الأشر والبطر. وإن أصابته ضراء صبر، ولم يحمله ذلك على الجزع والتصخف وكراهة قدر الله عز وجل، بل يعلم أن الله عز وجل له حكمة فيما قضى وقدر، فيطمئن القلب ويبقى دائما مسرورا. ومعنى أن هذا معنى من معاني حصول الحياة الطيبة وإصلاح المسلم لنفسه بسيره إلى ربه سبحانه وتعالى. وإلا فاستمساكه بدين الله جملة وتفصيلا هو الذي يكون به تمام استقامته وسلامته. قال: «ووالله لا أحد أنعم من الإنسان المؤمن بالقضاء والقدر، ولكن بشرط أن يكون ذلك على الوجه الصحيح المطلوب». فهذا خلاصة ما ذكر المؤلف رحمه الله في هذه الأبيات الثلاثة، وهو كذلك يعظ فيها هذا الإنسان المسلم السائر إلى بلاد الأفراح أن يتعظ بغيره، وأن يكون في هذه الدنيا كابن السبيل الذي استضل تحت شجرة ثم تركها، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما لي وللدنيا إنما أنا كرجل استضل تحت شجرة ثم تركها». وهذا حال الدنيا، مهما طال الإنسان عمره فيها فهو منتهي، ومهما كذلك بقي فيها فلابد له من رحيل. فإذا كان الأمر كذلك وجب عليه أن يكون مستعدا لهذا السفر. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». فلهذا اتبعه في البيت بعده فقال: «أخا سفر لا يستقر قراره، إلى أن يرى أوطانه ويسلم». فالمؤمن في هذه الدنيا كالمسافر لا يستقر ما دمت في طريق السفر، فأنت غير مستقر، بل أنت في جهد دائم؛ لأنك مسافر وتريد الوصول إلى الموطن والبلد الذي تستقر فيه. ولهذا المؤمن هو مستمر ومجتهد في الأعمال التي تقربه إلى الله، ولا يزال حال الدنيا تعبا. فما دام الدنيا تعبا اجعلها تعب تنتفع به، وتعب تعوب عنه بخير. اجعل حياتك بهذه الدنيا جهادا في طاعة الله، منشغلا، لكن ليس كالناس ينشغلون بما يصرفهم عن باب رضوان الله وطاعته ورحمته، ولكن أنت منشغل بشيء آخر يختلف عن الناس، أنت منشغل بعلم نافع، أنت منشغل بأعمال متنوعة صالحة. فأنت تارة في صلاة، وتارة في صيام، وتارة في علم وتعليم، وتارة في أبواب الصدقة والإحسان إلى الناس، وهكذا. تارة في حج، وتارة في عمرة، وتارة في صلة رحم، وكلها أعمال خير وبر. فأنت تجتهد أن تعمل أعمال الخير المتنوعة التي تنفعك بها يوم القيامة، بينما غيرك هو في لهو دائم وفي شغل دائم، لكن عما لا ينتفع به، وراء الدور والقصور وخلف العقار والشهوات، إذا لم يقع في الحرام أو يتوسع في المباح المشبوه. وقوله: «فيا عجبا كم مصرع وعظت به بنيها، ولكن عن مصارعها عموا»، يعني: الدنيا مواضع العبر كما ذكر شيخنا رحمه الله في الأمثلة الكثيرة التي ذكرها، والمؤلف رحمه الله يريد بذلك هذا المعنى من الأمثلة. وهكذا كذلك كون الإنسان نفسه يرى غيره وقد صرع، فانتهى حياة غيره وهو يرى بعينه إلى أي شيء انتهى؟ ففي هذا عبر أخرى؛ فإنه كما مات هذا الإنسان أنت ستموت، وبأي شيء انتهى؟ أنت رأيت بعينك. فإذا لكل إنسان مهما طال عمره نهاية. فنسأل الله عز وجل أن يصلح أعمالنا وأقوالنا وظواهرنا وبواطننا وأن يعيننا على أنفسنا. وإلهنا والله تعالى أعلم.